أوصى احد الصالحين ولده لما حضرته الوفاة، فقال: يا بني، إذا أردت صحبة إنسان فاصحب من إذا خدمته صانك، وإن صحبته زانك، واصحب من إذا مددت يدك للخير مدها، وإن رأى منك حسنة عدها، وإن رأى منك سيئة سدها . وقال بعض السلف: عليكم بإخوان الصدق، فإنهم زينة في الرخاء، وعصمة في البلاء . فالأخيار الأبرار الأتقياء إذا وُجدوا في مجتمع جذبوا أشباههم أو انجذبوا إليهم وسرى تيار المحبة بينهم . والصاحب ساحب . ولو أن مؤمناً دخل إلى مجلسٍ فيه مئة منافق ومؤمنٌ واحد لجاء حتى يجلس إليه، ولو أن منافقاً دخل إلى مجلسٍ فيه مئة مؤمن ومنافقٌ واحد لا زال يمشي حتى يجلس إليه .
إن الله تعالى حذّرنا من أهل السوء، فقال: وَإِذَا رَأَيْتَ الذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِما يُنْسِيَنكَ الشيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظالِمِينَ (الأنعام: 68) .
والإنسان مطبوع على سرعة الانفعال والتأثر بالقرناء والأصدقاء، فالصديق الصالح رائد خير وداعية يهدي إلى الرشد والصلاح، كما أن الفاسد رائد شر وداعية ضلال يقود إلى الغي والفساد .
قال صلى الله عليه وسلم: الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل (رواه أبو داود والتدمذي بإسناد صحيح)، وما جاء في هذا الحديث الشريف يعبر عن حقيقة مفادها بإن الإنسان ابن بيئته، وهي حقيقة لا مراء فيها، إذ من طبيعة الإنسان بأن يتأثر بالوسط المحيط به والجماعة التى يتعايش معها .
إن الفرد حين ينخرط فى سلك مجموعة من مجموعات البشر يجد نفسه مدفوعاً لالتزام طريقتها، واستحسان ما تستحسنه الجماعة، واستقباح ما تستقبحه، وبذلك يكتسب الفرد - ولو لم يشعر - أخلاق الجماعة التى ينتسب إليها وينخرط فيها . فالبيئة التى يعيش الإنسان فيها تؤثر فيه ولاشك، فإذا وُضع بخيل بين كرماء مدة طويلة من الزمن خف عنده البخل وتعود على بعض مظاهر الكرم، وإذا وُضع جبان بين شجعان اكتسب منهم قسطاً من الشجاعة، وبذلك تخف عنده نسبة الجبن .
صداقة فريدة
وقد ضرب لنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه خير مثل على الصداقة وحسن الصحبة مع الرسول صلى الله عليه وسلم فقد كان يجمع بينهما الارتباط النفسي والمصيري الذي اقتضته هذه الصحبة الفريدة، فنجد أبا بكر يعيش مع صديقه وحبيبه الرسول صلى الله عليه وسلم الحلو والمر، والسهل والصعب، والغنى والفقر، والأمن والخوف، قال تعالى عن الصديق رضي الله عنه: إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِن اللهَ مَعَنَا (التوبة:40) .
إن أعظمَ ما يعين المسلم على تحقيق التقوى والاستقامة على نهج الحق والهدى، مصاحبةُ الأخيار، ومصافاةُ الأبرار، والبعدُ عن قرناء السوء ومخالطة الأشرار، لأن الإنسان بطبعه وبحكم بشريته يتأثر بصفيه وجليسه، ويكتسب من أخلاق قرينه وخليله .
والمرءُ إنما توزن أخلاقه وتُعرف شمائله بإخوانه وأصفيائه، ورضي الله عن ابن مسعود يوم قال (ما من شيء أدلُ على شيء؛ من الصاحب على الصاحب) ومن كلام بعض أهل الحكمة (يُظَنُ بالمرء ما يظن بقرينه) فلا غروَ حينئذٍ أن يُعنى الإسلام بشأن الصحبةِ والمجالسة أيما عناية، ويوليها بالغ الرعاية، حيث وجه رسول الهدى كلَ فرد من أفراد الأمة إلى العنايةِ باختيار الجلساء الصالحين، واصطفاء الرفقاء المتقين، فقال عليه الصلاة والسلام (لا تصاحب إلا مؤمناً، ولا يأكل طعامَك إلا تقي) رواه أبو داود والترمذي بإسناد حسن .
