القاهرة: «الخليج»
تستقبل «ورشة عزيز لصناعة العود» الكائنة في شارع حسن الأكبر وسط القاهرة، منذ ما يزيد على سبعة عقود، الفنانين من كل حدب وصوب؛ للحصول على احتياجاتهم من آلة العود المختلفة الأشكال والأنواع، بعدما تخصصت الورشة في صناعة العود الشرقي بدقة ومهارة وضعتاها في مصاف كبريات الورش التي تتولى إنتاج الآلات الموسيقية في مصر والمنطقة العربية، وعلى مدار عقود من الزمان احترفت عشرات من الورش التي كانت تنتشر في شارع محمد علي صناعة العود، وهو ما جعلها مقصداً لكثير من الفنانين وعازفي الموسيقى الذين كان يطلق عليهم فيما مضى «الآلاتية»، خاصة بعدما برزت أسماء عائلات احترفت تلك الصناعة، من بينها عائلات جورجي والجوهري وعزيز، وهي عائلات يعتبرها كثير من الموسيقيين في مصر أصل تلك المهنة.
يمثل هاني عزيز الجيل الثاني من عائلة عزيز، التي احترفت تلك الصناعة منذ ما يزيد على مئة عام، قبل أن ينتقل الجد الأكبر إلى تلك الورشة قبل نحو سبعين عاماً لتبدع أنامله مئات من الآلات الوترية، التي تراوحت بين العود الكلاسيكي، وبعض الآلات الوترية القديمة مثل «الهارب» الفرعوني، الذي يقول عنه هاني عزيز إنه «أبو الآلات الوترية في العالم».
منذ ما يزيد على ثلاثين عاماً وهاني عزيز يحرص على وجوده في ورشة عزيز لصناعة العود، مستقبلًا بابتسامة رقيقة عشرات الفنانين وطلاب الموسيقى الباحثين عن آلة العود وغيرها من الآلات الوترية الأخرى، بعدما حظيت الورشة على مدار عقود بالسمعة الطيبة والدقة في تلك الصناعة، التي يقول هاني إنه تعلمها وعمره لا يزيد على خمسة عشر عاماً على يد والده الذي لقنه أسرار وفنون تلك الصناعة الضاربة في القدم، ولا تقتصر صناعة العود - حسبما يقول هاني - على اختيار أنواع معينة من الأخشاب، ولا حتى دقة التشكيل، فالصانع يجب أن يعطي العود من روحه حتى يصدح بالألحان، وهو ما يميز صانعاً عن غيره في تلك الصناعة العتيقة، وتتنوع أنواع الأخشاب المستخدمة في صناعة العود ما بين خشب الزان والمجنة والبليساندر والأبانوس، والأخير هو الأغلى سعراً، لكن هاني عزيز يقول: لكل من هذه الأنواع شكل وملمس وصوت مختلف عن الآخر، حيث تتحكم نوعية الأخشاب المصنوع منها العود في دقة الأصوات الصادرة عنه، بل إنها في كثير من الأحيان وبحسب مهارة العازف تتحكم أيضاً في طبيعة النغمات الصادرة عن العود الذي يتكون من ثلاثة أجزاء رئيسية، هي القصعة والرقبة والواجهة، ثم مجموعة المفاتيح والأوتار، و«القصعة» هي المنطقة المجوفة من جسد العود، وتصنع غالباً من الخشب ويمكن تحليتها بعد ذلك بالصدف أوبقطع الأبانوس، وتتم صناعة «القصعة» بقطع من الخشب تأخذ شكل نصف الدائري بعد كيها على النار، لكنها تستلزم بعد ذلك أن توضع «القصعة» على «القالب» الذي يمنحها الشكل البيضاوي، وتلي تلك المرحلة عملية التنظيف بصنفرة الخشب للتخلص من أي نتوءات بارزة، ويلي ذلك تركيب «الرقبة» وهي القطعة التي تبدأ من«القصعة» وتنتهي إلى المفاتيح التي يتم تركيب الأوتار عليها قبل أن يدخل العود مرحلة الزخرفة، وهي المرحلة النهائية التي يصبح العود بعدها جاهزًا للعزف بعد تركيب الأوتار، التي تتراوح حسب خاماتها بين الألماني والمصري والأمريكي.
هاني عزيز يعرف تاريخ مهنته ويحفظها عن ظهر قلب وكيف بدأت يد الجوهري الذي كان مصرياً من أصول تركية شغل منصب رئيس قسم صناعة الآلات الموسيقية في مدرسة الصناعات الزخرفية قي بولاق، وتميزت أعواده بدقة زخارفها وعذوبة نغماتها، ويقول هاني عزيز: برعت مصر في صناعة العود، ما ساهم في ظهور كوكبة من ألمع نجوم التلحين في بدايات القرن الماضي من أشهرهم القصبجي ورياض السنباطي الذي كان بارعاً في العزف على العود، وفريد الأطرش الذي صنع له «جورجي» العود الذي غنى على أوتاره أغنيته الشهيرة «الربيع»، وقد استغرقت صناعة هذا العود نحو ستة أشهر، ومن فرط إعجاب فريد الأطرش بالعود ودقة صنعته، أهدى جميل جورجي ساعة مرصعة بالذهب.