يسهب د . أحمد محمد بطي الشامسي في التفاصيل، ويستطرد في حكايات الماضي، بتفاصيلها الكبيرة والصغيرة، شوقاً، كما يبدو، لهذا الماضي، واعتزازاً بسيرته الشخصية والمهنية، فيما تبدو ذاكرة مدير منطقة رأس الخيمة التعليمية بالوكالة في مرحلة مبكرة من عمر دولة الاتحاد، والمستشار الثقافي في سفارة الإمارات في القاهرة منذ نهاية السبعينات حتى منتصف ثمانينات القرن الماضي، زاخرة بالذكريات والحوادث والتحولات، وهو من شغل مواقع قيادية مختلفة، ولعب دوراً مهماً في الميدان التربوي التعليمي في الإمارات لأعوام طويلة، وهو لا يتوانى عن ذكر مواقف وتسليط الضوء على تفاصيل في حياته، قد يراها البعض، "محرجة"، لكن زاوية نظره وتقييمه يختلفان، إدراكاً من الموجه الإداري للتعليم الخاص في منطقة رأس الخيمة التعليمية حالياً بأن "الفشل يصنع النجاح" .
* كيف تتحدث عن طفولتك؟
- نحن عائلة محمد بن عبيد البطي الشامسي، تعود جذورنا إلى الشارقة، وجدي لأمي يوسف محمد سمبيج، من عائلة تنقسم إلى فرعين، أحدهما سكن الشارقة، والآخر رأس الخيمة . انتقل والدي إلى رأس الخيمة العام ،1936 ولدت في السابع والعشرين من ديسمبر ،1949 بمنزل جدي لأمي، في فريج ميان بمدينة رأس الخيمة القديمة، حيث نشأت في منزل جدي لوالدتي، نظراً لعدم امتلاك والدي، رحمه الله، منزلاً في رأس الخيمة آنذاك، لقدومه قبلها من الشارقة، وفي ظل المعطيات الاقتصادية في تلك الحقبة، وقد عمل الوالد في البحرين صياداً للأسماك منذ 1955 حتى ،1961 بجانب عمله في حرفة صناعة "القراقير" التقليدية، وهي من وسائل صيد الأسماك والحرف التراثية في الإمارات ودول الخليج الأخرى .
تعليم شبه نظامي
التحقت أنا و"عيال الفريج"، بمدرسة شبه نظامية في رأس الخيمة آنذاك، كانت تقع في بيت راشد المفتول القديم، في فريج "هل علي"، وتحديداً في موقع سوق السمك الحالي برأس الخيمة، وهي مدرسة كانت تمزج بين التعليم التقليدي القديم، المعروف في الإمارات سابقاً ب"المطاوعة"، أو المعروف في دول عربية أخرى ب"الكتاتيب"، وبين التعليم النظامي في بداياته . كان يدرسنا فيها "معلمان"، هما المطوع الإماراتي سلطان بن حميد بن مطر، والمطوع الإماراتي عيسى النعيمي، والأخير حي يرزق، أطال الله، تعالى، في عمره، وهو ونظيره لهما فضل كبير علي وعلى زملائي ورفاق دربي، والوالد عيسى النعيمي يتمتع بأخلاق عالية، لدرجة أنه كلما التقينا أحاول تقبيل رأسه، لكنه يأبي، لشدة طيبته ودماثة أخلاقه، بل يحاول هو أن يقبل رأسي، رغم أنه المعلم وأنا تلميذه، فيما يتمتع بصحة وعافية رغم تقدمه في العمر، مزاولاً أنشطته بنفسه .
تربيت في بيت محافظ، تحت ظل والدي وجدي، رحمهما الله، من دون أن تتسم تلك التربية بالشدة والغلظة، كما كان يغلب على عائلات أخرى في تلك المرحلة، بينما تحضرني أجواء الغلظة والشدة في المدرسة، اللتين كان يتسم بهما المعلمون والإدارات المدرسية، لاسيما من قبل بعض الإخوة من المعلمين الوافدين، ظناً منهم أن ذلك هو السبيل الأمثل لتعليمنا وتربيتنا، ولهم دور كبير وفضل عظيم في تعليم وتربية أجيال متلاحقة من أبناء رأس الخيمة والإمارات الأخرى، لا خلاف على ذلك، ولكن شدتهم، من وجهة نظري، حولت المدارس في حينها إلى "مؤسسات عقابية" أكثر من كونها "تعليمية"، ما أدى لنفور شريحة من الطلبة في تلك الأيام، هاجرين المدارس، ليمتهن بعضهم أعمالاً خاصة، كصيد الأسماك والتجارة، والبعض الآخر غادر للعمل في الكويت .
