لعب الموقع الجغرافي لسوريا دوراً كبيراً في انتشار العديد من القلاع والأبراج الدفاعية في أرجاء مختلفة منها، وشكلت فيما بينها سلسلة مترابطة من الأماكن الأثرية التي يكمل بعضُها بعضاً، ومنها برج صافيتا الأثري الذي يقع في بلدة بالاسم نفسه تبعد 28 كيلومتراً عن مدينة طرطوس وتتمتع بمناظر طبيعية خلابة .

يعد البرج واحداً من أهم المعالم الأثرية في طرطوس حيث يتوضع في أعلى قمة في المنطقة فوق هضبة مستديرة صخرية في الشعاب الجنوبية لجبال البهرة، والتي هي سلسلة الجبال الساحلية ويشرف على الساحل حتى أرواد وطرابلس والدريكيش وقلعة الحصن الذي يعد منطقة وسطى بين أرواد وحسن سليمان، ما يؤكد أهميته محطة وموقعاً دفاعياً لحامية فينيقية في دولة أرواد .

يمكن من خلال هذا البرج رؤية قلاع عدة منتشرة في المناطق المجاورة بالعين المجردة كقلاع الحصن والمرقب والعريمة وطرابلس ويحمور وأم الحوش والعليقة، ويشكل مركز شبكة اتصال مع تلك القلاع بالنيران ليلاً والدخان نهاراً .

وحمل برج صافيتا الذي يمكن الوصول إليه عبر شوارع المدينة القديمة الضيقة والمزدحمة، تسميات عدة منها كاستيل بلانك أي القلعة البيضاء وبورغاس القصر الأبيض أو بيانك شاستي أي الحصن الأبيض، وكان يسمى ذلك أيام الحروب الصليبية لأن الحجارة المبني منها هي كلسية بيضاء .

ويبلغ طول البرج 31 متراً وعرضه 18 متراً، أما الارتفاع فيبلغ 27 متراً، وسماكة الجدار 4،5 متر لامتصاص قوى الدفع الأفقية حتى لا ينهار الجدار بسب الارتفاع العالي، ورغم ذلك توجد جدران مفتوحة ببضعة سنتمترات .

يبدأ الدخول إلى البرج من البوابة المطلة على جهة الشرق، ويتألف من أربعة أقسام: الأساس الفينيقي، وهو مغمور تقريباً، ولكن أساسه يظهر من الجهة الشرقية والشمالية، ثم يأتي الطابق الأرضي وهو عبارة عن أقبية سقوفها نصف دائرية لها بوابات تؤدي إلى سراديب، وفيها خزان ماء محفور بالصخر ردم عندما بدأ السكان ببناء مساكنهم، أما الطابق الأول للبرج فيتألف من كنيسة لاتزال تمارس فيها الطقوس الدينية .

الطابق الثاني، ويدعى بالقاعة الكبرى أو قاعة الفرسان، يقع فوق الكنيسة وهو صالة مفتوحة وفيها نوافذ ومرامي سهام عميقة كانت تؤمن الدفاع عن البرج، وكان تصميم الطابق الثاني وبناؤه في أوئل القرن الثالث عشر على ثلاث ركائز من الأعمدة الضخمة البارزة تستند إليها عقود متصالبة شديدة الانحناء . ويقود إلى السطح درج ضيق في الطابق الثاني ويحوي شرفات مازال قسم منها محتفظاً بفتحاته وهي تطل على الأفق البعيد . وكان المدافعون عن الموقع يقيمون الاتصالات بوساطة النيران والإشارات مع القلاع المجاورة .

ويقول مروان حسن رئيس دائرة آثار طرطوس إن الدراسات تشير إلى أن أساسات البرج تعود إلى العصر الفينيقي، فيما ورد ذكره لأول مرة في المصادر التاريخية عندما احتله الصليبيون وجدوا بناءه . وفي 1166 - 1167 ميلادية احتله أتابك حلب نور الدين الزنكي وسرعان ما انتقل بعد ذلك إلى عهدة فرسان الداوية الذين جددوا بناءه بعد الهزة الأرضية التي حدثت عام 1170 ميلادية، وتسبب في تخريبه من جديد عام 1171 هجوم آخر شنه نور الدين الزنكي في محاولة لاسترجاعه .

وفي ،1172 وفي عهد ريموند الثالث كونت طرابلس، هاجم نور الدين البرج وأخذه عنوة، كما تعرض مرة أخرى في 1188 لزلزال، ثم أعيد بناؤه من جديد بشكل محصن أكثر مما سبق بسبب حصار القائد صلاح الدين الأيوبي، وجدد البرج ليصبح على شكله الحالي في 1202 بعد هزة أرضية أخرى .

ويؤكد حسن أن البرج كان في حالة جيدة حتى نهاية القرن التاسع عشر، ليبدأ بعدها سكان المناطق المجاورة ببناء المساكن المحاذية له والقريبة منه وضمن سوره بحيث أصبحت تغطي قسماً كبير من معالمه . وشكلت تلك المنازل بلدة صغيرة يطلق عليها اليوم اسم صافيتا نسبة إلى البرج، فيما ما يزال قسم من السور الشرقي ببوابته الجميلة قائماً بعد أن رممته مديرية الآثار والمتاحف عام 1933 .

ويشير حسن إلى أن البرج بوضعه الحالي بحاجة إلى المزيد من الاهتمام والترويج السياحي وخاصة في برامج السياحة الداخلية التي تتجاهله .