هذا هو الكتاب الذي حاز عنه محققه د. عبد الكريم الأشتر مؤخراً، على جائزة ابن بطوطة للرحلة الكلاسيكية، ومؤلفه مؤيِّد الدولة أبو المظفر أُسامة فارس وأمير ورحالة وأديب، نشأَ في رعاية أبيه مجد الدين مرشد، وعمه عز الدين سلطان، فدرسَ اللغة والنحو والأدب باستفاضة على بعض شيوخ زمانه، وقرأ الشعر وحفِظَ قدراً كبيراً منه، ووعى القرآن وتفاسيره والحديث وكتُبَه، واطّلع على التاريخ والسِّيَر، وعلّمهُ أبوه النجوم ومواقعها، وتمرَّسَ بأساليب القتال والصيد، وعاينها، على أيدي الفرسان. وكان على حظٍّ ممتاز من حِدّة الذهن، وروعة البديهة وشجاعة القلب وخِفَّة الحركة. فكانَ ربما أقدَمَ على ما لا يُقدِم عليه غيره من ركوب الخطر، إضافة إلى ما وعى في الدرس والتحصيل، في مجتمع الحصن الأدبي الذي كان الشعراء والأدباء يتوافدون عليه، ليمتدحوا أمراءه.

أمضى أسامة في مصر تسع سنين، غادرها بعدها (سنة 549ه) عائِداً إلى البلاط النوري في دمشق، ولحِقَ به أهله وأولاده، بعد أن أخذ لهم الأمان من الإفرنج، ولكن الإفرنج أغاروا على مركبهم ونهبوا ما فيه، وجرّدوا النساء من حليِّهن، وأخذوا الكُسى والجوهر، وأخذوا معها قدراً عظيماً من كُتبِ أسامة، تبلغ أربعة آلاف مُجلَّدٍ من الكتب الفاخرة. فكان فقدُ الكُتبِ أعظَمَ في نفسهِ من كُل شيء. وقال في ذلك جملته التي نقرؤها في الكتاب: أفإنَّ ذهابَها حزازة في قلبي ما عِشْتُ.

وكان من قدَر شيزر بعدها أن دَهمَها زلزالٌ عنيف (سنة 552ه= 1157م) هدَّ أركانها ودمّرها تدميراً، وقضى على أهلها، فلم يبقَ من بني منقذ أحدٌ ممن كانوا فيها، ونجا أُسامة وولده لِبعدِهم عنها في دمشق.

فكأن ما وقع لأهله من الإبادة، وما جرى له في مصر والشام، وما شهد من النكبات والوقعات والأحداث العظام التي شملت حركته فيها ساحة المنطقة كلها (من أخباره أنه سافر إلى أرمينية وملطية)، دفع به (سنة 559ه) إلى الاعتكاف في حصن كَيْفا، على نهر دجلة، فعكف فيها على الكتابة والتأليف. وأغلب الظن أن عدداً مما وصل إلينا من كتبه، أو من أسمائها، كان مما كتبه في تلك الأيام، ومن بينها كتاب سماه المنازل والديار ملأه برثاء أهله الذين ذهب بهم الزلزال، ونقل فيه مقداراً من شعره، وزاد عليه كثيراً من محفوظه.

ثم استدعاه السلطان صلاح الدين الأيوبي (سنة 570ه) إلى دمشق، بعد أن استولى عليها من النوريين؛ وكان مرهف، ابن أسامة، من جلسائه، فلعله طلب منه أن يستدعي إليه أباه من معتكفه في حصن كيفا، ففعل. ورعاه صلاح الدين، وأقطعه ضيعة في أطراف المعرة وأملاكاً في دمشق، وأخذ يستشيره في أمره، ويكتب إليه أحياناً بأخباره حين كان يخرج إلى قتال الإفرنج. وفي خاتمة كتاب الاعتبار إقرار جميل وافٍ بهذه الرعاية على ما يجد القارئ بعد، وصاغ هذه الخاتمة صياغة تشبه صياغات العصر المصنوعة، وتختلف عن لغة الكتاب في جملته، دليل أنه كتبها لهذا الغرض وحده، بعد أن جُمع الكتاب.

