تعيش المجتمعات الإسلامية حالة مأساوية حقيقية في ظل انتشار مشاهد العري والإباحية في الأعمال الفنية التي تعرض على الفضائيات وعلى شاشات السينما، والغريب أن هذه المشاهد المقززة تجد من يدافع عنها بشكل مثير للدهشة لدرجة أن أحد المخرجين المشهور عنه ميله للجنس في أفلامه دافع عن مشهد اغتصاب بطلة أحد أفلامه مشبهاً اغتصاب البطلة باحتلال بغداد، ولا أحد يعرف كيف شبه المخرج المزعوم بين الأمرين، أم هي كانت محاولة للخروج من المأزق الذي وضع نفسه فيه؟ ولنا أن نتخيل تداعيات انتشار مثل هذه المشاهد ومثل تلك اللغة على النشء والشباب، بل وعلى المجتمع كله، ولم يتوقف الأمر

عند هذا الحد فقبل سنوات وأثناء عرض مسلسل تركي اعتادت إحدى الأسر العربية متابعته، أبدت الزوجة استياءها من طريقة تعامل زوجها معها مقارنة بما تشاهد من رومانسية في التعامل من جانب بطل المسلسل ما يجعل عينيها لا تفارقان الشاشة ولو لثانية واحدة، وانزعج الرجل مما قالته زوجته وثار ونطق بيمين الطلاق وطردها إلى بيت أهلها، وهذا ما يطرح السؤال المهم وهو: ما تداعيات انتشار العري والإباحية والثقافة الغربية في الأعمال الدرامية؟ وكيف يواجه المسلمون انتشار الأعمال الفنية الهابطة؟ الخليج طرحت السؤال على عدد من العلماء وخبراء الإعلام والاجتماع والتربية والإجابة في التحقيق التالي:

في البداية تقول الدكتورة نجوى الفوال أستاذة علم الاجتماع بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية: المتابع لما يعرض على شاشة السينما والتلفزيون في الفترة الأخيرة سيلاحظ بالفعل أن هناك دراما فنية لا تناسب القيم والتقاليد والعادات التي تربى عليها المسلمون، مثل انتشار مشاهد العري والاغتصاب وممارسة الفحشاء بمشاهد تحاكي إلى حد كبير ما يحدث في الغرف المغلقة بين الزوج وزوجته . وبلا أدنى شك فإن مثل هذه المشاهد لها خطورتها الكبيرة على المجتمع المسلم المحافظ بطبعه، فعرض دراما فنية تعتمد على العري والجنس حتى لو كان بهدف تسليط الضوء على مشكلات المجتمع كما يزعم صانعوها لا يؤدي إلا إلى إذابة التماسك الديني للقطاعات العريضة، كما يؤدي إلى نشر عادات وتقاليد وأنماط سلوك متغربة على أوسع نطاق من خلال الإذاعة والتلفزيون والسينما والمسرح والفيديو .

أنماط غريبة

وتستطرد د . الفوال: حقيقة أن الدراما الفنية التي تعرض اليوم بالإضافة إلى ما تبثه الفضائيات من أغنيات مصورة حافلة بمشاهد العري تؤدي إلى بث أنماط أخلاقية مستوردة وغريبة عن واقعنا العربي والإسلامي، كما يضم أغلبها أفكاراً تتسم بالتفاهة والسطحية وتهدف إلى المتعة والترفيه فقط، كما تؤدي إلى حدوث نوع من الاغتراب للشخصية العربية وتسطيح وعي المشاهد، وتتسبب في نوع من البلبلة الفكرية وإلى الخلط بين الحلال والحرام والصواب والخطأ، والأخلاق الحميدة والرذيلة، وأصبح الجمهور العربي يتأرجح بين التضارب الفكري والأخلاقي والسلوكي مع غياب وعي هذا الجمهور بالكثير من السلوكيات والقيم الإيجابية للأسرة عامة والمرأة والرجل بشكل خاص، ومع عدم استعداده لتلقي ما تبثه الفضائيات وفرزه ومعرفة كيفية التحصن ضده . وقد انعكس كل ذلك على العلاقات الأسرية والزوجية، وأصبح الأزواج والزوجات يتخبطون بين ما يعرفونه وبين ما هو قادم من الفضائيات، كما يتخبطون بين خبراتهم الخاصة وبين رؤيتهم للرجل والمرأة على الشاشة، وبين ما يشاهدونه من نساء يغالين في الحركات الأنثوية، وتبادل الألفاظ والمشاهد الجنسية والعاطفية، وبين ثقافتهم الجنسية الموروثة التي تختلف وتتصادم مع ما يشاهدونه .

