كتبت:جيهان شعيب
تحفل ساحات المحاكم وحياة الأطراف التي تلتقي فيها بقصص تعكس في جانب منها الصراعات القديمة المتجددة بين الخير والشر، بين الطمع والقناعة، بين نفوس ترتوي بظلم الآخرين وأخرى تنفق شهوراً، وربما العمر كاملاً، بحثاً عن حق. في تفاصيل هذه الصراعات تحاول العدالة ما استطاعت أن تكون صاحبة الكلمة العليا لتستقيم الدنيا، وفي ثنايا المواجهات بين الأطراف المتخاصمة تتدفق المفاجآت والعبر.
وقفت أمام اللجنة الأسرية تروي أسباب طلبها الطلاق من زوجها الذي تعرفت إليه خلال فترة دراستهما في إحدى الجامعات الخارجية مقتنعة بوضعه الاجتماعي المتشابه معها، ومعجبة بشخصيته المرحة وطموحة ورغبته في تحقيق ذاته على المستوى المهني لاحقاً، وكان أن ارتبطا عاطفياً وقررا أن تتوحد خطاهما في مواصلة مسيرة حياتهما، واتفقا على أن يتقدم لأسرتها طالباً يدها، فتحقق لهما ذلك وقالت: لم أتخيل أن يأتي يوم أفكر فيه أن أنفصل عنه، فقد تزوجته عن اقتناع تام ووجدت فيه ما كنت أتمناه من صفات، وشعرت بأنه تملكني تماماً باهتمامه الكبير بي وحرصه على مشاعري ومراعاته لي وسعيه الدائم لإسعادي وتلبيته احتياجاتي من دون طلب مني، فبمجرد شعوره بأن هناك ما ينقصني كان يسارع إلى جلبه لي حتى وإن اضطر إلى الاقتراض أو الاستدانة من أصدقائه.
الحقيقة عشت معه أياماً جميلة عوضني فيها في البداية عن تأخر إنجابي بسبب مشكلة أعانيها وفقاً لتشخيص الأطباء، حيث لم يشعرني بالنقص، ولم يتطرق إلى إحساسه بالتشوق لوجود أطفال أو بحرمانه من الأبوة، وكان دائماً يدللني وكأنني طفلته لا زوجته، ورغم أن أسلوبه في ذلك كان يؤلمني لإحساسي بأنه ودونما وعي يريدني لديه طفلة، ولأن ذلك من الصعوبة نظراً لمرضي، فقد اعتبرني الابنة التي يتمناها، ورغم ضيقي وحزني من ذلك، رضخت لواقع الأمر حيث لم أجد لنفسي مخرجاً مما أعانيه صحياً.
وبمرور الوقت حاولت بمضاعفة الاهتمام بزوجي تعويضه عن الحرمان من الإنجاب، وتوفير الأجواء المريحة في بيتنا الصغير، والتفاني في طهي الأطعمة الشهية التي يحبها، والتفنن في تقديمها بصورة جاذبة، إلى جانب مبالغتي في اهتمامي بنفسي وملابسي ورائحتي، إلى درجة أصبحت معها أنفق معظم راتبي على شراء مستحضرات التجميل والثياب اللافتة حتى أصرفه عن النظر إلى غيري أو التفكير في الزواج من أخرى بدعوى أن يصبح لديه طفل يحمل اسمه وملامحه، ومع كل ما كنت أبذله لاحتوائه، بدأت تدريجياً ألاحظ تغير معاملته لي، حيث حل الجفاء محل الحنان، وصارت الخشونة بدلاً من التدليل، ولمحت أيضاً حزناً أضحى مقيماً في عينيه، ورويداً بدأت كلماته تقل معي رغم محاولاتي الدؤوبة والمستمرة للتحاور معه وفتح أحاديث مختلفة، وفجأة توقف تماماً عن التحدث معي، ولم أتلق منه رداً عن السبب في ذلك، وكأنه أصبح يعاقبني على مرضي الذي يحول دون إنجابي ما اضطرني إلى الاستعانة بأفراد أسرتي لمعرفة ما ينويه معي، وهل سينتهي به الأمر إلى تطليقي أم أنها أزمة نفسية مؤقتة يمر بها ستنتهي برضائه بما قدره الله سبحانه وتعالى لنا، إذ لا دخل لأي منا في الحرمان من الأطفال.
جاء رده على الجميع بقوله إنني أبالغ في كل ما أدعيه بشأنه، وإنه لا يفكر مطلقاً في الانفصال عني، وإنه لا يزال لديه أمل في أن أشفى من علتي وأنجب له الطفل الذي يتمناه، وظل يؤكد ما ذكره لهم، فتأملت خيراً، إلا أنني لم أجد منه سوى مزيد من النفور والابتعاد التام عني، كما لم يعد يتحدث معي بأية صورة، ووجدت نفسي وكأنني أعيش في صحراء جرداء، فصمته المطبق يكاد يخنقني وحزنه الدائم يفتت أعصابي ويشعرني بالنقص، كما أن رفضه المتواصل تطليقي يؤكد لي ما أشعر به من شفقة يشعر بها تجاهي، وهو ما أرفضه تماماً فلست بالعاجزة ولا أنا تلك الضعيفة البائسة اليائسة، فإذا كان قدري ألا أنجب، فذلك ليس بذنب يحاسبني عليه بصمته وجفائه وإهمالي.