ثم إنّه ظلَّ يعيش في دمشق، ويُلقي بعض الدروس في مدارسها، ويَغشى مجالسها العلمية، حتى توفي (سنة 584ه)، بعد أن أكرمه الله بشهود تحرير بيت المقدس (سنة 583ه)، على يد صلاح الدين، ودُفِنَ في سفح جبل قاسيون شرقي الصالحية، على الجانب الشمالي من نهر يزيد. وكان قبره معروفاً إلى أيام ابن خَلِّكان، حيث زاره وقرأ عنده شيئاً من القرآن.

ليس في كتُب أسامة، على كثرتها وتعدُّد فنونها، ما يعدل كتاب الاعتبار، فهو أروعها وأكثرها إثارة، كتبه على ما رأينا، في المرحلة التي يكتمل فيها لمثله، في موضوعه، سعة التجربة واختمار النضج وعمق الإدراك وطول المعاناة ووفرة الذكريات. ويُخَيَّل إلى القارئ وهو يقرؤه، أنَّ أسامة كان يسترجع فيه، على غير نسق تاريخي منظم، صور حياته ويقلّب النظر فيها، ويستخلص عِبرها، على نحو ما يُحدِّث به سمّاره في دمشق، في مراحل عمره الأخيرة، ويحكي لهم ما وقع له، فيكتبه بعضهم عنه. فإن فيه، من عفوية التعبير وبساطة الأداء، ما يصل أحياناً إلى حدّ الدارجة الشائعة في شمالي الشام، تلك الأيام، بما فيها من قوة الاسترسال والبعد عن قصد التجويد، لصالح الاقتراب من الواقع الحي. وفيه من تداخل الذكريات وغَلبة بعضها على بعض، ومن تدخّل المحفوظات وحرارة الروح، ما لا يكون مثله إلا في مجالس السَّمَر وتدفّق أطراف الحديث، دون الاحتفال بترتيبها الزمني أو التاريخي. ولا يبعد أن يكون أسامة أعادَ النظرَ فيه من بعد، وجمع أوراقه بعضها إلى بعض، فخرجَ، على نحوٍ ما، في صورة الكتاب التي نعرفها اليوم.

هنا ورقات من مشاهدات ووقائع في السفر والإقامة بين مصر والشام وفلسطين، تكشف عن جوانب مهمة في حياة هذا الرحّالة والأديب والفارس. والكتاب سيصدر قريباً عن المركز العربي للأدب الجغرافي-ارتياد الآفاق في سلسلة الكتب الفائزة بجائزة ابن بطوطة للأدب الجغرافي، بين بيروت ولندن وأبوظبي، بالتعاون بين دار السويدي والمؤسسة العربية للدراسات والنشر، يقول ابن منقذ.

فاقتضت الحالُ مسيري إلى دمشق، ورُسُل أتابِك تتردد في طلبي إلى صاحب دمشق. فأقمتُ فيها ثماني سنين. وشهدتُ فيها عدة حروب، وأجزل لي صاحبها رحمه الله العطيّة والإقطاع، وميَّزني بالتقريب والإكرام، يضاف ذلك إلى اشتمال الأمير معين الدين رحمه الله عليَّ، وملازمتي له ورعايته لأسبابي.

السفر إلى مصر: ثم جرت أسباب أوجبت مسيري إلى مصر، فضاع من حوائج داري وسلاحي ما لم أقدر على حمله. وفرّطتُ في أملاكي ما كان نكبة أخرى، كل ذلك والأمير معين الدين رحمه الله محسنٌ مُجمل كثير التأسُّف على مفارقتي، مُقرٌّ بالعجز عن أمري، حتى إنه أنفذ إليّ كاتبه الحاجب محمود المسترشدي رحمه الله قال: أوالله لو أن معي نصفَ الناس لضربت بهم النصف الآخر، ولو أن معي ثلثهم لضربت بهم الثلثين، وما فارقتك، لكن الناس كلهم قد تمالؤوا عليَّ وما لي بهم طاقة. وحيث كنتَ فالذي بيننا من المودة على أحسن حالة.

