ظروف الحياة وتقلباتها تفرض نفسها على المرأة التي ترتبط بعلاقة زواج، حيث تنشغل بهموم بيتها وزوجها ورعاية أطفالها، ما يجعلها تبعد عن الصديقات، وغالباً ما يكون الفتور الذي يصيب علاقة المتزوجة بصديقات العمل أو الدراسة أو الطفولة بعد الزواج لعدة أسباب أهمها تراكم المسؤوليات الجديدة عليها .
تقول فاطمة الغلاف، مديرة مركز التنمية الاجتماعية بكلباء: طبيعة الحياة الجديدة للمتزوجة قد تشغلها بأمور جديدة، قد تكون أكثر أهمية في حياتها، لذا تتجه للاهتمام بالزوج والبيت والتخطيط لأطفال المستقبل وغيره من الاهتمامات الجديدة التي ترتبط بمسؤوليات، لكن لا أعتقد أن علاقتها بصديقاتها تنقطع نهائياً، إلا إذا كانت في الأصل تربطها معهن علاقة مصلحة، أما إذا كانت العلاقة متينة فهي لن تتأثر .
وأوضحت أن السبب في انقطاع صداقات البعض بعد الزواج أن المرأة لا تريد أن تعطي صورة سيئة للزوج وأهله بخصوص العلاقات السابقة ونوع الصديقات اللواتي كانت ترتبط بهن، أي أن تلك الفتاة التي تخرج من بيت أبيها إلى بيت زوجها لا ترتبط بالعالم الخارجي بأي صلة . وأضافت: مازالت هناك ذهنية اجتماعية قليلة تحرص على استمرار هذه الصورة، على اعتبار أن العلاقات الاجتماعية لا يمكن أن تكون سوى مصدر ازعاج وتشويش وتهديد للحياة الزوجية، لذا تتخلص المرأة من صديقاتها العازبات بالخصوص، لأن نظرتها إليهن يشوبها بعض الارتياب، سواء بسبب الخوف منهن على زوجها، أو اتقاء لبعض السلوكيات التي قد تصدر منهن كالغيرة أو الحسد . أما المتزوجات منهن فلا تجد أي مشكلة في الاحتفاظ بصداقتهن .
أمل سعيد الكعبي، موظفة، تقول: ربما يكون هناك بُعد قليل عن الأصدقاء بعد فترة الزواج وذلك بحكم الظروف الجديدة وانشغال الزوجة بأمور الأسرة والعمل، ولكن هذا البعد لا يكون جذرياً وإنما يمكن أن أسميه قلة في التواصل، لا سيما أن الإنسان يحب تكوين علاقات جديدة، فموضوع البحث عن أصدقاء جدد هو أمر فطري ودافع اجتماعي يلبي من خلاله الفرد الأسرة الجديدة وهي أسرة الزوج أو أقاربه أو أصدقاء من جهة العمل أو أصدقاء بمحض الصدفة .
آمنة خلف الزعابي باحثة اجتماعية تقول: هناك أنواع من الصدقات بين النساء، فالصداقة الحقيقية في نظري هي العلاقة الدائمة قبل وبعد الزواج، وربما تختلف قوة العلاقة بعده نظراً لارتباط المرأة بمسؤوليات المنزل والأبناء إلا أن هذا لا يمنع هذه الصداقة القائمة على الإخلاص والحب ومراعاة الظروف المحيطة بالطرف الآخر خاصة مع تعدد وسائل التواصل، أما البحث عن صديقات جدد بعد الزواج فهذا وارد لدى كل امرأة تقريباً لأنها تنتقل من مرحلة إلى أخرى والمرأة بطبعها تحب التغيير والتألقم مع المحيط الذي تعيش فيه .
شيخة سالم الكندي، موظفة بمركز التنمية الأسرية بكلباء، تقول: الصداقة الحقيقية لا ترتبط بزواج أو غيره، فأنا تزوجت ولكن مازلت أتواصل مع صديقاتي والعلاقة بيننا كما هي، وزوجي لا يمنعني عنهن لأنه يعرف كل شيء عن علاقتي بهن وأنا محط ثقة بالنسبة إليه .
