توفي والده وهو في العاشرة من عمره تاركاً أعمالاً تحتاج من يتحمل مسؤوليتها، وهي المهمة التي تولاها العم سنوات ثم أفسح المجال أمام الصغير ليستكمل مسيرة أبيه فوجد نفسه في معترك الحياة في سن مبكرة فقوي عوده وزادت صلابته حتى انه اليوم يقف على مشارف الأربعين من عمره ويحمل خبرات تزيد على هذا العمر بكثير.
إنه صالح محمد بن نصرة العامري، الاقتصادي المعروف، ورئيس مجلس إدارة عدد من الشركات العقارية، الشرفة، إشراق، وجولدن جروب، ومؤسس سفارة الدولة في السويد عام ،2004 وقبلها قنصل الدولة في لندن عام ،1998 وقبلها عمل بممثلية الإمارات بجنيف.
بداية نود أن تحدثنا عن مكان الولادة، ومن ثم النشأة، والأجواء التي صاحبتك صغيراً وأهم مَنْ أثروا في شخصيتك.
ولدت بمدينة العين عام ،1968 والدي كان يعمل مرافقاً لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد رئيس الدولة، حفظه الله، وكنت الثالث في ترتيب الأبناء، قبلي أخت، وأخ شاء الله تعالى له أن يتوفى في سن صغيرة، ثم أخوان بعدي احدهما يعمل بالأعمال الحرة، والآخر كان مرافقاً عسكرياً للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، وكان ميلادي، وبالتالي نشأتي بمدينة العين، المحببة الى قلبي دائماً، وفي الحقيقة كان للفترة التي قضيتها فيها صغيراً، عبق خاص، بخاصة في أوائل السبعينات من القرن الماضي.
وبدأت مسيرتي العملية منذ وقت مبكر فنزلت معترك العمل وعمري 14 عاماً، لإدارة أملاك الوالد اذ ان عمي سالم بن نصرة، عضو مجلس البلدية بأبوظبي الآن وجد انني قادر على تحمل المسؤولية، وأعانني الله تعالى على مواصلة المسيرة، ثم كانت البيئة التي حولي خير معين لي، واتخاذ القرار بتحمل المسؤولية ليس علماً بل قدرة، وإذا كان صغارنا اليوم يسبقون بعقولهم ما كنا عليه قديماً، فإننا كنا نسبقهم في تحمل المسؤولية، واتخاذ القرار، لأن بيئتنا علمتنا الصبر والمثابرة واتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.
مارست العمل بالاقتصاد صغيراً.. كيف أكملت الدرب به، وما عوامل نبوغك؟
مارست الاقتصاد قبل دراسته، ولكن الأمر اقتصر على إدارة عقارات وما أشبه، وتسجيل أسهم، وحسابات، كان الأمر لا يعدو ان يكون مجرد بدايات، وهي بالفعل كانت ممارسة ساعدتني وشجعتني على الاستمرار، وفي أوائل التسعينات من القرن الماضي عملت بشركة نقليات، ومقاولات، وشبكات، هذا غير العقارات التي تركها الوالد، رحمه الله، ونجحت في تطويرها وتحسينها، وأقحمني دعم سمو الشيخ طحنون بن زايد، حفظه الله، في العمل بالاقتصاد، وللحقيقة فإن تاريخ معرفتي به يعود الى فترة الطفولة، وأيام الدراسة المبكرة، وهذه المعرفة اعتقد انها سببت لي نقلة نوعية كبيرة، بداية من أول يوم توجهنا فيه الى المدرسة، فأحببته وبفضل صفاء نفسه كان قريباً جداً من نفسي ودعمني كثيراً في حياتي.
تحدثت عن تحملك المسؤولية وأوضحت ان القدرة على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب كان لها دور في حياتك وحياة جيلك، كيف أثر ذلك في عملك حالياً؟
بالفعل عدم القدرة على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب يحرم ملايين الناس من الترقي في الحياة، وأنا في الحقيقة أضيف الى ذلك ان لدي صفاء، ولكن، وبوضوح، ليس لدي عوامل تميز عن الآخرين، بل كل انسان لديه ميزته عن الآخرين، بقدراته، وما أعطاه الله تعالى من امكانات، وليس هناك من إنسان ليس لديه مهارات، ولكن هناك من يترجم المهارات، ويكون لديه الطموح، ويوفق من الله، وهناك من يحبط، وهكذا فحجر الأساس في الأمر القدرة على اتخاذ القرار المناسب في الوقت المناسب.
هل يؤثر الإحباط في مسيرة الشباب؟
الشباب كثيراً ما يحبط بسرعة، فيضيع، ومنهم مَنْ يقول كيف أبدأ بمشروع ليس فيه ربحية كبيرة، فلا أكسب منه شيئاً، بل يجب أن يتعلم الشباب ان هذا المشروع، في البداية، يمكن ان يفتح له أبواباً أخرى من خلالها يستطيع أن ينمي نفسه.
