تبذل القوى السياسية الموريتانية جهداً استثنائياً في معركة مصير لا تتوقف ولا ينقشع لها غبار . وأحداث كل أسبوع دليل على أن المعدة السياسية الموريتانية لا تصاب بالحموضة أبداً، وأن معركة صراع الديوك يشتد أوارها على مسرح سياسي مكشوف .لنبدأ بالمعارضة التي جددت النزول للشارع في مسيرة ضخمة، كانت مناسبة لزعيمها أحمد ولد داداه، وفي آخر يوم من رئاسته الدورية لمنسقية المعارضة، ليوجه رسالة للنظام بحجم شعبيته من جهة، وليكشف، وفي سابقة من نوعها، عن وجود قاعدة عسكرية أجنبية تجوب البلاد دون علم الشعب والبرلمان .

ومن البديهي أن القاعدة العسكرية التي عناها ولد داداه هي القوات الفرنسية المتواجدة حالياً شمال البلاد . وجاءت إثارة موضوعها في وقت تشن فيه المعارضة حملة متصاعدة ضد فرنسا التي تتهمها ب الدعم الأعمى للرئيس ولد عبدالعزيز .

القاعدة العسكرية (الفرنسية) سلطت الضوء من جديد على ملف فرنسا وثروات الشمال الموريتاني، مع تقدم توتال في أعمال حفر الآبار التجريبية النفطية في حوض تاودني، وإعلان شركة فرنسية أخرى تأسيس شركة جديدة للتنقيب عن اليورانيوم في الشمال الموريتاني، ورغم التستر الشديد على هذا الملف تحدثت تسريبات عن جود احتياطي هائل من اليورانيوم .

زعيم المعارضة أيضاً أثار العديد من الملفات من بينها ملف النفايات السامة، وملف الصفقات العمومية، واشترط لقبول الحوار مع ولد عبدالعزيز إعلان النظام رسمياً الدعوة للحوار والقبول بمرجعية اتفاق دكار . ما يعني أن المعارضة لن تقبل الدخول في حوار لا يتضمن بحث دور المؤسسة العسكرية واحتمال التوصل لتقاسم السلطة وفق الفقرة النائمة من اتفاق دكار . وهو ما لا يريده بأي شكل من الأشكال الرئيس عزيز الذي أكد أكثر من مرة أنه لن يتقاسم السلطة أبداً مع أحد .

زعيم المعارضة أراد الوقيعة بين الرئيس وأغلبيته النيابية، فقال إن ولد عبدالعزيز لا يحترم أغلبيته لأنه هو الرئيس والبواب . . وهو كل شيء .

في هذه الأثناء واصل رئيس البرلمان مسعود ولد بالخير هجومه اللاذع على الرئيس عزيز، ولم يخف الأبعاد الشخصية في هذا الهجوم، وإن أعلن قبوله بحوار لا يمكن ولد عبدالعزيز من إكمال ولايته (5 سنوات)، كما هاجم المجموعة الدولية واتهمها بممالأة نظام ولد عبدالعزيز ودفع المعارضة لارتكاب الحماقة بتوقيع اتفاق دكار (وضع حداً للأزمة الدستورية الماضية وأفضى إلى الانتخابات التي فاز فيها ولد عبدالعزيز)، ووصف ولد بلخير اتفاق دكار ب الحماقة، مشيراً إلى أن المجموعة الدولية أخذت مقابل بالتمالؤ مع عزيز .

ومع تسلم بيجل ولد حميد، رئيس حزب الوئام، الرئاسة الدورية لمنسقية أحزاب المعارضة، وهو أحد نجوم السياسة في عهد ولد الطايع وولد فال وولد الشيخ عبدالله والعهد الحالي، تساءل العديد من المحليين إن كانت المعارضة ستتجه نحو التهدئة نظراً لأسلوب بيجل في العمل السياسي وإيمانه العميق ب القانون والشرعية وفهمه الأعمق للعلاقة بين أجنحة النضال وأجواء الواقع .