الصداقة شيء ضروري للمرأة المتزوجة، فهناك وقت تضيق فيه بالبيت والأولاد والزوج والعمل ويكون مفرها الوحيد إلى صديقاتها، وأحياناً لا تستطيع أن تجاري صديقاتها بحرية كما كانت تفعل وهي عزباء .
عبير زيد، موظفة، تقول: فقدان المرأة لصديقاتها بعد الزواج يعتمد على مدى التأثير الإيجابي لعلاقات الصداقة وقتها، فمثلاً كان لي صديقات أيام الدراسة ولكن بمجرد الانتهاء منها والالتحاق بالعمل لم يسعين إلى التواصل الدائم حتى لا تنتهي الصداقة، والبعض تزوجن وأصبحت لهن مسؤوليات أكثر وبعض الرجال لا يرغبون بأن تكون لزوجاتهم صديقات . وهناك نساء يحببن أن تدوم صداقاتهن، حتى ولو كانت من بعيد، أو على الأقل بالتواصل بالهاتف وليس بالزيارات المتكررة التي قد لا يرغب الزوج بها .
وترى أحلام يوسف آل علي، مديرة مركز التنمية الاجتماعية بالفجيرة، أن المرأة لا تفقد صديقاتها بعد الزواج، وذلك لأنه لا علاقة بين صداقات المرأة وزواجها . وتقول: إذا كانت هناك علاقات صداقة قوية بين الصديقات ومبنية على الثقة والحب والاحترام والتقدير المتبادل، فلا يتعارض ذلك مع زواج المرأة واستمرارية الصداقة بعده .
وربما تبنى صداقات جديدة للمرأة بعد الزواج في محيط الأسرة والأقارب الجدد، مع أخوات الزوج في أحيان كثيرة، أو زوجات أصدقاء الزوج . وأحياناً قد يمنع الزوج بعض الصداقات القديمة للزوجة، خاصة التي يرى فيها بعض السلوكيات التي لا تتناسب مع عاداته وتقاليده وقيمه .
ذكرى المنصوري، مديرة مركز التنمية الأسرية بكلباء، تقول: يجب أن نفرق بين نوعين من المتزوجات: الأول المرأة التي تحافظ على صداقاتها مهما اختلفت الظروف، والثاني من تسمح للظروف الخارجية بالتأثير فيها، وهنا يقل التواصل بينها وبين صديقاتها، قد تصل المسألة في بعض الأحيان إلى الانفصال، خصوصاً إذا كانت المرأة موظفة، لأنها تتعرف إلى جماعات جديدة وبالتالي تضعف علاقاتها مع صديقاتها القديمات .
وتؤكد المنصوري أن هناك أسباباً عديدة تفقد من خلالها المرأة بعض صديقاتها أو تؤثر في علاقتهن بعد الزواج، منها ضغوط العمل، والاهتمام بشؤون الأسرة، إضافة إلى تأثير الزوج فيها، وقد يمنعها من التواصل معهن في أوقات معينة من اليوم، أو قد يمنعها منعاً باتاً، كما أن التعرف إلى صديقات جدد يضعف الصداقات القديمة .
ليلى النقبي، موظفة بجامعة عجمان، تقول: علاقاتي بصديقاتي المتزوجات انقطعت تدريجياً، وذلك لعدد من الأسباب أهمها الانشغال بكافة مجالات الحياة الزوجية .
تهاني راشد محمد، موظفة، تقول: علاقتي بصديقاتي تغيرت بعد الزواج برغم الأيام الجميلة التي قضيتها معهن ويرجع ذلك إلى كثرة المسؤوليات وافتقاري لوقت الفراغ إلا يوم الإجازة الرسمية وأحاول أن أجعله لأسرتي وزيارة الوالدين .