صحبة الأخيار
إن الصحبة من المؤثرات الأساسية والمهمة في تكوين الشخصية ورسم معالم الطريق . . فإن كانت صحبة أخيارٍ أفاضت على الأصحاب كل خير، وإن كانت صحبة أشرار فمن المحتم أنها ستترك بصمات الشر في حياة هؤلاء جميعاً .
فالبيئات المنحرفة تؤدى دوراً عظيماً وكبيراً فى اكتساب أفرادها الرذائل ومساوئ الأخلاق، ومما يؤسف له أن تُستغل هذه الوسيلة من قبل المغرضين والمفسدين لإضلال الشباب والفتيات وغوايتهم وتنشئتهم على مفاهيم وقيم مخالفة لتعاليم وقيم الإسلام .
وبسبب التأثير العظيم للبيئة فى نفوس أبنائها وجدنا الإسلام يحث المسلمين على اختيار الصحبة الصالحة، ويحذرهم من صحبة السوء، وليس أدل على ذلك مما رواه أبو موسى الأشعري رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مثل الجليس الصالح والجليس السوء، كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أنْ يُحذيَك، وإما أنْ تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يُحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحاً خبيثة) (رواه البخاري) .
ولأهمية الصحبة أو العشرة أو الأخوة، فقد اختصها رسولنا صلى الله عليه وسلم بكثيرٍ من أحاديثه الشريفة التي ورد ذكرها في كل كتب ومصنفات الحديث والسنة، كما أفرد لها علماء السلف والخلف المؤلفات والكتب، تأكيداً على أهميتها في عملية الهدم والبناء، وفي الأمثال: قل لي من تعاشر أقل لك من أنت .
وقال الشاعر:
عن المرء لا تسل وسل عن قرينه
فكل قرين بالمقارن يقتدي
إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم ولا تصحب الأردى فتردى مع الردى
وقال مجاهد رحمه الله: ما من ميت يموت إلا مثل له جلساؤه (أي الذين كان يجلس معهم في الحياة الدنيا من الأصحاب إن كانوا طيبين أو سيئين) . . فيذكّرونه بما كانوا يفعلونه في الحياة الدنيا فإن كان طاعة وعملاً صالحاً ذكروه به فاستبشر . . وإن كان عكس ذلك حزن وأثم .
تأثير الجماعة في الفرد
لعل من الأسئلة المطروحة في هذه المناسبة هي: كيف أختار أصدقائي؟ . . أو ما المعايير التي أختار بها أصدقائي؟
وقبل أن نبدأ بالإجابة عن هذا السؤال يحسن بنا أن نتحدث عن تأثير الأصدقاء في سلوكيات الفرد حيث يتركز تأثير الجماعة على الفرد في تحديد الاطار المرجعي لسلوك الفرد، كما أن الجماعة تحدد أهم المعايير الاجتماعية ومن ثم تحدد السلوك الاجتماعي للفرد من حيث ما هو مقبول وما هو مرفوض .
ولذلك نجد أن الأصدقاء دائماً متقاربون في السلوك ومتماثلون في الميول والاتجاهات ولهم آراء متقاربة ومن ثم تتحدد مستويات الطموح حيث يحاول الفرد الوصول إلى مستوى من هم أعلى منه في الجماعة في شتى الصفات كالغنى والشهرة والكفاءة وبذلك يحقق التنافس والسباق بين الأصدقاء مستويات أعلى في الدراسة أو في الميول والاتجاهات المشتركة بينهم .