يقول المحلل السياسي رياض أحمد الهادي في ظروف عادية كان تسلم بيجل لرئاسة المنسقية سيمر من دون إثارة كبير اهتمام، غير أنه في ظل الظرفية الراهنة المشحونة بالصراع بين عوامل التوتير وإمكانات التهدئة، لا يمكن أن يمر من دون ترك علامات استفهام، خصوصاً أن المعارضة توجد تحت المجهر وعلى مفترق طرق لا يسمح لها باتخاذ قرارات من دون معنى .

وأضاف لا أحد يجهل أن المعارضة صعدت من لهجتها مؤخراً وأنها كانت بصدد تبني استراتيجية تصعيدية تستهدف إزعاج النظام، كما أن لا أحد يجهل أنه داخل المعارضة يتصارع تياران أحدهما يصر على الدفع بتلك الاستراتيجية إلى الأمام وآخر يعطي الأولوية لاقتناص أية فرصة تسنح للحوار، وأنه على رأس هذا التيار الأخير يوجد الرئيس بيجل . فهل أرادت المعارضة أن تضع بيجل على المحك ليتأكد بنفسه ما إذا كانت هناك بالفعل فرصة متاحة للحوار .

وينبه إلى أن رئيس منسقية المعارضة لا يملك صلاحية اتخاذ قرار فردي بحوار لا ترى المعارضة جدوى منه لكن إذا كانت المعارضة لا تستطيع أن تعلن بشكل صريح استعدادها للتجاوب مع رغبة السلطة في الحوار، فأقل ما يمكن أن تفعله هو أن تبحث عن طريقة غير مباشرة للتعبير عن حسن نواياها . وفي هذا الإطار لن تجد أفضل، لمواجهة نوايا الرئيس عزيز غير المؤكدة، من حنين الرئيس بيجل للسلطة .

غير أن قادة المعارضة أوصوا بيجل في اجتماع تسلمه الرئاسة بنقل معركة النزول للشارع إلى المدن الداخلية، وأكدوا أنهم يسعون بكل الطرق لإسقاط النظام .

ومع نشاطات المعارضة دائماً، قدم يحيى ولد الوقف رئيس الوزراء السابق ورئيس حزب عادل الحاكم سابقاً، في أول مؤتمر استثنائي لحزبه حصيلة نشاطات الحزب ودوره في مقاومة الانقلاب، معلنا تمسكه بالمعارضة وتنويهاً بدعوة الرئيس ولد عبدالعزيز للحوار .

ووصف ولد الوقف نتائج الانتخابات الرئاسية التي حملت عزيز للسلطة بأنها كانت مفاجئة لجميع المراقبين ومخيبة لآمالنا وآمال كل القوى التي راهنت على التغيير الديمقراطي .

ومع ذلك لوحظ حضور ممثلين عن الأغلبية إلى جانب المعارضة لمؤتمر عادل، وهو ما يجد تفسيره في كون الرئيس ولد عبدالعزيز كان قد اختار ولد الوقف لإبلاغ المعارضة بدعوته للحوار، وكذلك اللقاءات المتكررة بين قادة عادل وولد عبدالعزيز، وهي اللقاءات التي بدأت بالفعل تزعج المعارضة، وتطرح تساؤلات عن مهمة عادل في المعارضة .

إذ لا يستبعد أن يكون النظام قد توصل إلى صيغة لضبط المعارضة وتهدئتها وعقلنتها عن طريق رجال السلطة السابقين المتموقعين الآن في المعارضة (بيجل، لوليد، الوقف، المختار الحسن . . وآخرون كثيرون) .

ثمة ما يجري في المعارضة الموريتانية بين الصقرين (مسعود، داداه) والحمامتين (بيجل، الوقف) . لكن المعارضة لا تزال متماسكة رغم لقاءات ما تحت الطاولة .

أما حزب الاتحاد من أجل الجمهورية الحاكم فقد واصل محاولاته صد هجمات المعارضة داخل البرلمان وخارجه من خلال سلسلة تصريحات وبيانات ومداخلات برلمانية .