تقول مريم علي أحمد: علاقتي مع صديقاتي انقطعت بشكل كامل ويرجع ذلك إلى الخوف الذي بداخلي من أن تسرق إحدى صديقاتي زوجي الذي انتظرته سنين طويلة ولن أبحث عن صداقات، لأن علاقتي العائلية تغنيني عنها .
مشاعل محمد، طالبة جامعية متزوجة، تقول: لم يعد لدي أي صديقة كما كان قبل الزواج، والانقطاع التدريجي عن صديقاتي ليس بسبب التزامي بالبيت أو العمل وليس بسبب مشاغل الحياة ومسؤوليات الأسرة بل بسبب زوجي الذي لم يعد يتقبل وجود أي صديقة في حياتي .
وتقول عائشة عبدالله آل علي، متزوجة: لا علاقة لي مع الصديقات بعد الزواج لأن الكثير من الصداقات بين النساء بعد الزواج لا يأتي منها سوى المشكلات، خاصة أنني عشت تجربة صعبة من إحدى الصديقات التي حاولت خراب بيتي وسببت لي الكثير من المشكلات مع زوجي وأهله .
وتقول خولة أحمد محمد عبود، موظفة في محكمة الاستئناف في الفجيرة: الصداقة الحقيقية لا ترتبط بزواج أو بغيره، فبعد أن تزوجت مازلت ألتقي صديقاتي وزوجي لا يعارض ذلك . وقد تكون هناك ظروف أو تزداد الالتزامات بعد الزواج، لكن هذا لا يمنع من السؤال عمن نحب، ومن تخلت عن صداقتك بعد زواجها دون سبب يذكر فقط لأنها تزوجت فهذه ليست أهلاً للصداقة .
د . سامح خميس، أستاذ مساعد علم النفس التربوي في كلية التربية والعلوم الأساسية بجامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا، يرى أنه باختلاف المرحلة العمرية والاهتمامات التي تتغير وتمر بها المرأة قبل وبعد الزواج تختلف معها بؤرة الاهتمام، وهذا الاختلاف يتبعه اختلافات أخرى في جوانب الحياة المختلفة ومنها الصديقات المقربات . ويرجع سبب الاختلافات إلى عوامل منها المرأة في حد ذاتها، فقد تختلف حالتها المزاجية والنفسية بعد الزواج وتتحول بؤرة الاهتمام من المجتمع الخارجي إلى الداخلي الممثل في أسرتها الصغيرة، لذلك تضعف العلاقة بينها وبين صديقات المرحلة السابقة .
ويقول: قد تلجأ بعد الزواج إلى الاعتزال والبعد عن صديقات قبل الزواج خاصة من العازبات وذلك بدافع الغيرة والخوف على زوجها منهن خاصة إذا كان بداخلها إحساس بأن فيهن من تتميز عنها في جانب ما .
وهناك أيضاً دخول المرأة في مرحلة عمرية جديدة وهو ما يؤدي إلى اختلاف الأدوار الاجتماعية والوظائف وهذا ما يعني أن تغيير الإطار النفسي للمرأة سوف يتبعه تغيير من صديقاتها .
وتقول عائشة فرحان الكعبي، اختصاصية اجتماعية: هناك العديد من الأسباب التي تقف وراء اختلاف العلاقات بين الصديقات بعد الزواج لكنها لا تدخل في إطار الخيانة والندالة كما تتصور بعض الصديقات اللاتي لم يتزوجن بل وفقاً لتغيرات الحياة الجديدة ومن أهم تلك الأسباب تغير المحيط الاجتماعي للمرأة بعد الزواج، إضافة إلى تأثير القرب والبعد المكاني وكذلك المركز الاجتماعي الذي يتبوؤه الإنسان والمرحلة العمرية التي يمر بها .