سباق مع السماسرة
مارسنا في صبانا، بين 11 إلى 13 عاماً، أعمالاً وأنشطة نعاون بواسطتها ذوينا في توفير مصادر دخل إضافية للأسرة، وذلك خلال فترة الإجازة الصيفية، التي كانت تصل حينها إلى نحو 4 أشهر، وقد عملت مع الصبية من أبناء "الفريج" في شراء الأسماك وبيعها، وبما أن أهل رأس الخيمة كانوا ينتقلون من رأس الخيمة القديمة لقضاء الصيف في منطقة النخيل، عابرين مياه خور رأس الخيمة، كنا بدورنا، كصبية صغار، نترك النخيل، حيث يبقى ذوونا، متجهين إلى رأس الخيمة، غالباً بواسطة "العبرة"، وهي سفينة خشبية تقليدية وصغيرة، كانت تستخدم في نقل الأهالي بين ضفتي الخور، وأحياناً يتعسر توفر تلك السفن أو تتأخر، ما يدفعنا إلى قطع مياه الخور سباحة . وبعد وصولنا رأس الخيمة نبادر إلى السباحة في مياه البحر مسافة تتراوح بين 3 إلى 4 كيلومترات، لنصل إلى سفن الصيادين قبل وصولها "السيف"، أي ساحل البحر، لنسبق "السماسرة" والتجار والأهالي الآخرين، من الكبار، الذين ينتظرون السفن على الشاطىء، وبالتالي نبيع السمك لهؤلاء، لنجني أرباحاً زهيدة، بينما يخصص كل منا عدداً من تلك الأسماك للبيت والأسرة، في حين لو انتظرنا مع المترقبين للسفن على الساحل، لما استطعنا مجاراة الكبار ولبارت تجارتنا .
* أبناء جيلك ومن سبقوهم كانوا يجيدون السباحة، كيف ترى قدرات شباب اليوم في هذه المهارة والرياضة التراثية المرتبطة بموروث أبناء الإمارات؟
- للأسف، معظمهم اليوم يفتقر لمهارة أو رياضة السباحة، بل يخشون البحر وأهواله، خلافاً لآبائهم وأجدادهم، الذين كانوا يعيشون على شاطىء البحر مباشرة، ويعملون فيه، كما لو كان البحر داخلهم وهم في داخله، لدرجة أن بعض الصيادين المواطنين من الشباب اليوم لا يجيدون السباحة وحتى أبنائي أنفسهم لا يجيد منهم السباحة سوى اثنين، ولا أستطيع أن أحمل الآباء مسؤولية جهل أبنائنا اليوم ب"السباحة"، لأن طبيعة الحياة تغيرت كلياً، إذ كانت الحياة في الماضي تجبر الجميع على "مخاواة" البحر، أو اتخاذه صديقاً يخشى جانبه، لأنه "الجار" ومصدر الرزق ولقمة العيش، ويرتبط بتراث أبناء الإمارات ووجدانهم .
تعزيز مفهوم العصامية
* أين "الجامعة" في ذاكرتك؟
- قبل دخول الجامعة، تنقلت بين المراحل الابتدائية، المتوسطة "الإعدادية" لاحقاً والحلقة الثانية حالياً، حيث درست الابتدائية في مدرسة القاسمية، والمتوسطة في "الصديق"، والعام 1967 التحقت بالعمل في أبوظبي، وعمري حينها 17 عاماً، أميناً عاماً لمستودعات دائرة الكهرباء والماء، كما كانت تعرف، وذلك بالتزامن مع دراستي الثانوية، حيث التحقت بمركز جابر بن حيان لتعليم الكبار في العاصمة، لأعمل وأدرس في الوقت ذاته، بغية الاعتماد على النفس وتعزيز مفهوم العصامية في بناء الذات، وانسجاماً مع ما اعتدت عليه من العمل صغيراً .
