بيروت: رنه جوني

ثرثرات صالون التجميل، زواج وطلاق موضة و«سناب شات»، حديث يفيض به الرجال قبل السيدات، بعد أن باتوا أكثر ارتياداً لصالونات التجميل بحثاً عن الجمال والاعتناء بالبشرة وغيرها. لم تقفل الأوضاع الاقتصادية الخانقة التي يعيشها اللبناني، الباب على الاهتمام بنفسه، إذ بات هذا الجانب المضيء الوحيد في حياته، في زمن سيطر التجميل فيه على كل شيء، من العيون إلى الوجه والشعر والأظافر والجسم وحتى تجميل الكلام، ليتناسب مع وضعيات المناسبات.
داخل صالون تجميل رجالي، شاب في مقتبل العمر لا يتجاوز 20 عاماً، يخضع لجلسة ترطيب البشرة، فيما يتناول شاب آخر أحاديث مسابقات الرالي والمباريات الرياضية.. هوس الشباب بالجمال، مثل هوسهم بالنساء وربما أكثر من النساء.. ذلك أن الشباب يريدون تقليد هذا الفنان، وذلك الرياضي، وهذا يدفع بهم لطلب أن تكون تسريحات شعرهم مثل ميسي أو باولو أو الفرنتيني وغيرها من شخصيات يتعلقون بها، ويسعون لتقليدها في كل شيء حتى بتصرفاتها.
يتناول إدريس حديث كرة القدم ومباراة الريال، فينتفض إبراهيم المشجع لبرشلونة، فيما ينشغل يوسف بالبحث عن حل لمشكلته مع خطيبته، تتحول الجلسة إلى مباحثات حول حلول لأزماتهم، ولكن بنكهة الجمال لا ينكر إبراهيم أنه يلجأ لصالون التجميل بحثاً عن الراحة الوقتية، وهرباً من مشاكل الحياة التي لا تنتهي: «أعتني بنفسي لأسعدها، لأخذ جرعة محبة ذاتية، فضلاً عن أنها موضة رائجة».
لا تقل تكلفة جلسة التجميل عن مئة دولار، وتختلف الأسعار حسب الخدمات التي يطلبها الشاب، واكس، بوتوكس، تنقية بشرة، وغيرها من خدمات، لم تعد تقتصر على السيدات، بل بات ينافسها الرجال عليها.
لا يتردد إدريس في القول: نحن نعيش عصر الجمال والتجميل أساس فيه، ولا مشكلة في الاهتمام بالمظهر ولكن ليس لدرجة الهوس.
في الظاهر يبدو صالون التجميل مركزاً للجمال، ولكن في المضمون هو مركز «للفضفضة».. الكل يحكي قصته ومشكلته مع الحياة. كما يقول يوسف: «لجأت إلى هنا لأجد حلاً لمشكلتي مع زوجتي، هربت بالأولاد، وأجهل مكانهم، أحياناً الحديث مع من لا نعرفهم يفيدنا أكثر ونصل لحل أسرع بدون مجاملات».
يوافقه سماح الرأي.. وسماح مهووس بجمال وجهه، وتسريحة شعره، ويقول: أهرب من المشاكل إلى هنا، أتحدث مع الشباب حولها. زوج أمي طردني من المنزل، وبقيت في الشارع، أعيش عند جدتي، أعمل على عربة ليمون وبين فترة وأخرى، أقصد الصالون لأفرغ حزني، إذ بات منصة الحوار الوحيدة دون قيود.
فنجان قهوة ونرجيلة وكثير من القصص التي تصلح لتكون نواة مسلسل من واقع الحياة، تلتقطه رادادات صالونات التجميل التي لا تخضع لرقابة المجتمع؛ بل تسير وفق قانون أحاديث زبائن تعلقوا بالتجميل هرباً من واقعهم وفق تأكيد جو، الذي يرى أن «جيل اليوم طري ولا يتحمل أزمات، فيتعلق بأي شيء ليهرب، وهذا ما ألمسه من أحاديث تترجم شكلاً غريباً على شبكات التواصل الاجتماعي».
تقول أخصائية العلوم الاجتماعية دانيال قزي: «نعيش زمن انفراط العلاقات الاجتماعية. الأجيال تهرب للفراغ دون غوصها في حل المشكلة. نجد هوس التجميل والاعتناء بالجسد يطغى على الهوس بتطوير أي مشروع شبابي، وهذا يدل على انحلال الروابط الأسرية والاجتماعية، التي ترفع نسبة الجريمة والإدمان والانتحار، بعد أن زادت نسبته في لبنان في الآونة الأخيرة».
أخيراً، لا تنكر قزي أن صالونات التجميل تشكّل راحة للشباب، ولكنها وقتية. المشكلة الأساسية ما زالت متجذرة في الأعماق، وتعلُّق الشباب باللاشيء أزمة أخطر، لا ضير في ذلك ولكن باعتدال، كما تقول.
سيناريوهات شبابية جديدة ترسمها صالونات باتت ملاذ شباب يهرب من خسارته عمله أو حبيبته، أو نتيجة إشكال مع صديق، ليترجمها تسريحة غريبة في شعره ولبسه ووجهه، ويرتدي قناعاً آخر عله يلتقط إحداثيات حل لن يعثر عليه إلا بجرعة «بوتوكس» وقتية، تنتهي بزوال مفعوله، ولكن «بدنا نعيش» يعلل الشباب واقعهم.