الصدق واحد من تلك القيم النبيلة التي تدعو إلى كمال النفس، والسمو بها، ذلك أن الصدق من أفضل الفضائل، وأنبل المكارم، فلا عجب في أن تأتي التوجيهات القرآنية داعية المؤمنين إلى أن يكونوا مع الصادقين فقال تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين، وكان صلى الله عليه وسلم موصوفاً حتى قبل بعثته بالصادق الأمين، وله أحاديث كثيرة تحض على الصدق، كما أن له أحاديث أكثر تنهى عن الكذب، وقد روى الشيخان عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار، وما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً، وروى ابن حبان في صحيحه عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: عليكم بالصدق فإنه مع البر، وهما في الجنة، وإياكم والكذب فإنه مع الفجور، وهما في النار .

اللسان الصادق

والصادق من خير الناس كما جاء في الحديث الذي يرويه عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قلنا يا نبي الله من خير الناس؟ قال: ذو القلب المخموم واللسان الصادق، قال يا نبي الله قد عرفنا اللسان الصادق، فما القلب المخموم؟ قال: التقي النقي الذي لا إثم فيه ولا بغي ولا حسد، قال قلنا يا رسول الله فمن على أثره؟ قال: الذي يشنأ الدنيا ويحب الآخرة، قلنا: ما نعرف هذا فينا إلا رافع مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن على أثره؟ قال: مؤمن في خلق حسن، قلنا أما هذه ففينا .

وصدق الحديث مجلبة لمحبة الله عز وجل، يروي الطبراني عن عبدالرحمن بن الحارث بن أبي قراد السلمي رضي الله عنه قال كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم فدعا بطهور فغمس يده فتوضأ فتتبعناه فحسوناه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم ما حملكم على ما فعلتم؟ قلنا: حب الله ورسوله، قال: فإن أحببتم أن يحبكم الله ورسوله فأدوا إذا اؤتمنتم، واصدقوا إذا حدثتم، وأحسنوا جوار من جاوركم، وروى أحمد عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أربع إذا كن فيك، فلا عليك ما فاتك من الدنيا، حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفة في طعمة .

وضمن النبي صلى الله عليه وسلم لتارك الكذب بيتاً في وسط الجنة، كما جاء في الحديث عن أبي أمامة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وروى أحمد وابن حبان في صحيحه عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اضمنوا لي ستاً من أنفسكم، أضمن لكم الجنة، اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا وعدتم، وأدوا إذا اؤتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم .

الكذب ريبة

وكما يبعث الصدق على الطمأنينة فإن الكذب يبعث على الريبة، وقد روى الترمذي عن الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة .

وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم بأن الشيخ الزاني والملك الكذاب، والفقير المتكبر لا يدخلون الجنة، فقد روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم ولهم عذاب أليم، شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر .

والكذب آية المنافق وعلامته وقد روى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا عاهد غدر، وزاد في مسلم في رواية له: وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، وروى أبو يعلى عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ثلاث من كن فيه فهو منافق، وإن صام وصلى وحج واعتمر، وقال إني مسلم، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان .

والكذب منقصة للإنسان كما ينقص من الإيمان وقد روى أحمد في مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يؤمن العبد الإيمان كله، حتى يترك الكذب في المزاحة والمراء وإن كان صادقاً، ورواه أبو يعلى من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه ولفظه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يبلغ العبد صريح الإيمان حتى يدع المزاح والكذب، ويدع المراء وإن كان محقاً .

أبغض خلق

وما كان من خلق أبغض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب، ويروى أحمد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ما كان من خلق أبغض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب، ما اطلع على أحد من ذاك بشيء فيخرج من قلبه، حتى يعلم أنه قد أحدث توبة، ورواه ابن حبان في صحيحه ولفظه قالت: ما كان من خلق أبغض إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكذب، ولقد كان الرجل يكذب عنده الكذبة، فما يزال في نفسه، حتى يعلم أنه قد أحدث فيها توبة، وروى أبو داود وغيره عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده رضي الله عنهم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ويل للذي يحدث بالحديث ليضحك به القوم فيكذب ويل له ويل له .

وانظر إليه يعلم مسلمة أن الكذب ليس فيه كذبة صغيرة ولا كبيرة، في ما رواه أبو داود عن عبدالله بن عامر رضي الله عنه قال: دعتني أمي يوماً ورسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد في بيتنا، فقالت ها تعال أعطك، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أردت أن تعطيه؟ قالت: أردت أن أعطيه تمراً، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إنك لو لم تعطه شيئاً كتبت عليك كذبة .