فجأة اكتشف لبنان أن بحره يعوم على ثروة نفطية، وأن بالإمكان الاستفادة فعلياً من هذه الثروة، خصوصاً لإطفاء الدين العام المتصاعد والذي وصل إلى معدلات عالية قياساً بالدورة المالية والاقتصادية اللبنانية، ولكن مشاعر الارتياح التي اعتملت في صدر المواطن اللبناني من جراء تيقنه من وجود الثروة النفطية، وتثبته من حقيقة الدراسات السابقة التي أجراها خلال الأعوام الماضية مختصون في هذا المجال، لم تبلغ مداها الأقصى وذروتها، إذ سرعان ما اصطدم بعدة وقائع ومعطيات، تشي بالسلبية بدل أن تكون واعدة وباعثة على الشعور بالفرح وأبرزها:

1 تبني السلطات اللبنانية أن إسرائيل شرعت في اعتبار الثروة المكتشفة في عرض البحر حقاً مكتسباً لها لوحدها يحظر على لبنان أن يمد يده إليها، وبالتالي بدا واضحاً للبنانيين أن الكيان الصهيوني الطامع أصلاً بالثروات اللبنانية على اختلافها، قد أوجد سبباً إضافياً للدخول في مواجهة جديدة مع لبنان .

وبالطبع أثار هذا الواقع المستجد حفيظة كثير من اللبنانيين كون التحدي الإسرائيلي يعزز منطق المدافعين عن سلاح المقاومة والمنادين بأهميته والحاجة إليه، لتحرير ما تبقى من أراض لبنانية محتلة، وللدفاع عن الوطن وثروته .

بل إن البعض بدأ يتصور أن وجود الثروة النفطية هو عبء جديد على لبنان كونه سيدخله في مماحكات وصراعات قانونية وغير قانونية مع إسرائيل وسواها من الدول الراعية لها ولإثبات حقه في هذه الثروة .

2 ان الحديث عن اكتشاف وجود ثروة نفطية في المياه البحرية اللبنانية فتح الباب واسعاً أمام سجال سياسي جديد في الداخل اللبناني المشتعل أساساً بوطأة الخلافات والسجالات حول الكثير من الملفات والقضايا العالقة . ولعل أبرز محطات هذا السجال كان بين رئاستي مجلس النواب ومجلس الوزراء، فالمعلوم أن أحد نواب كتلة الرئيس نبيه بري بادر إلى تقديم مشروع قانون إلى مجلس النواب يتعلق بمسألتي إنشاء هيئة رسمية للإشراف على عملية التنقيب عن الثروة النفطية وسبل إدارة هذه الثروة وعائداتها . ولكن النواب المحسوبين على الرئيس سعد الدين الحريري بادروا إلى مقاطعة جلسة اللجان النيابية المخصصة لمناقشة هذا المشروع مما أفقدها النصاب القانوني .

وكان هذا الأمر يبدو طبيعياً في سياق اللعبة البرلمانية، ولو لم يكن المراقبون على علم بأن هذه المقاطعة لنواب تيار الحريري هي بمثابة اعتراض جلي على خطوة الرئيس بري، ودليل حسي على وجود تباين حول هذا الموضوع بين الرئاستين الثانية والثالثة في بيروت .

ذريعة المباشرة التي قدمها نواب تيار الحريري لمقاطعتهم هي أن حكومة الرئيس الحريري، هي في صدد الإعداد لمشروع متكامل لإدارة الملف النفطي، وبناء عليه بدا واضحاً أن التباين بين هاتين الرئاستين يتعدى هذا الموضوع وصلاحيات البحث فيه وإدارته، ليصل إلى حدود التباين على الكثير من القضايا . وقد دفع هذا الخلاف حول الموضوع النفطي الكثير من المراقبين إلى القول ان السياسيين في لبنان ينطبق عليهم المثل القائل بأنهم اختلفوا على جلد الدب قبل اصطياده . بل إن البعض الآخر ذهب إلى حد القول بأن أمر الخلاف بين الساسة في لبنان أمر طبيعي جداً، كون هؤلاء يختلفون بالأصل على أمور أقل أهمية من موضوع ثروة نفطية مازالت في ضمير البحر، ومازال أمر الوصول إليها والاستفادة منها مسألة فيها نظر ودونها مصاعب جمة .

وفي كل الأحوال، يعكس هذا الخلاف حول هذا الموضوع، في الخفاء خلافاً متجدداً حول إدارة الملفات المالية والاقتصادية في البلاد بين الرئيسين بري والحريري، في ظل قراءة سياسية تقول إن بري سعى منذ بداية حكومة الرئيس الحريري إلى محاولة إرساء وتكريس نوع من التفاهم على إدارة الملفات والقضايا الأساسية في البلاد على غرار التفاهم الذي كان قائماً بين الرئيس بري والرئيس الشهيد رفيق الحريري، وهو التفاهم الذي كان إحدى سمات حكومات الرئيس الشهيد التي توالت منذ عام 1992 وحتى نهاية عام 2004 .

وطبعاً تتعدد القراءات في الأوساط المتابعة في بيروت حول الأسباب التي تحول دون تكرار هذه التجربة بين الرئيس نبيه بري والرئيس سعد الحريري . فمن قائل انها تحتاج إلى مزيد من الوقت وانه لابد ولاغنى عن الوصول إليها لكي يضمن الرئيس الحريري ظروفاً أفضل لحكومته ومسيرته الحكومية، إلى قائل بأن الظروف مختلفة والشخصيات والعقليات أيضاً، فيكون ذلك سنداً بالنسبة له يستنتج بأن محاولات بري على هذا الصعيد من الصعوبة بمكانة ان تجد نتيجة وشيكة لها .