ما الوصفة السحرية لنجاحك؟
صادفني التوفيق، من عند الله تعالى، وأعطيت العمل حقه، في متابعاتي، وإعادة حساباتي في بعض أخطاء العمل لأعالجها، وأعتقد ان الناس وجدوا المصداقية عندي، فكانت هناك ثقة من الآخرين في عملي، وهذا برأيي أهم شيء في مجالنا وفي غيره من المجالات.
وجاءت الفرص في الدولة متلاحقة، والتسهيلات كانت مشجعة لي، ولا أنسى في بداياتي ان أذكر ما غمرنا به المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، ما جعلنا نبني في عزة وكرامة، أو ما غمرنا به، رحمة الله عليه، أنا وجميع أبناء الدولة، جعلنا نحسد أنفسنا عليه، فقد كان والداً للجميع، ودعمه، وتشجيعه، وما أولاه من امتيازات للمواطنين أعطانا الدعم والثقة، وكل هذه الأشياء أعطتنا نوعاً من الحافز في فترة التكوين.
الاستثمار مال متزايد يريد الربح، ولكن ماذا في استثماراتك يعود على المواطن العادي؟
نحن نقوم بدورنا في عملية متجانسة مع الآخرين، فنحن نسهم في فتح المجال الاستثماري للآخرين، فعندما يكون هناك وفد قادم من الخليج لزيارة الدولة يجب ان نوفر له غرفة أو شقة فندقية، وعملنا هذا لتدعيم المشروعات السياحية، وكذلك نحن نعمل في تأسيس وتزويد المستشفيات بالخدمة الطبية المناسبة، والمواطنون مستعدون لأن يدفعوا، فقط عليهم أن يجدوا الخدمة التي تستحق أن يدفعوا من أجلها.
لم تحدثنا عن الوالدة الكريمة.
حفظها الله تعالى، فهي الخير والبركة، تدعمني، وتشجعني، وتنبهني لأمور كثيرة، ومنذ الطفولة وأنا أستمع لنصائحها، وهي القلب الحنون بالنسبة إلي، ولها دور كبير في حياتي العملية بالتشجيع، ولا أحد يستطيع أن يحل محلها.
ما الذي تحرص على بثه في أبنائك؟
أحرص على تنشئتهم على طاعة الله عز وجل، ثم حب الوالدين، وحب الوطن، واحترامهم للمجتمع الذي يحيون فيه، والتقيد بالسلوكيات الطيبة، ولكل منهم حرية في اختيار المجال الذي يريد العمل فيه حينما يكبر، وأنا أدعمهم بالنصيحة، وأنا أفضل أن يكون ابني افضل مني، ما في هذا شك، فأنا أدعمه بالتوجيه للعمل الصالح كي يختار ويرى نتائجه، وقد أدعمه اقتصاديا، ولكن بشرط أن تكون لديه الخبرة في العمل الذي أدعمه به ليشق طريقه.
وبماذا تنصح الشباب؟
بالصبر، وعدم العجلة، ثم بالمثابرة وإعطاء العمل حقه، واغتنام الفرص المناسبة.
وعندما تريد أن تستريح من عناء العمل الى أي مكان تحب أن تذهب؟
أنا أنظم وقتي بصورة جيدة، فهناك برنامج للعمل، وآخر للراحة، وعندما أريد أن أخلد للراحة تماماً أذهب الى العين.
الغرب ليس سيئاً على الاطلاق
عن رؤيته للغرب قال صالح بن نصرة العامري: عشت مع بعض العائلات في الغرب وكانت قمة في الترابط، فما هو شائع عن تفكك الغرب الأسري وانهياره ليس دائماً صحيحاً، هناك أسر عايشتها تمثل قمة الترابط بين الأم والأب والأبناء، وما نراه نحن تفككاً أسرياً قد يكون عائداً الى ما لديهم من أهداف العمل والكفاح، فلا أحد هناك يعول أحداً، وكل إنسان يعول نفسه، وفي أيام الإجازات تجتمع العائلة، فانطباعاتي عن الغرب أنهم أناس يحترمون عملهم، ومواعيدهم، ويعرفون كيف يقسمون وقتهم، فوقت العمل للعمل، ووقت الراحة للراحة، انهم يتمتعون بالحياة، وفي الوقت نفسه يعطون الحياة العملية حقها.
وعن تقليد بعض شبابنا للغرب يقول: يجب أن نقلد دائما الأفضل الذي يوصل الى نتائج افضل، فإذا كان الغرب له إيجابيات، فلماذا لا نأخذها بدلا من التركيز على السلبيات فقط؟