وصاغ الحزب ردوده في بيان مطول، اتهم فيه المعارضة بإعادة إنتاج خطابها المأزوم أمام ما تبقى من فلول أنصارها في نواكشوط، وقال إنها وكما هو عادتها تفننت هذه المرة أيضاً في الاستهتار بالمثل والالتزامات الديمقراطية، وفي الاستخفاف بعقول المواطنين، والازدراء بإرادة الشعب وهمومه ومصالحه الحيوية، والترويج لأزمات وطنية مختلقة، لا وجود لها إلا في مخيلة من اختلقها، في محاولة يائسة لحجب شمس الحقيقة الناصعة للمنجزات المتلاحقة في كافة المجالات، بغربال من اليأس والوهم، واتهمها ب العجز عن تبرير موقفها المتكرر الرافض للجلوس حول مائدة حوار وطني يزيح العوائق عن الطريق، وقال إن المعارضة لجأت إلى محاولة فاشلة لاستنساخ أزمات متلاحقة من الخلايا الميتة للأزمات التي وضعت الانتخابات الرئاسية نهاية لها .

وتساءل الحزب ماذا بقي من المثل والمبادئ والمقتضيات التي تتشدق بها المعارضة حين تتنكر علنا لإرادة الشعب وحكم صندوق الاقتراع، وتدعو جهاراً إلى الإطاحة بنظام شهد العالم بشفافية الانتخابات التي أفرزته .

أما الرد على موضوع القاعدة العسكرية الأجنبية والكوارث البيئية، فقد قال الحزب الحاكم إنه لا وجود لشيء منها إلا في مخيلة (المعارضة) المريضة، وأنها ضمن حملات التضليل والتشكيك المغرضة، واختلاق الأوهام .

واتهم الحزب المعارضة بتحريض الشركاء (الممولين الدوليين) على خنق المواطنين ووقف مشاريع التنمية . وخلص الحزب إلى أن المعارضة الموريتانية يسوؤها نجاح حكومة بلدها في المجال التنموي والدبلوماسي .

واستعرض الحزب نجاحات النظام في مختلف القطاعات الحيوية، وأكد أنه يواصل مد اليد البيضاء إلى كل من تتوفر لديهم النية الصادقة والرغبة في نيل شرف المشاركة في معركة الإنشاء والتعمير وترميم القيم الوطنية .

وذكّر المعارضة بأنه لم يبق أمامها في سعيها إلى السلطة غير الانتظار والاستعداد المسؤول للانتخابات القادمة .

إخوان موريتانيا ورسائل المرحلة

إذا تكلم أيديولوجي أنصتت الطبقة السياسية الموريتانية جيداً . . فرغم ضجيج السجال السياسي العنيف بين المعارضة والنظام، وتأثير ذلك في اجتماع المانحين الذي انتهى أول أمس (23/6/2010) في بروكسل، فقد كان لافتاً توقيت تنظيم حزب تواصل (التيار الإسلامي) الموريتاني لندوة سياسية سلطت الضوء على تاريخ الحركة الإسلامية بموريتانيا ومراحل تطورها والتحديات التي تواجه الإسلاميين الآن .

ومن أهم الخلاصات التي أعلنها قادة التيار هو ما كشف عنه محمد جميل منصور رئيس الحزب، والذي أكد أن قرار العمل العلني لدى التيار الإسلامي بموريتانيا قرار استراتيجي لا تراجع عنه .

ويأخذ هذا التصريح أبعاده وأهميته السياسية من الاتهامات المبطنة من طرف الأمن وبعض القوى السياسية الموريتانية التي ترى أن إسلاميي موريتانيا (النسخة الإخوانية) لا يزالون يديرون تنظيماً سرياً .

وكشف ولد منصور عن فحوى حوار جمعه مع رئيس سابق للبلاد حول أهمية الخروج العلني للحركة الإسلامية والتعامل مع الانفتاح الديمقراطي ناقلاً عن الرئيس الذي لم يسمه قوله لا يزال البعض يقول إن لديكم بعض الأعمال المخفية مع ما هو ظاهر للعيان .