إن عملية اختيار الأصدقاء من أعقد المهام وينبني عليها في الغالب مستقبل الإنسان لان الصحبة- كما أسلفنا لها تأثير كبير في سلوكيات الفرد ولذا لزم أن نشير إلى أهم المعايير التي من الضروري مراعاتها عند اختيار الأصدقاء وأهمها الدين، فهو مدار كل شيء وبالتالي يجب عند اختيار الصديق أن نحرص على مصادقة الفرد الملتزم بدينه ويخاف ربه ويحافظ على التمسك بهدى الإسلام وتعاليمه كما جاء في الحديث صاحب من تذكرك بالله رؤيته . ويأتي بعد ذلك التوافق في الميول والاهتمامات والتحلي بالأخلاق والآداب العامة وبعدها الصدق والصراحة . ومن واجب الصديق على صديقه أن يحفظ غيبته، ويهب لنجدته ويرعى مصالحه، ويقدم له النصيحة في لطف وكياسة، كما أن من واجب الصداقة أن يكون الإنسان سهلاً في محاسبته لأصدقائه، ويتجاوز عما قد يقع منهم أحياناً من خطأ غير مقصود، ويقبل عذرهم عن خطأ مقصود حتى يحافظ بذلك على بقاء محبتهم ولا يفرقهم من حوله
السيرة الشريفة
إن المتأمل في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يجد أنها حوت جميع مكارم الأخلاق التي أجمع عليها فضلاء ونجباء البشر ونبلاؤهم، حتى إنها لتجيب عن كل ما يختلج في الفؤاد من أسئلة قد تبدو محيرة لمن لم يذق طعم الإيمان بالله تعالى من الذين كفروا، والغريب في الأمر أن بعضا من بني قومنا من المسلمين لا يحفلون بهذه الميزة العظيمة التي ميزنا الله بها وهي كون النبي صلى الله عليه وسلم قدوة وأسوة حسنة رغم أنها تمثل الرادع الفعلي عن ارتكاب ما يخل بخلق المسلم، وهي المحرك الأساس للارتقاء بالذات إلي معالي الأمور وقممها السامقات .
والصاحب أشبه ما يكون بمرآة النفس، تكشف محاسنها ومساوئها، قبحها وجمالها، وبقدر ما تكون نظيفةً صافيةً بقدر ما تعكس صورة صاحبها نقيةً من غير غش أو رتوش مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن، يكف عليه ضيعته، ويحوطه من ورائه) (رواه البخاري) .
والصحبة الصالحة صمام أمان للمتصاحبين، حيث يعين بعضهم بعضاً على شؤون الدنيا والدين، فعن مالك بن دينار أنه قال لختنه (أي صهره): يا مغيرة، انظر كل أخٍ لك، وصاحبٍ لك، وصديقٍ لك، لا تستفيد في دينك منه خيرا، فانبذ عنك صحبته، فإنما ذلك لك عدوّ .
ومن الحزم والرشاد، ورجاحةِ العقل وحصافةِ الرأي، ألا يُجالسَ المرء إلا من يرى في مجالسته ومؤاخاتِه النفعَ له في أمر دينه ودنياه، وإن خيرَ الأصحاب لصاحبه، وأنفعَ الجلساءِ لجليسه من كان ذا بِر وتُقى، ومروءةٍ ونُهى، ومكارمَ أخلاق، ومحاسنَ آداب، وجميلِ عوائد، مع صفاءِ سريرة، ونفسٍ أبية، وهمّةٍ عالية . . . . وتكمل صفاته ويَجل قدره حين يكونُ من أهل العلم والأدب، والفقه والحكمة .
ولنتأمل في حال من ابتلوا بإدمان المسكرات، وتعاطي المخدرات، واقتراف الفواحش والمنكرات، واكتسابِ الأموال المحرمة من ربا ورشوةٍ وغيرها من المكاسب الخبيثة، وما هم عليه من سوءِ الحال في أنفسهم وأهليهم، وما كان لهم من أسوأِ الأثر في من يخالطهم ويصافيهم، فمن شقاء المرء أن يُجالس أمثال هؤلاء الذين ليس في صحبتهم سِوى الحسرة والندامة ؛ لأنهم ربما أفسدوا عليه دينه وأخلاقه، حتى يخسر دنياه وآخرته، وذلك هو الخسران المبين، والغبنُ الفاحش وَيَوْمَ يَعَض الظالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتخَذْتُ مَعَ الرسُولِ سَبِيلاً * يَا ويلتىَ لَيْتَنِي لَمْ أَتخِذْ فُلاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلنِي عَنْ الذكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولاً (الفرقان: 27-29) .