بعد أن أنهيت الثانوية العامة في مركز جابر بن حيان بأبوظبي العام ،1974 التحقت بالعمل في وزارة التربية والتعليم في العشرين من أكتوبر من العام ذاته، بوظيفة مدرس منتدب إلى مكتب التعليم في رأس الخيمة، حيث عملت في إدارة المكتب، من دون أن أمارس مهنة التدريس، في منصب رئيس قسم الشؤون الإدارية، ثم التحقت بجامعة بيروت العربية في العام الجامعي 1974- ،1975 وعينت العام 1977 نائباً لمدير المكتب بالوكالة، الذي يعادل اليوم المنطقة التعليمية، ثم كلفت في يونيو العام 1979 بمنصب مدير منطقة رأس الخيمة التعليمية، وتخرجت في الجامعة في ذلك العام حاملاً درجة البكالوريوس في التاريخ، ثم في آب من العام ذاته رشحت للعمل مستشاراً ثقافياً في سفارة الإمارات في القاهرة، حيث عملت 6 أعوام، حتى عام ،1985 كنت أشرف خلالها في أحد الأعوام على نحو 350 طالباً، بينهم نحو 100 طالب إماراتي، والبقية من دول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية ودول شرق آسيا، ثم عدت إلى الإمارات مباشرة، لأرجع إلى العمل في وزارة التربية والتعليم والشباب، مديراً لإدارة تعليم الكبار في الوزارة، بمقريها في أبوظبي ودبي .
خلال عملي ملحقاً ثقافياً في القاهرة، سجلت في برنامج الماجستير بجامعة القاهرة في فبراير ،1985 وبعد عودتي إلى الدولة واصلت إعداد رسالة الماجستير في التاريخ، والتي تناولت فيها الصراع البرتغالي العثماني في شرق إفريقيا في القرن السادس عشر، حتى أنهيتها وناقشتها في الحادي والثلاثين من يناير ،1990 بعد 6 ساعات من المناقشة الحادة مع أعضاء لجنة مناقشة الرسالة، لأنال أخيراً الدرجة العلمية المنشودة في الجامعة ذاتها، وواصلت دراسة الدكتوراه في التاريخ الحديث، التي تمحورت رسالة البحث فيها حول الوجود الهندي في شرق إفريقيا البريطانية "كينيا" خلال الفترة من 1886 إلى ،1963 وحصلت على الدكتوراه في الثالث والعشرين من إبريل العام ،1996 بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف الأولى، وبين العامين 1999 و2003 شغلت منصب مدير إدارة التعليم المستمر في وزارة التربية والتعليم .
سمعنا أنك كنت من أوائل من اقتنى سيارة خاصة بين أبناء جيلك في رأس الخيمة؟
- نعم، هذا ما حدث العام ،1974 وكانت سيارة يابانية، من نوع "نيسان - سكاي لاين"، اشتريتها من الوكالة في أبوظبي، جديدة وغير مستعملة، بعد حصولي على الثانوية العامة مباشرة، وقيمتها حينها 12 ألف درهم، دفعتها نقداً من دخلي الخاص، مما ادخرته من راتبي الخاص بعد 7 أعوام من العمل .
احتجاز في مقر الحاكم
* حادثة لا يمحوها الزمن من ذاكرتك؟
- حين كنت في الصف الرابع الابتدائي بمدرسة القاسمية في رأس الخيمة، أمر المغفور له، بإذن الله، تعالى، الشيخ صقر بن محمد القاسمي، حاكم رأس الخيمة حينها، بحجزي مع 5 من زملائي الطلبة في المدرسة، داخل إحدى حجرات حصن رأس الخيمة، (متحف رأس الخيمة الوطني حالياً)، وحيث كان "الشيخ" نفسه يسكن ويتخذه مقراً للحكم، وذلك بسبب تغيبنا عن المدرسة بصورة متكررة، ولم يكن ذلك سوى بسبب ما نلاقيه آنذاك من شدة وقسوة المدرسين، الأمر، الذي كنا نهابه ويحملنا على النفور من المدرسة والإحجام عن الدراسة .
كان حجزنا بأمر من الشيخ صقر، وهي حادثة اشتهرت في رأس الخيمة وتداولها الأهالي طويلاً، لحرصه الكبير، رحمه الله، على تعليم أبناء رأس الخيمة، وهو ما عرف عنه بين أبناء الإمارة، الأمر الذي يتذكره المخضرمون من أهل رأس الخيمة جيداً، فيما ظهرت نتائج هذا الحرص وتلك السياسة لاحقاً من خلال ظهور جيل متعلم ومثقف من أبناء رأس الخيمة، تجلى لاحقاً عند إعلان الاتحاد، عبر مشاركة نسبة عالية جداً من أبناء رأس الخيمة في العمل ضمن المؤسسات الاتحادية الوليدة، داخل الإمارات وخارجها، بينهم عدد كبير ممن تولوا مناصب عليا وقيادية، ما يعود بشكل كبير إلى سياسة الشيخ صقر وحرصه على تعلم أبناء الإمارة، بنظرة مستقبلية ثاقبة .