وفي خضم المشكلات اليومية التي يعاني منها الزوجان، وكثرة الأعباء الأسرية وصراعات العمل وضغوط الحياة، يزداد بالطبع عمق واتساع الفجوة بين الزوجين وتزيد الخلافات الزوجية وتكون هذه هي مقدمة للانفصال، والدراسات والأبحاث الاجتماعية تؤكد أن نسبة كبيرة من حالات الطلاق التي تحدث اليوم تحدث بسبب ما تبثه فضائياتنا من عري وإسفاف .

من هذا المنطلق تقول د . الفوال يجب أن يدرك القائمون على أجهزة الإعلام أن الفنون يمكنها أن تفعل ما لا تفعله المدارس في أن تكون وسيلة لبث القيم الأخلاقية السامية في المجتمع لأن السينما هي لغة الفن الأسهل إدراكا والأقوى حجة للإقناع .

"المتنورون الجدد"

ويرى الدكتور عبدالغني عبود أستاذ التربية بجامعة عين شمس أن انتشار الفن الهابط عبر وسائل الإعلام يؤكد حالة الفساد التي وصلت إليها المجتمعات العربية كلها من دون استثناء، بعد أن سيطرت على الساحة الفنية في بلداننا مجموعة ممن يطلقون على أنفسهم المتنورين الجدد الذين نجحوا في وصم كل من يعارض أفكارهم الإباحية بالرجعية والتطرف والميل تجاه الأفكار المتطرفة، وهكذا أصبح الكثيرون يرفضون نقد تلك الأعمال التي تكرس لنشر الفوضى الجنسية في مجتمعاتنا، ولعل أبرز دليل على سيطرة هؤلاء على فضائنا الإعلامي وعلى شاشات السينما والمسرح والتلفزيون أن إحدى المخرجات طالبت مؤخراً من خلال برنامج جماهيري بترخيص الدعارة، وعندما علت بعض الأصوات تنتقد مثل ذلك التوجه كان الاتهام جاهزاً لأصحاب تلك الأصوات بأنهم يشجعون على نشر العنف والتطرف والإرهاب .

والمؤسف أن الفساد قد طال كل شيء، لدرجة أن المؤسسات الدينية أصبحت غير قادرة على التصدي لهذا الطوفان غير الأخلاقي الذي يحيط بنا من كل اتجاه، وصناع الدراما ومستوردوها يزعمون أن عرض المشكلات بذلك الشكل الفاضح إنما هو محاولة لطرح المشكلة والعلاج، ولكن الحقيقة غير ذلك فهم يستهدفون فقط ابتزاز مشاعر المشاهدين وأموالهم، وقد تتضمن أعمالهم عرضاً لبعض المشكلات ولكن هذا لا يبرر عرض المشكلات بشكل مقزز كما نشاهد في الأفلام بل والمسلسلات، لأن عرض هذة المشكلات بهذ الشكل من الممكن أن يعظمها ويكبرها، وللأسف الشديد فإن المنتج والمخرج وأيضاً الممثلين كلهم يعرفون أن الأغلبية العظمى من مشاهدي هذه الأفلام من الشباب والمراهقين، مع العلم أنه من الممكن أن تكون هناك لافتة مكتوب عليها للكبار فقط، وبالتالي يصبح الهدف هو تدمير هذه الفئة الغائب عنها الوعي الديني، فمثلاً حين يعرض فيلم مشهداً عن الشذوذ، فما القيمة التي تعود من مشاهدة مثل هذا المشهد؟ وما الهدف من عرض الألفاظ المتدنية التي انتشرت في الدراما العربية اليوم؟ ولماذا لا نرتقي بأسلوب الناس وبألفاظهم؟ فمن الغريب أن هذه اللغة المكروهة لدى الجميع لم تنتشر بهذا الشكل الكبير الا بعد ان بدأ عرضها على شاشات السينما والتلفزيون .

وحول كيفية مواجهة تلك المشكلة يقول د . عبود: إن مواجهة الفساد في شتى نواحي الحياة مطلوب فأينما حل الفساد حلت المصائب، ولعل المؤسسات الدينية تفيق من غفوتها لمواجهة تلك الحملة الضارية التي يتعرض لها المجتمع، كما أن على الأسرة أن تستعيد دورها التربوي الذي تخلت عنه طواعية منذ فترة طويلة، والأسرة إذا عادت متماسكة فسوف تستعيد دورها التربوي فيجب أن يعلم الأب ماذا يشاهد أبناؤه، وعليه أن يربيهم على العفة وغض البص كقيم إسلامية إنسانية قادرة على بث الفضيلة ونشرها، كما يجب على كل من يعمل في مجال الإعلام والدراما أياً كان نوعها أن يتقي الله في مجتمعاتنا .