فكان وصولي إلى مصر يومَ الخميس الثاني من جمادى الآخرة، سنة تسع وثلاثين وخمسمائة. فقربني الحافظ لدين الله ساعة وصولي. فخلع عليَّ بين يديه، ودفع لي تخْت ثياب ومائة دينار، وخوّلني دخول الحمّام، وأنزلني في دار من دور الأفضل ابن أمير الجيوش، في غاية الحسن، وفيها بُسْطُها وفُرشها، ومرتبة كبيرة وآلتها من النحاس، كل ذلك لا يُستعاد منه شيء، وأقمت بها مدةً إقامةً في إكرام واحترام وإنعام متواصل، وإقطاع زاج.

فتنة في عسكر الفاطمية: فوقع بين السودان، وهم في خَلْق عظيم، شرٌ وخُلْف، بين الريحانية، وهم عبيد الحافظ، وبين الجُيوشيّة والإسكندرانية والفَرْحيّة. فكان الريحانية في جانب، وهؤلاء كلهم في جانب، متفقين على الريحانية، وانضاف إلى الجُيوشيّة قوم من صبيان الخاص. فاجتمع من الفريقين خَلْق عظيم. وغاب عنهم الحافظ، وترددت إليهم رُسُله. وحَرص على أن يصلح بينهم. فما أجابوا إلى ذلك، وهم معه في جانب البلد. فأصبحوا التقَوا في القاهرة، فاستظهرتْ الجُيوشيّة وأصحابها على الريحانيّة، فقتلتْ منهم في سُوَيْقَة وأمير الجيوش ألفَ رجل، حتى سدّوا السُّوَيقة، ونحن نبيت ونصبح بالسلاح خوفاً من ميلهم علينا، فقد كانوا فعلوا ذلك قبل طلوعي إلى مصر.

وظن الناس لما قُتل الريحانية أن الحافظ ينكر ذلك ويوقع بقاتليهم، وكان مريضاً على شفا، فمات رحمه الله بعد يومين، وما انتطح فيها عنزان.

خروج ابن السّلار على الظافر: وجلس بعده الظافر بأمر الله، وهو أصغر أولاده. واستوزر نجمَ الدين ابن مَصَال، وكان شيخاً كبيراً، والأمير سيف الدين أبو الحسن علي بن السّلار رحمه الله إذ ذاك في ولايته، فَحَشَدَ وجمع وسار إلى القاهرة، ونفّذ إلى داره. فجمع الظافرُ بأمر الله الأمراء في مجلس الوزارة، ونفّذ إلينا زِمامَ القصور، يقول: أيا أمراء، هذا نجم الدين وزيري ونائبي، فمن كان يطيعني فليطعْه ويمتثل أمره فقال الأمراء: انحن مماليك مولانا، سامعون مطيعون. فرجع الزِّمامُ بهذا الجواب.

فقال أمير من الأمراء، شيخ يُقال له: لَكْرون: ايا أمراء! نترك عليَّ بن السَّلار يُقتل؟ قالوا: ألا والله! قال: فقوموا. فنفروا كلهم وخرجوا من القصر، شدّوا على خيلهم وبغالهم وخرجوا إلى معونة سيف الدين بن السّلار، فلما رأى الظافر ذلك، وغُلب عن دفعه، أعطى نجم الدين بن مَصَال مالاً كثيراً وقال: أخرج إلى الحَوْف اجمع واحشد، وأَنْفِقْ فيهم، وادفع ابن السّلار. فخرج لذلك.

ابن السّلار: ودخل ابن السّلار القاهرة، ودخل دار الوزارة، واتفق الجند على طاعته، وأحسن إليهم، وأمرني أن أبيت أنا وأصحابي في داره. وأفرد لي موضعاً في الدار أكون فيه.

وابن مَصال في الحَوْف قد جمع من لَواتَة، ومن جُند مصر، ومن السودان والعربان، خَلْقاً كثيراً. وخرج عباس، ركنُ الدين، وهو ابن امرأة علي بن السّلار، ضرب خِيَمه في ظاهر مصر، فغدت سريّة من لَوَاتة ومعهم نسيب لابن مَصال، وقصدوا مخيّم عباس. فانهزم عنه جماعة من المصريين، ووقف هو وغلمانه ومن صَبَر معه من الجند ليله مُحابِسَهم.