وافق حجزنا بداية العشر الأواخر من شهر رمضان المبارك العام 1961 م، ما زاد من صعوبة وقسوة العقاب، لابتعادنا عن أسرنا في تلك الأيام الجميلة والمباركة، وكان "المطارزي" يصطحبنا صباح كل يوم من غرفة الحجز إلى مدرسة القاسمية، ويعود بنا إلى الغرفة ذاتها بعد انتهاء الدوام المدرسي ظهراً .
القصة انتهت بقرار الشيخ صقر إطلاقنا والسماح بعودتنا إلى بيوتنا، بعد 10 أيام من الحجز، كانت هي العشر الأواخر من رمضان، وجاء قرار الشيخ قبل عيد الفطر مباشرة، لإفساح المجال لنا لقضاء العيد مع أسرنا ومعايشة فرحته . والمفارقة أن معظم ممن حجزهم الشيخ صقر، تقلدوا لاحقاً مناصب عليا في الدولة، بعد أن تعلموا وكبروا، محتفظين بهذا الصنيع وهذا الجميل من القائد التاريخي والوطني الوفي، بعد أن كبروا وأدركوا قيمة سياسة الشيخ ومغزى عقابه لنا، رغم قسوة الحجز وصعوبة العقوبة حينها .
*هل تميز بين أبنائك؟
- يهب الله، عز وجل، بعض الأبناء حسن التصرف والتعامل مع آبائهم وأمهاتهم، مما ينعكس إيجاباً على شعور الأب والأم، اللذين يظهران مشاعرهما، إيجاباً، تجاه من يحسن التعامل والبر أكثر من أشقائه، مع وجوب حرص الأب على عدم التمييز بين الأبناء . وتاريخياً، تبقى قصة النبي يوسف، عليه السلام، ماثلة أمام عيوننا، لنستقي منها العظة، حول أهمية عدم التفريق بين الأبناء، في ضوء القصة الواردة في القرآن الكريم .
* هل يعاني مجتمعنا اليوم ظاهرة عقوق الوالدين؟
- للأسف الشديد هي ظاهرة مستشرية، والعياذ بالله، لأن متطلبات الحياة المعاصرة باتت كثيرة، ما يشكل عبئاً على الأبناء، يدفع شريحة من المتزوجين منهم إلى التنصل من حقوق آبائهم وأمهاتهم مادياً، لتلبية الطلبات المتزايدة من قبل الزوجة والأبناء، على حساب الوالدين، وهذه الفئة من شبابنا، تفتقر إلى الوازع الديني والتربية الأسرية والاجتماعية، التي عرف بها أبناء الإمارات عبر التاريخ .
علل الميدان التربوي
* كيف تشخص أهم علل الميدان التربوي اليوم؟
- علل الميدان التربوي في أيامنا كثيرة، من أبرزها أننا نسمع الكثير عن الخطط والبرامج لتطوير التعليم، بينما لا نلمس نتائج فعلية تذكر على أرض الواقع، لاسيما في حقل التحصيل العلمي ومعرفة الطالب وثقافته، إذ إن الخلل في منظومة التعليم الراهنة لدينا أنها تغرس في وعي الطالب وسلوكه أنه يتعلم من أجل النجاح في الامتحان والحصول على الدرجات الوقتية، ومن أجل الوظيفة والمكانة الاجتماعية مستقبلاً، لا من أجل العلم والمعرفة .
* من الإنسان صاحب الفضل الأول عليك؟
- والدي ووالدتي، بجانب رجل دمث الأخلاق، لا أنسى فضله أبداً، محب للخير ولا يبخل بما لديه من علم ومعرفة، هو الأخ العزيز، رفيق دربي في الحياة العملية، محمد عبدالله فارس .
* وما أسعد محطات العمر؟
- حصولي على جائزة "راشد" للتفوق العلمي العام ،1996 التي تسلمتها من يد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله .