"وسع ربنا كل شيء علماً على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين" (سورة الأعراف: الآية 89) .
إن البكاء في الدعاء أمر مستحب وقد مدح الله تعالى البكائين من خشيته، وأشاد بهم في كتابه الكريم: "إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجداً . ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولاً . ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً"، (سورة الإسراء الآيات 107-109) . وقال تعالى عن أهل الجنة: "وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ . قَالُوا إِنا كُنا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ . فَمَن اللهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السمُومِ . إِنا كُنا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنهُ هُوَ الْبَر الرحِيمُ"، (سورة الطور الآيات: 25 - 28)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع" . كما قال: "سَبْعَةٌ يُظِلهُمُ اللهُ في ظِلهِ يَوْمَ لا ظِل إلا ظلهُ . ."، وفي آخر الحديث: "ورَجُلٌ ذَكَرَ الله خالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ" . وأيضاً قال "عينان لا تمسهما النار، عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله" .
ولقد كان كذلك نبي الله شعيب عليه السلام فقد روى في حديث مرفوع: أنه بكى من حب الله حتى عمى، فرد الله عليه بصره، وقال: يا شعيب . . أتبكي خوفاً من النار؟ أو من شوقك إلى الجنة؟ فقال: بل من محبتك .
أهل مدين
ويقول الشيخ محمد متولي الشعراوي في كتاب "قصص الأنبياء"، "أرسل الله تعالى شعيباً عليه السلام إلى قوم يسكنون مدين من أطراف الشام، داعياً إياهم إلى توحيد الله وعبادته وكان أهل مدين كفاراً يقطعون السبيل ويخيفون المارة كما كانوا ينقصون المكيال والميزان، ولا يعطون الناس حقهم فهم يعتبرون بخس الناس أشياءهم نوعا من أنواع المهارة في البيع والشراء، وكانوا يعبدون الأيكة وهي شجرة من الأيك حولها غيضة ملتفة بها .
وقد دعاهم شعيب عليه السلام إلى عبادة الله سبحانه وتعالى ونهاهم عن الاستمرار في أفعالهم القبيحة من بخس الناس أشياءهم وإخافتهم في سبلهم وطرقاتهم، قال تعالى: "وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا الناسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ"، (سورة هود: الآية 85) . لكن قومه كذبوه وكان هؤلاء المكذبون في غاية الضلال والجحود، وعندما أطال عليهم نبي الله شعيب في الدعوة والموعظة جاهروه بالعداء، وادعوا أنهم لا يفقهون كلامه، ولا يعرفون غرضه وتوعدوه بأنه لولا رهطه لقتلوه كما قال تعالى: "قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِما تَقُولُ وَإِنا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ"، (سورة هود: الآية 91) .
عقول مغلقة
ويذكر أحمد بهجت في كتاب "أنبياء الله": "بدأ قوم مدين التهكم والسخرية من سيدنا شعيب عليه السلام فقالوا له بدهشة ساخرة، تخيل يا شعيب أن صلاتك تتدخل في إرادتنا وطريقة تصرفنا في أموالنا أي أنهم طرحوا أمامه قضية الإيمان وعلاقتها بالعمل ونفوا أن تكون لها علاقة بسلوك الناس وتعاملهم واقتصادهم وأنكروا أن يتدخل الدين في حياتهم اليومية، قال تعالى: "قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصلواتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرشِيدُ" (سورة هود: الآية 87)، لكن شعيباً عليه السلام أفهمهم أنه على بينة من ربه، وأن ما يريده هو الإصلاح، وبدأ حواره معهم بأن ينبههم إلى أن عنادهم سوف ينتهي إلى نتائج مؤسفة ويؤدي إلى هلاكهم وبعدها فتح لهم النبي باب الاستغفار والتوبة موضحاً أن الله رحيم يقبل التوبة من عباده "واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود" (سورة هود: الآية 90) . ودخل قوم شعيب مرحلة جديدة من التهديد فهددوه بالقتل والطرد من قريتهم وخيروه بين التشريد والعودة إلى ملتهم التي تعبد الأشجار والجمادات، أفهمهم شعيب عليه السلام أن مسألة عودته إلى ملتهم ليست ضمن المسائل الواردة في حواره معهم، فهو يدعوهم إلى ملة التوحيد بالله فكيف يدعونه إلى الشرك والكفر بالله؟ وهنا توجه إلى ربه داعياً أن يفتح بينه وبين قومه بالحق "وسع ربنا كل شيء علماً على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين" (سورة الأعراف: الآية 89) . "فآمن معه البعض أما البعض فاستمروا في الصراع مع نبيهم شعيب عليه السلام حتى طالبوه بأن يسقط عليهم العذاب إن كان من الصادقين" .
سحابة قاتلة
ويقول صفوت جوده أحمد في كتاب "أنبياء الله في القرآن الكريم": "أمر الله تعالى شعيباً عليه السلام بأن يخرج مع المؤمنين من القرية فخرجوا وجاء أمر الله تعالى، فأصاب القوم حر شديد، وأسكن هبوب الهواء عنهم سبعة أيام، فكان لا ينفعهم ماء ولا ظل، فهربوا إلى البيوت والكهوف فلم يجدوا إلا الحر الخانق، وأخيراً هربوا إلى الخلاء يبحثون عن متنفس لهم فأظلتهم سحابة كبيرة فاجتمعوا تحتها ليستظلوا بظلها فما إن تكاملوا تحتها حتى أرسل الله عليهم شرراً ولهباً وشهباً، ثم رجفت الأرض وجاءتهم صيحة من السماء، فأزهقت أرواحهم وأصبحوا في مكانهم جاثمين"، صعقت الصيحة كل مخلوق ولم يستطع أحد أن يتحرك أو يجري أو يختبئ، قال الله تعالى: "وَقَالَ الْمَلأُ الذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنكُمْ إِذاً لَخَاسِرُونَ * فَأَخَذَتْهُمُ الرجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ"، (سورة الأعراف: الآية 90 - 91)، "ونجى الله شعيباً عليه السلام ومن معه من المؤمنين من العذاب الذي وقع على قومه" .