وبلغ الخبر إلى ابن السّلار، فاستدعاني في الليل، وأنا معه في الدار، وقال: هؤلاء - يعني: جند مصر- قد شغلوا الأمير- يعني: عباساً- بالفوارغ، حتى عدا إليه قوم من لَواتَةَ سباحةً فانهزموا عنه. ودخل بعضهم إلى بيوتهم بالقاهرة، والأمير مُواقِفُهم. قلت: أيا مولاي! تركب إليهم في سَحَر، وما يُضحي النهار إلا وقد فَرَغنا منهم إن شاء الله تعالى. قال: صواب. أَبْكِرْ في ركوبك، فخرجنا إليهم من بُكرة، فلم يسلم منهم إلا مَن سَبَحتْ به فرسه في النيل، وأُخذ نسيب بن مَصال، ضُربت رقبته.

الظافر يقرّ بالهزيمة: وجَمَع العسكَر مع عباس، وسيّره إلى ابن مصال، فلقيه على دِلاص فكسرهم، وقُتل ابن مَصال، وقُتل من السودان وغيرهم سبعة عشر ألفَ رجل، وحملوا رأس ابن مَصال إلى القاهرة، ولم يبق لسيف الدين من يُعانده ولا يُشاققه. وخلع عليه الظافر خلَع الوِزارة، ولقّبه المَلك العادل، وتولى الأمور.

ابن السّلار ينجو من مكيدة الظافر: كل ذلك والظافر منحرف عنه، كارهٌ له، مضمر له الشر، فعمل على قتله، وقرر مع جماعة من صبيان الخاص وغيرهم، ممن استمالهم وأنفق فيهم، أن يهجموا داره ويقتلوه، وكان شهر رمضان، والقوم قد اجتمعوا في دارٍ بالقرب من دار الملك العادل، ينتظرون توسُّط الليل وافتراق أصحاب العادل، وأنا تلك الليلة عنده.

فلما فرغ الناس من العشاء وافترقوا، وقد بلغه الخبر من بعض المُعاملين عليه، أحضر رجلين من غلمانه وأمرهم أن يهجموا عليهم الدار التي هم فيها مجتمعون، وكانت الدار- لِما أراده الله من سلامة بعضهم- لها بابان: الواحد قريب من دار العادل، والآخر بعيد، فهجمت الفرقة الواحدة من الباب القريب، قبل وصول أصحابهم إلى الباب الآخر، فانهزموا وخرجوا من ذلك الباب، وجاءني منهم في الليل من صبيان الخاص نحوُ عشرة رجال، كانوا أصدقاء غلماني، نخبئُهم، وأصبح البلد فيه الطلب لأولئك المنهزمين، ومن ظُفر به منهم قُتل.

أسامة ينقذ أحد السودان: ومن عجيب ما رأيت في ذلك اليوم: أن رجلاً من السودان الذين كانوا في العَمْلة انهزم إلى عُلْو داري، والرجال بالسيوف خلفه، فأشرف على القاعة من ارتفاع عظيم. وفي الدار شجرة نَبْق كبيرة، فقفز من السطح إلى تلك الشجرة فثبت عليها، ثم نزل ودخل من كُمّ مجلس قريب منه، فوطئ على منارة نحاس، فكسرها، ودخل إلى خَلْف رَحْلٍ في المجلس اختبأ فيه. وأشرف أولئك الذين كانوا خلفه، فصِحتُ عليهم، وأطلعت إليهم الغلمان دفعوهم. ودخلت إلى ذلك الأسود فنزع كساءً كان عليه، وقال: اخُذه لك قلت: أكثر الله خيرك، ما أحتاجه. وأخرجته، وسيّرت معه قوماً من غلماني، فنجا.

يعود إلى الشام في مهمة رسمية: وتقدم إليّ الملك العادل رحمه الله بالتجهيز للمسير إلى الملك العادل نور الدين رحمه الله، وقال: تأخذ معك مالاً، وتمضي إليه لينازل طَبَرِيّةَ، ويَشْغَل الفرنج عنا، لنخرج من ههنا نخرّب غَزّةَ. وكان الإفرنج، خذلهم الله، قد شرعوا في عمارة غزة ليحاصروا عَسْقَلان. قلت: يا مولاي! فإن اعتذر أو كان له من الأشغال ما يعوقه، أيَّ شيءٍ تأمرني؟ قال: إن نزل على طبريّة فأعطه المال الذي معك. وإن كان له مانع فَدَيْوِن من قَدِرت عليه من الجند، واطلع إلى عسقلان أقِمْ بها في قتال الإفرنج، واكتب إليّ بوصولك لآمرك بما تعمل.