ومهما يكن من أمر فالواضح أنه أمام استمرار التباين بين بري والحريري حول إدارة الملف النفطي ودور كل من مجلس النواب والوزراء في هذا المجال، نسمع صوتاً ثالثاً يدعو إلى حل رضائي يقوم على فكرة إنشاء هيئة مستقلة مهمتها إدارة الملف النفطي من ألفه إلى يائه على نحو عادل وشفاف، يضع نصب عينيه تأمين سياسة مالية عادلة تقوم على إطفاء ديون لبنان والتمهيد لإقرار الانماء المتوازن الذي تم تكريسه في اتفاق الطائف ومن ثم في الاستقرار الذي بني على أساس هذا الاتفاق .

وإذا كان ملف الثروة النفطية الموعودة قد فتح الباب واسعاً أمام ظهور تباين بين الرئاستين الثانية والثالثة، فإن موضوع ما صار يعرف بالحقوق المدنية والاجتماعية للاجئيين الفلسطينيين في لبنان والذي انفجر فجأة قبل نحو اسبوعين، ما برح يفعل فعله في الوسط السياسي اللبناني .

فالمعلوم أن هذه القضية أثيرت بعدما بادر النواب المحسوبون على رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط إلى تقديم مشروع اقتراح في مجلس النواب لإقرار الحقوق المدنية والاجتماعية التي تشرع للاجئين الموجودين في الأراضي اللبنانية منذ نكبة عام 1948 الاستفادة من كثير من الحقوق محظورة عليهم حالياً كمثل حق تملك شقق سكنية، وحق العمل في مهن معينة وحق الاستفادة من الضمان الصحي اللبناني .

والمعلوم أيضاً أن النواب المسيحيين في المجلس المنتمي عملياً إلى 8 و14 آذار عارضوا معاً هذا المشروع .

ولكن تداعيات المعارضة لم تبق في حدود مجلس النواب إذ اعادت فتح سجال كان في الاجتماع السياسي والطائفي اللبناني شاركت فيه مراجع روحية وسياسية، أعاد إلى أذهان الكثيرين صوراً من صور السجالات والتجاذبات إبان سنوات الحرب الأهلية وما بعدها وأثارت هواجس كامنة تتصل بالتوطين واختلال التوازن الطائفي والمذهبي لمصلحة المسلمين وما إلى ذلك من مواضيع .

وحيال ذلك انبرى الفلسطينيون في لبنان للتأكيد مجدداً على رفضهم التوطين، فيما اعتبرت القوى والأحزاب والتيارات الوطنية والإسلامية أن اقرار هذه الحقوق ومعالجة الاهمال الكبير اللاحق بالمخيمات الفلسطينية في لبنان هو أمر أساسي لابد منه لتأمين الاستقرار في لبنان ولضمان حق العودة للاجئين .

وذهب بعض المراجع إلى حد المطالبة بمقايضة بين إقرار الحقوق المدنية (فقط) للاجئين مع نزع السلاح الفلسطيني في داخل وخارج المخيمات والسماح للسلطة اللبنانية ببسط سلطتها على هذه المخيمات الخارجة وفق قولها عن أي سلطة .

وفي نهاية المطاف، بدا واضحاً أن هذا الملف، قد انضم إلى جملة ملفات في بيروت ستبقى حاضرة على الطاولة، من دون إيجاد حلول لها، ولكنها تبقى جزءاً من المواضيع الخلافية التي تطرح نفسها بقوة على المسرح السياسي اللبناني بين الحين والآخر .

وإذا كان البعض في لبنان قد أخذ استراحة بعد ان ظهرت مؤشرات تدل على ان باخرتي (مريم وناجي العلي) اللتين كانت قوى ومنظمات أهلية لبنانية تنوي تسييرهما نحو شاطئ غزة كجزء من الدعم اللبناني لقطاع غزة الذي تحاصره إسرائيل منذ أعوام ثلاثة وتضيق الخناق عليه، قد أرجئ اطلاقهما إلى أجل غير مسمى، مما بدد الأجواء المتشنجة والمتخوفة التي سادت لبنان خلال الأسبوع الماضي، فإن الواضح ان الحريصين في لبنان لإظهار الوجه المقاوم لإسرائيل والداعي إلى ابتداع واجتراح محطات المواجهة معها بشكل دائم بدأوا مواجهة جديدة معها في الآونة الأخيرة عنوانها ممارسة كل أشكال الضغوط لاستعادة وتحرير الجزء اللبناني المحتل من بلدة الغجر الحدودية .

فالمعلوم أن إسرائيل ما برحت تضع يدها على الجزء اللبناني من هذه البلاد المقسومة أصلاً، والمعلوم أيضاً أنه بين الفينة والأخرى تصدر عن الأمم المتحدة والقوى الدولية العاملة في الجنوب اشارات توحي وكأن إسرائيل في صدد الانسحاب من الجزء اللبناني من هذه البلدة، سيبادر الكثير من السياسيين اللبنانيين الذين يعولون دوماً على دور للمجتمع الدولي في حماية لبنان إلى التهليل لهذا الإنجاز الوشيك ولكن إسرائيل كانت تخيب دائماً كل هذه الرهانات . وعليه، فإن التحرك الشعبي الذي شرع به أمام هذه البلدة المحتلة (الغجر) يراد منه أولاً إحراج إسرائيل، وثانياً إظهار عجز المجتمع الدولي عن الوفاء بتعهداته خصوصاً اذا ما كانت تتصل بإسرائيل .