اذا اتفقنا بأن النهضة الموسيقية الغنائية العربية المعاصرة قد عرفت نهضتين متلاحقتين، نهضة القرن التاسع عشر، ونهضة القرن العشرين، يمكننا التأكيد أن الفاصل الزمني بينهما لم يكن أبداً مطابقاً لنهاية قرن وبداية قرن، مع أن مطلع القرن العشرين قد شهد بالفعل الرحيل المتتالي لزعيمي الموسيقا والغناء في القرن التاسع عشر، إذ رحل محمد عثمان في العام ،1900 ولحقه عبده الحمولي في العام 1901 .
فالحقيقة أن الفلسفة الجمالية للقرن التاسع عشر القائمة على فنون الارتجال الغنائي، ضمن اطار الوصلة الغنائية، ظلت هي السائدة وقتاً طويلاً في القرن العشرين، بشكل غطى الربع الأول من هذا القرن بالكامل، وذلك لعدة أسباب، ربما يكون من أبرزها وأهمها، ظهور فن التسجيل على اسطوانات في القاهرة في العام ،1903 فقد شاء الحظ السعيد لتراث الموسيقا العربية ان يتزامن ظهور هذا الاختراع التقني الثوري في القاهرة، مع وجود نفر من فطاحل المطربين الذين كانوا جزءا أساسياً في النهضة الغنائية للقرن التاسع عشر، وامتد بهم العمر حتى بدايات القرن العشرين . وقد لعب هؤلاء دوراً بارزاً ليس فقط في استمرار تقديم الحفلات الحية على طريقة الوصلة الغنائية، لكن ما هو أهم، قيامهم بدور نهضوي أساسي في تسجيل كل ما يحفظونه من تراث النهضة الغنائية في القرن التاسع عشر على أسطوانات .
تشاء الصدف أن يرث هؤلاء الفطاحل مطرب كبير ولد في العام ،1886 وطال به العمر حتى الشهر الخامس من العام ،1962 هو صالح عبد الحي، ابن شقيقة المطرب الكبير عبد الحي حلمي . والحقيقة أن صالحاً لم يحمل اسم والده، كما هي العادة في مصر، بل حمل اسم خاله، ربما لأنه كان امتداداً فنياً طبيعياً لخاله . لكن مصير صالح عبد الحي كان شديد الاختلاف عن مصير كبار المطربين سالفي الذكر، ذلك أنه ما أن اشتد عوده في أداء الوصلات الغنائية على طريقة القرن التاسع عشر، حتى بدأ رويدا رويدا زحف المزاج الجديد للقرن العشرين في الموسيقا والغناء، والذي كانت نقطة التحول الأبرز فيه ظهور نجمي محمد عبد الوهاب وأم كلثوم . غير ان شرائح واسعة من المجتمع المصري والعربي تأخرت في الانضمام الى ذائقة المزاج الجديد في الموسيقا والغناء، وبقيت تتمسك (ولو بحدود أضيق فأضيق) بمزاج القرن التاسع عشر الذي كان صالح عبد الحي، مع زميله الأصغر منه سناً عباس البليدي، عنواناً رئيساً لها .
والحقيقة أن صالح عبد الحي مثل في وسط القرن العشرين، محطة بارزة في معاندة ومقاومة الذوق الجديد في الموسيقا العربية والغناء العربي، فكان نجم السهرات الخاصة التي تقام في منازل العائلات الموسرة، بينما كانت القطاعات الأوسع من المجتمع تلتصق إلى غناء محمد عبد الوهاب وتلاميذه، وأم كلثوم وتلميذاتها .
وتشاء الظروف أيظاً أن تؤسس في العام 1934 إذاعة القاهرة الرسمية، التي كان صالح عبد الحي إلى جانب زميله عباس البليدي نجمها المفضل في تسجيل الوصلات الغنائية على طريقة القرن التاسع عشر التي كانت تقوم على استعادة أهم الأدوار والموشحات والقصائد التقليدية .
لم يكن هذا المطرب يقترب فنياً من بعض نجوم التلحين الجدد في القرن العشرين بقدرٍ ما كان هؤلاء الملحنون هم الذين يقتربون من الذوق التقليدي لصالح عبد الحي . من ذلك مثلاً أن الموسيقار رياض السنباطي لحن له أغنيته الشهرة ليه يا بانفسج (كلمات بيرم التونسي)، بينما لحن له الموسيقار محمد الشريف أغنيته الشهيرة الاخرى حبيبي هو . ومن يستمع إلى الأغنيتين الرائعتين يرى فيهما صورة كاملة عن الفلسفة الجمالية للقرن التاسع عشر .
وبما أن التلفزيون المصري قد ظهر قبل سنتين من رحيل صالح عبد الحي، فقد سجل له وصلة غنائية رائعة وهو مقعد على كرسي نقال، لكن الغناء كان مسجلاً بطريقة الدوبلاج، أي منقولاً عن تسجيل إذاعي، ولم يكن صالح عبد الحي يغني غناء حياً.