أ .د . قصي الحسين
هناك أحاديث كثيرة وردت في كتب الصحاح تستلهم ما خصّ الله تعالى به الرسول صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، وفضله به على سائر الأنبياء والرسل بخصوص الكرامة والتقديم وقضاء أمور الجماعة، وهو إذ ذاك شفيعهم المشفع في المحشر، وخطيبهم المأذون له في التكلم وفصل القضاء، إذ يئسوا من النجاة من شدّة ذلك اليوم وهوله حين تبلغ القلوب الحناجر .
ففي حديث رواه الترمذي (5/585) عن الربيع بن أنس، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا أول الناس خروجاً إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا وفدوا، وأنا مبشرهم إذا أيسوا . لواء الحمد بيدي . وأنا أكرم ولد بني آدم على ربي ولا فخر" . والمراد بقوله: إذا بعثوا: إذا خرجوا من قبورهم إلى المحشر . وإذا وفدوا: إذا قدموا على الله وقاموا بين يديه للحساب . ومبشرهم: بالخلاص من المحشر وطول موقفه . وإذا أيسوا: إذا يئسوا . وفي "نسيم الرياض" (2/339): سمي لواء الحمد، لأن الله سبحانه وتعالى حمد النبي صلى الله عليه وسلم بمحامد لم يحمد بها غيره . وهو إشارة لتقدمه صلى الله عليه وسلم وعظمته وكثرة حمده . ولا فخر: أي أنا لا أذكره للفخر، بل للتحدث بنعم الله .

على يمين العرش

وفي رواية ابن زهر عن الربيع بن أنس في لفظ هذا الحديث: "أنا أول الناس خروجاً إذا بعثوا، وأنا قائدهم إذا وفدوا، وأنا خطيبهم إذا أنصتوا، وأنا شفيعهم إذا حبسوا، وأنا مبشرهم إذا أبلسوا . لواء الكرم بيدي . وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر . ويطوف عليّ ألف خادم كأنهم لؤلؤ مكنون" . وفي المراد: (الإنصات: السكوت . أي أنا المتكلم بين يدي ربي في أمرهم والشفاعة لهم وقد سكتوا ولم يطيقوا نطقاً لحيرتهم . إذا حبسوا في الموقف، واضطربوا وفزعوا للأنبياء، فقال كل منهم: نفسي نفسي، فيشفع لهم صلى الله عليه وسلم الشفاعة العظمى في فصل القضاء . ومبشرهم إذا أبلسوا: أي مبشرهم بالخلاص من هول الموقف، والحبس فيه . أبلسوا: انقطعت حجتهم، وتحيروا وسكتوا ليأسهم من النجاة) .
وفي حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه، رواه الترمذي أيضاً في سننه: (5/587): "أنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر، ويطوف عليّ ألف خادم، كأنهم لؤلؤ مكنون، وأكسى حلة من حلل الجنة، ثم أقوم من يمين العرش ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك مقامي" . والمراد بالخلائق: (جمع خليقة وهي جماعات من المخلوقين) . وفي حديث رواه ابن ماجه عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما نبي يومئذٍ، آدم فمن سواه إلاّ تحت لوائي . وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر" . والمراد: "بتنشق عنه الأرض": (أي يوم تبعثر القبور وتنشق بقدرة الله تعالى) .

أعظم الأنبياء أجراً

وفي حديث رواه مسلم (1782) عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع" . والمراد: أي أشرفهم وأقربهم عند الله في يوم لا يسود فيه غيري . وأول شافع: يشفع للناس في الموقف . وأول مشفع: أي أول من يؤذن له في الشفاعة، وتقبل منه الشفاعة .
وفي حديث رواه الشيخان، عن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا سيد الناس يوم القيامة، وتدرون بم ذلك؟ يجمع الله الأولين والآخرين . وذكر حديث الشفاعة" . أما الصحابي أبو هريرة رضي الله عنه فقد روى، فقال: إنه صلى الله عليه وسلم قال: "أطمع أن أكون أعظم الأنبياء أجراً يوم القيامة" . والمراد ب(أطمع): أي أرجو من الله تعالى طمعاً ورجاءً .
وفي حديث صحيح برواية الشيخين رضي الله عنهما عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: "أما ترضون أن يكون إبراهيم وعيسى فيكم يوم القيامة؟ ثم قال: إنهما في أمتي يوم القيامة . أما إبراهيم فيقول: أنت دعوتي وذريتي فاجعلني من أمتك . وأما عيسى فالأنبياء إخوة بنو علاتٍ، أمهاتهم شتى . وإن عيسى أخي ليس بيني وبينه نبي . وأنا أولى الناس به" (صحيح مسلم/ 1837) .

السيد المنفرد

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أنا سيد الناس يوم القيامة" . (يريد أنه سيدهم في الدنيا ويوم القيامة) . غير أنه صلى الله عليه وسلم أشار لانفراده فيه بالسواد والشفاعة دون غيره، إذ يلجأ الناس إليه في ذلك، فلا يجدون سواه . ذلك أن السيد، إنما هو الذي يلجأ الناس إليه في حوائجهم، فيكون آنئذٍ سيداً منفرداً من بين بني البشر، لا يزاحمه أحد في ذلك، ولا يدعيه، مصداقاً لقوله تعالى في التنزيل العزيز من (سورة غافر 16): "لمن الملك اليوم للّه الواحد القهار" . والملك للّه تعالى في الدنيا والآخرة، غير أنه في الآخرة تنقطع دعوى المدعي لذلك في الدنيا . والمراد أن جبابرة الدنيا لما تصرفوا فيها تصرف الملاك، ظنوا أن لهم ملكاً حقيقياً، فلما قهرهم الموت وكشف الغطاء، ظهر أنهم عبيد عاجزون، ليس لهم من الأمر شيء، فانكشفت الدعاوى . وكذلك يلجأ جميع الناس إلى محمد صلى الله عليه وسلم يبغون شفاعته، فيكون سيدهم في الآخرة .
وفي حديث لأنس رضي الله عنه رواه مسلم (188)، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "آتي باب الجنة يوم القيامة، فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد . فيقول: بك أمرت ألا أفتح لأحد قبلك" . وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله قال: "حوضي مسيرة شهر وزواياه سواء . وماؤه أبيض من الورق وريحه أطيب من المسك وكيزانه (كوزه) كنجوم السماء، من شرب منه (يوم القيامة) لم يظمأ أبداً" .