ودفع إليّ ستة آلاف دينار مصرية، وحِمْل جَمَلٍ ثياب دَبيقيٍّ، وسقلاطون ومُسَنْجَ، ودمياطي، وعمائم، ورتّب معي قوماً من العرب أدلاّء، وسرت وأزاح علّة سفري بكل ما أحتاجه من كثير وقليل.

يحسن إلى عُرْبان الجَفْر: فلما وصلت الجفر، وفيه مياه وعشب وشجر، فقام من ذلك العشب رجل عليه ثوب أسود، فأخذناه. وتفرق أصحابي فأخذوا رجلاً آخر وامرأتين وصبياناً. فجاءت امرأة منهن مَسَكت ثوبي وقالت: يا شيخ! أنا في حَسَبك. قلت: أنتِ آمنة، مالكِ؟ قالت: قد أخذ أصحابك لي ثوبا وناهقاً ونابحاً وخرزة قلت لغلماني: من كان أخذ شيئاً يرده. فأحضر غلام قطعة كساء لعلها طول ذراعين. قالت: هذا الثوب! وأحضر آخر قطعة سِنْدَرَوس (يشبه الكهرمان) قالت: هذه الخرزة. قلت: فالحمار والكلب؟ قالوا: الحمار قد ربطوا يديه ورجليه، وهو مَرميٌّ في العشب، والكلب مفلوت يعدو من مكان إلى مكان.

فجمعتهم، ورأيت بهم من الضُرّ أمراً عظيماً، قد يبست جلودهم على عظامهم. قلت: أيش أنتم؟ قالوا: نحن من بني أُبَيّ. (وبنو أُبَيّ فرقة من العرب من طيّئ لا يأكلون إلا المَيْتة. ويقولون: نحن خير العرب، ما فينا مجذوم ولا أبرص ولا زَمِن ولا أعمى!. وإذا نزل بهم ضيف ذبحوا له وأطعموه من غير طعامهم). قلت: أما جاء بكم إلى هنا؟ قالوا: لنا بحَسْمى كُثول ذُرة مطمورة جئنا نأخذها. قلت: وكم لكم هنا؟ قالوا: من عيد رمضان لنا ههنا، ما رأينا الزاد بأعيننا قلت: فمن أين تعيشون؟ قالوا: من الرِّمّة (يعنون العظام البالية الملقاة)، ندقها ونعمل عليها الماء وورق القَطَف (شجر بتلك الأرض)، ونتقَوَّت به. قلت: فكلابكم وحُمُرُكم؟ قالوا: الكلاب نطعمهم من عيشنا، والحُمُر تأكل الحشيش. قلت: فلمَ لا دخلتم) إلى دمشق؟ قالوا: خِفنا الوباء. ولا وباء أعظم مما كانوا فيه! وكان ذلك بعد عيد الأضحى.

فوقفتُ حتى جاءت الجِمال، وأعطيتُهم من الزاد الذي كان معنا، وقطعت فُوطة كانت على رأسي أعطيتها للمرأتين، فكادت عقولهم تزول من فرحهم بالزاد.

وقلت: لا تقيموا هنا يُسْبُوكم الإفرنج.

فطنة دليل: ومن طريف ما جرى لي في الطريق: أنني نزلت ليلةً أصلّي المغرب والعِشاء قَصْراً وجَمْعاً. وسارت الجمال. فوقفتُ على رَفْعَة من الأرض وقلت للغلمان: تفرقوا في طلب الجمال وعودوا إليَّ، فأنا ما أزول من مكاني، فتفرّقوا، وركضوا كذا وكذا فما رأوهم، فعادوا كلهم إليّ، وقالوا: اما لقيناهم، ولا ندري كيف مَضَوا. فقلت: نستعين بالله تعالى، ونسير على النّوء. فسرنا ونحن قد أشرفنا، من انفرادنا عن الجمال في البرية، على أمر صعب.

وفي الأدلاّء رجل يقال له: جُرَيّة، فيه يقظة وفطنة.