وتشير الكعبي إلى أن الفتاة قبل الزواج إذا كانت طالبة جامعية فإن محيطها الاجتماعي يقتصر على فتيات في مثل عمرها، أما إذا كانت في المرحلة الثانوية فمحيطها الاجتماعي يقتصر على المراهقة، لكن هذا الإطار يتغير بعد الزواج بحيث يصبح أهل الزوج الأقرب إليها .
يبين د . أحمد إبراهيم أحمد، مستشار في الشؤون الأسرية، أن هناك العديد من الأسباب التي تجعل المرأة تفقد صديقاتها بعد الزواج، أهمها موقف الزوج الذي يرى أن زوجته لا بد أن تكون لها بصمات في الأسرة، وهذه البصمة ترتبط بتفرغها للواجبات الأسرية والاندماج في كيانه، فهو يرى أن الصداقة لا بد أن تكون في المقام الأول له ومعه، وقد يرى بعض الأزواج أن صديقات زوجته بمثابة الغريم له وأنها تأتمنهن على أسرارها وخصوصيتها أكثر منه فيعمل ذلك على إثارته تجاه هؤلاء الصديقات ويعمل جاهداً على إضعاف أوتار هذه العلاقة حتى تقطع الزوجة علاقاتها بهن .
د . محمد جمعة الدوايمة، اختصاصي علم الاجتماع، يقول: إن المرأة تتخلص من صديقاتها العازبات بالخصوص لأن نظرتها إليهن يشوبها بعض الارتياب والخوف منهن على زوجها أو اتقاء لبعض السلوكيات التي قد تصدر منهن كالغيرة أو الحسد، ما يجعلها تبحث عن صديقات جدد متزوجات مع الاحتفاظ بالصديقات المتزوجات .
ويربط د . عبيد علي راشد، أستاذ علم الاجتماع، بين الظروف الاجتماعية التي نحياها وما يتعلق بها من متغيرات اقتصادية واختلاف اهتمامات الزوج والزوجة بعد الزواج، إذ تتحول هذه الاهتمامات إلى الجانبين الاجتماعي والاقتصادي وتوفير الجو المناسب لنمو الأطفال والاهتمام بتنشئتهم بطريقة سليمة، وهذا أيضاً يجعل اهتمام المرأة منصباً حول أولادها .
وأشار إلى أنه بزواج المرأة قد يختلف مستواها الاقتصادي بالزيادة أو النقصان وهذا ما يجعلها تبتعد عن صديقات الماضي حسب مستوى الاختلاف فإذا كان الاختلاف إيجابياً تخشى الحسد منهن، وإذا كان في الاتجاه السلبي تشعر بالخجل لعدم قدرتها على تحقيق أحلامها التي كانت تشاركهن فيها وبذلك تبتعد عنهن .
صداقة عميقة
ابتسام المطوع، موظفة، تقول: علاقتي مع صديقاتي توطدت وازدادت عمقاً بعد زواجي والسبب أنني جمعت أزواج صديقاتي مع زوجي وأصبحوا أصدقاء يجتمعون بين الحين والآخر، بل إن العلاقة امتدت إلى الأطفال، ونتبادل الزيارات الاجتماعية ونقوم بالعديد من الرحلات البرية والبحرية معاً .
وتؤكد أن العلاقات التي تنقطع بين الصديقات بمجرد الزواج تكون سطحية ويسهل التخلص منها لأي سبب .
وترى سامية زينل، موظفة بدائرة الثقافة والإعلام، أن الصداقة الحقيقية تستمر مهما كانت التغيرات .
بينما ترجع هند أحمد عبود، موظفة من دائرة الثقافة والإعلام، قطع المرأة علاقاتها ببعض الصديقات بعد الزواج إلى أن تلك العلاقات لا تكون مبنية على الصدق والثقة الكاملة .
وتشير مي علي، طالبة في كلية الإعلام بجامعة عجمان مقر الفجيرة، إلى أن الصداقة الحقيقية لا يمكن التخلي عنها حتى بعد الزواج، وهو ما تقره زميلتها عبيدة راشد .