وأضاف ولد منصور لقد قلت صراحة للرئيس إننا مهما فتحنا من الأحزاب والجمعيات والنوادي ومارسنا من العمل السياسي العلني، سيظل للبعض من الشباب وربما الشيوخ هواجسهم تجاه الحالة الأمنية في البلاد، وسيقول البعض إن الدولة تستدرج العاملين في الحقل الإسلامي للانقضاض عليهم .

وقال ولد منصور إنهم مهما عملوا جهراً ستظل الأجهزة الأمنية لديها مخاوفها وتخميناتها، وسيظل القادة الأمنيون ينظرون إلى كل لقاء بين خمسة أو ثلاثة أو عشرة على أنه اجتماع تنظيمي وإحياء لتيار قديم، وبالتالي نحن بحاجة إلى بعض الوقت لإرسال رسائل مطمئنة للفريقين مع التأكيد على أن دواعي السرية انتفت والمخاوف لدى الطرفين الآن غير مبررة على الإطلاق بعد أن تجاوزنا فترة الأنظمة التي لا تعترف بالآخر .

وأكد أن الوقت حان لشرح موقف الإسلاميين من العمل الحركي وعلاقاتهم بالأحزاب السياسية خلال الفترة الماضية مع دراسة الأخطاء التي رافقت المسيرة .

وبدا ولد منصور غامضاً إزاء علاقة الإسلاميين بانقلاب قائد التنظيم السابق فرسان التغيير، الرائد صالح ولد حننه (8 يونيو 2003)، مشيراً إلى أن العلاقة بدأت بعد الانقلاب وأن ما قبل ذلك ظل مجهولاً لدى الجميع، معرباً عن اعتقاده بأن قادة الفرسان وحدهم من يمتلك الحق في الحديث عن تفاصيل العلاقة ومستوياتها سواء بالإسلاميين أو غيرهم .

وكشف ولد منصور أن السلطة وصراع الأجيال كان وراء فشل الجبهة الإسلامية (قامت بداية التسعينات وحاولت ضم جميع التيارات الإسلامية بما فيها الصوفية) .

ولد منصور بعث بعدة رسائل لفت انتباه الخليج منها، تأكيده في الرسالة الأولى أهمية وحدة التيار في إطار العمل الإسلامي، بغض النظر عن تواجد أغلب أعضائه خارج المظلة الجامعة له اليوم (حزب تواصل)، أو خارج العمل الحزبي عموماً .

أما الرسالة الثانية التي بعث بها ولد منصور، الذي شارك منذ أكثر ثلاثين سنة، ومن موقع القيادة، في مسيرة الحركة الإسلامية بموريتانيا، فهي أن التيار الإسلامي يحتاج الآن إلى الخروج من كونه جماعة يمثل غالبية أعضائها أو المنتمين إليها شريحة موريتانية واحدة إلى إطار يجمع الجميع .

وتكشف هذه الرسالة ما تم رصده خلال الفترة الأخيرة من تحرك إخوان موريتانيا، على ضوء ملفي محاربة العبودية والتعريب، للخروج من قوقعة شريحة (العرب البيض) نحو اكتساح شريحة الحراطين (العرب السمر) وشريحة الأقلية الإفريقية . ومما لا شك فيه أن اكتساح هاتين الشريحتين بات يعتبر مقياساً وهدفاً لنجاح أي تيار سياسي، نظراً لوزنهما الانتخابي والاجتماعي .

ولد منصور طالب النخبة السياسية والأمنية بالقراءة عن الإسلاميين وتجاوز عقليات الماضي، بالاستماع إلى الحركة الإسلامية الآن بعد أن عاشت تلك النخبة لسنوات وهي تسمع عنها فقط لأن الحالة الإسلامية الآن عالمياً، على حد تعبيره، باتت الظاهرة الأبرز بعد الأنظمة، وليس من المعقول تجاهلها أو النظر إليها من بعيد، كما طالب الإسلاميين بالفصل بينهم ككيان حزبي مهتم بتعزيز روح التدين في المجتمع، والإسلام كشريعة وعقيدة يؤمن بها الجميع .