تصدير الإباحية

من جانبها تقول الدكتورة ماجي الحلواني العميد الأسبق لكلية الإعلام بجامعة القاهرة: للأسف الشديد فقد أصبح الإعلام المسؤول الأول عن تصدير الإباحية بدلاً من أن يكون المسؤول عن نشر الفضيلة، وبصفة عامة فإن ثقافة التعري انعكاس لانحلال المجتمع وانهيار قيمه، فنحن نحاول أن ننزع جلدنا ونلبس جلداً غربياً ولا أعرف ما هو الهدف من ذلك؟ فنحن نلحظ اليوم مدى تقليد شريحة كبيرة من الشباب لكل ما يرونه على الفضائيات، ولهذا فإن كل من يعمل في السينما وفي المسرح وكل من له علاقة بالوسط الفني عليه أن يراعي ضميره ويستيقظ مما يفعله في مجتمعه، فلابد من أن يحجم كل هؤلاء عن التباري في خرق تقاليد مجتمعاتهم بحجة التجديد والتطوير الذي لا نرفضه، بشرط أن يكون ملتزماً بالقيم الإسلامية، والإعلام بشتى وسائله لا بد من أن يأخذ ما يتفق مع مصالح أبنائنا ويمنع ما يدمرهم خاصة في ظل عجز الأسر حيال رغبتها في غرس قيم لدى أبنائها وواقع إباحي يحيط بهم حتى في أبسط وأحب أنواع الفنون إليهم .

للأسف الشديد فإن الفن في هذه الحقبة لا يعبر عن شيء سوى فقدنا لهويتنا وقيمنا، وأقول للشباب احترسوا منه وكفانا الله شر العاريات . وعلى الأسر أن تحارب في سبيل غرس المبادئ الدينية في أولادها حتى ينفروا تلقائيا مما يشاهدونه إجبارياً من فن هابط وإباحية لا يبررها عاقل، وأعود فأؤكد أن على الإعلام أن يحجب كل هذه السخافات عن الأسرة، والفن الذي يقدم حالياً إذا وجد أنه تحول لبضاعة كاسدة فقد يعود نجومه إلى صوابهم، كما يجب أن يتم تفعيل أجهزة الرقابة على ما يعرض على الجماهير ولابد من أن نعرف أن دولا غربية عديدة قررت تقوية أجهزتها الرقابية من أجل تقليل حدة الإباحية في الدراما التي تعرض على أفراد الأسرة، وبالتالي فلن يستطيع أحد اتهامنا بالرجعية والتخلف إذا دعمنا أجهزة الرقابة الفنية من أجل استعادة قيمنا وأخلاقياتنا .

صورة المتدينين

وعن رأي الشرع في هذه القضية يقول الدكتور محمد الدسوقي أستاذ الشريعة بجامعة القاهرة: يستطيع الفن أن يؤدي دوراً مهماً في بناء المجتمع ونشر قيم العدل والمساواة وحب الخير في حال استوعب أهل الفن تلك القيم، لا أن يكون حب الشهرة وشهوة المال هما المسيطران عليهم، وليعلموا أن من يشيعون الفاحشة يتوعدهم الله بالعذاب يوم القيامة كما في قوله تعالى: إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة .

وللأسف فإن الثقافة الغربية الرديئة هي المسيطرة على صناع السينما والمسرح والتلفزيون، والدليل على ذلك انتشار مشاهد الجنس والشذوذ في العديد من الأعمال الدرامية، وهو ما يهدد بفتح الباب أمام الرذيلة والفساد الأخلاقي وإثارة الغرائز، وإذا كنا نرغب في التخلص من العديد من السلبيات التي غزت المجتمع مؤخراً، فيجب أن يحرص القائمون على العمل الإعلامي والفني على أن تكون أعمالهم الفنية انعكاساً لشمول العقيدة وتكامل البناء الاجتماعي بدءاً من أبسط أمور الحياة بما فيها من الطرفة والفكاهة وحتى أدق المسائل الجادة، بحيث يكون العمل الدرامي إسلامي الهوى سواء كان جاداً أو كوميدياً أو حتى في الإعلانات بحيث يحتوي العمل الدرامي الترويح والترفيه بالمنطق الإسلامي، وهناك العديد من الأعمال الدرامية القديمة كانت تحتوي على قيم إسلامية أصيلة وفيها دعوة للإسلام بطريقة جيدة .