فلما استبطأنَا علمَ أنّا قد تُهنا عنهم، فأخرج قدّاحة وجعل يقدح، وهو على الجمال، والشرار من الزند يتفرق كذا وكذا، فرأيناه على البعد، فقصدنا النار حتى لحقناهم، ولولا لطف الله، وما أُلْهِمَه ذلك الرجل، كنا هلكنا.

الأخراج: ومما جرى لي في تلك الطريق أن الملك العادل رحمه الله قال لي: لا تُعْلم الأدلاء الذين معك بالمال. فجعلت أربعة آلاف دينار في خُرْجٍ، على بغل سَروجي مجنوب معي، وسلمتُه إلى غلام. وجعلت ألفي دينار ونفقةً لي وسَرفْسار دنانير مغربية في خُرْج على حصان معي، وسلمته إلى غلام. فكنت إذا نزلت جعلت الأخراج في وسط بساط ورددت طرفيه عليها، وبسطت فوقه بساطاً آخر، وأنام على الأخراج، وأقوم وقت الرحيل قبل أصحابي، يجيء الغلامان اللذان معهما الخرجان فيتسلمانهما. فإذا شدّاهما على الجنائب ركبتُ، وأيقظت أصحابي تَهمّمْنا بالرحيل.

فنزلنا ليلة في التيه، فلما قمت للرحيل جاء الغلام الذي معه البغل، أخذ الخُرج وطرحه على وركي البغل، ودار يريد يشده بالسُّموط. فزلّ البغل وخرج يركض وعليه الخُرج. فركبتُ حصاني، وقد قدّمه الرِّكابي، وقلت لواحد من غلماني: اركب! اركب! وركضت خلف البغل فما لحقته، وهو كأنه حمار وحش، وحصاني قد أعيا من الطريق. ولحقني الغلام فقلت: اتبع البغل كذاب فمضى وقال: والله يا مولاي! ما رأيت البغل، ولقيت هذا الخُرج قد شِلته. فقلت: الخُرج كنت أطلب، والبغل أهون مفقود.

ورجعت إلى المَنْزِلة، وإذا البغل قد جاء يركض. دخل في طُوالة الخيل، ووقف. فكأنه ما كان قصده إلا تضييع أربعة آلاف دينار.

الوصول إلى عسقلان ومواجهة الإفرنج

لما وصلنا عَسْقَلان سَحَراً، ووضعنا أثقالنا عند المصلى، صبّحونا الإفرنج عند طلوع الشمس. فخرج إلينا ناصر الدولة ياقوت، والي عسقلان، فقال: ارفعوا، ارفعوا أثقالكم، قلت: تخاف لا يغلبونا الإفرنج عليها؟ قال: انعمب. قلت: لا تخف، هم يروننا في البريّة ويعارضوننا. إلى أن وصلنا إلى عسقلان ما خفناهم، نخافهم الآن ونحن عند مدينتنا؟

ثم إن الإفرنج وقفوا على بُعد ساعة. ثم رجعوا إلى بلادهم. جمعوا لنا وجاؤونا بالفارس والراجل والخِيَم، يريدون منازلة عسقلان، فخرجنا إليهم، وقد خرج راجل عسقلان. فدُرْتُ على سِرْب الرَّجّالة وقلت: يا أصحابنا! رجعوا إلى سُوركم ودعونا وإياهم، فإن نُصرنا عليهم فأنتم تلحقونا. وإن نُصروا علينا كنتم أنتم سالمين عند سُوركم. فامتنعوا من الرجوع، فتركتهم ومضيت إلى الإفرنج، وقد حطّوا خيامهم ليضربوها، فاحْتَطنا بهم، وأعجلناهم عن طيّ خيامهم، فرمَوها كما هي منثورة، وساروا راجعين.

فلما انفسحوا عن البلد تبعهم من الفضوليين أقوام ما عندهم مَنَعة ولا غَناء، فرجع الإفرنج حملوا على أولئك فقتلوا منهم نفراً. فانهزمت الرَّجّالة الذين رددتُهم فما رجعوا، ورموا تِراسَهم، ولقينا الإفرنج فرددناهم، ومضوا عائدين إلى بلادهم، وهي قريبة من عسقلان.

وعاد الذين انهزموا من الرَّجّالة يتلاومون، وقالوا: كان ابن منقذ أخْبَرَ منّا. قال لنا: ارجعوا، ما فعلنا، حتى انهزمنا وافتضحنا.