وهناك ملاحظة أخرى تؤخذ على الأعمال الفنية في الفترة الأخيرة، حيث تقدم المسلم المتدين بصورة مشوهة للغاية وسطحية، فهو إما شخص مثير للسخرية أو للخوف، ففي معظم الأعمال الفنية الحديثة يظهر المتدين على أنه ابن طبقة متدنية وهارب من الفقر والبطالة يلجأ إلى الدين كنوع من المخدر، أو هو إنسان جاهل ليس عنده علم أو مؤهل، ومعنى ذلك أن هذا المتدين إذا تعلم أو تثقف فسوف يترك الدين، وإذا وجد فرصة عمل أو اغتنى فسوف يترك الدين أيضاً، ولنا أن نتخيل تأثير هذه الأعمال في النشء والشباب العربي .

كما أن الجمهور باعتباره الممول الرئيسي للأعمال الفنية بإمكانه أن يكون مؤثراً من خلال تشجيع الأعمال الهادفة وذلك بالترويج لتلك الأعمال عبر البريد الإلكتروني ورسائل الجوال والهاتف والإقبال عليها، كما يستطيع أن يرفض الأعمال غير الهادفة ويقاطعها وبالتالي تخسر تلك الأعمال ومن ثم يضطر المنتجون إلى عدم إنتاج مثيلتها في المستقبل .

الإسلام والفن

يقول الدكتور محمد رأفت عثمان عضو مجمع البحوث الإسلامية وأستاذ الشريعة بجامعة الأزهر: أولاً فإن الإسلام كدين ليس ضد الفن والإبداع على اعتبار أنهما وسيلتان متميزتان لتوصيل الرسالة ونشر الذوق ورفع مستوى الأخلاق بين أفراد المجتمع، بالإضافة إلى تعميق المفاهيم الوطنية والقضاء على السلبيات التي قد تنتشر في المجتمع، ولكن من الواضح اليوم أن هناك تياراً جديداً يحاول السيطرة على السينما بحيث تُستخدَم لنشر الرذيلة والفحشاء بزعم أنهم يعرضون للظواهر التي تنتشر في المجتمع ويحذرون منها، وأوجه سؤالاً لهؤلاء: ما الذي يفيد المجتمع من عرض مشهد اغتصاب مقزز على شاشة السينما؟ فالسينما وسيلة جديدة يجب أن يستفاد منها في تربية النشء وترسيخ كل ما هو صالح .

ويضيف د . رأفت عثمان: مسؤولية مواجهة الأعمال الفنية الهابطة التي انتشرت في الفترة الأخيرة لا تقع على عاتق جهة واحدة لكن على كثير من الأطراف، منها الأسرة التي تعتبر المسؤول الأول عن حماية كل أفرادها من هذه الأعمال من خلال توجيه ونصح الأبناء والتزام الآباء بعدم مشاهدتها، فنحن كثيرا ما نرى آباء يمنعون أبناءهم من مشاهدة فيلم في الوقت الذي يذهبون فيه لمشاهدته، ولا شك في أن عدم مشاهدة الأعمال الهابطة يعطي رسالة قوية للأبناء ويمثل قدوة حسنة لأبنائهم ويشكل أرقى أنواع التوعية .

وبالإضافة إلى دور الأسرة هناك أيضا دور التوعية الدينية فيجب على الأسرة والمدرسة والمسجد أن يتعاونوا من أجل توضيح ما يوجبه الدين علينا من التمسك بالأخلاق الفاضلة، كما أن على الدولة مسؤولية كبيرة أيضاً في منع عرض الأعمال الدرامية التي تحتوي على مشاهد تتعارض وأحكام شريعتنا الإسلامية حتى نمنع العادات والتقاليد البالية من الدخول إلى مجتمعنا، ويجب على القائمين على تنفيذ وإخراج وتمثيل مثل هذه الأعمال الهادمة للقيم أن يدركوا أنهم يرتكبون إثماً عظيماً، والواقع يتطلب أن تتم محاكمة الذين يجيزون النصوص الهابطة والذين يقومون بتمثيلها وعرضها على الناس، بل وحتى المشاهد الذي يشتري تذاكر تلك الأفلام آثم ويستحق العقاب في الآخرة، ونحن لا نريد أن نبدو متعصبين ونطالب بعرض الأعمال الفنية على مجمع البحوث الإسلامية لأن ذلك قد يفتح الباب لانتقادات عديدة توجه للأزهر وللمؤسسات الدينية .

وفي النهاية، فنحن نناشد الفنانين أن يتقوا الله لأنهم يستطيعون من خلال ما يقدمونه من أعمال درامية منضبطة أن يستنهضوا همم الشعوب، ويحيوا فيها الإحساس بأهمية الرفض للظواهر السلبية ويشجعوا الظواهر الإيجابية .