في التعريف اليوناني لمفردة الاستبداد يجيء أنها السلطة الواحدة والمطلقة التي لا تراعي أو تخضع لأي قانون أو قاعدة . وللفظة (الاستبداد) في التراث العربي كثير من المترادفات التي تحيل على التعسف والتحيز لوجهة نظر واحدة، وطالما كان الاستبداد هو صنيعة الأقوى الذي يمارس وسائل متعددة ضد منطق العقل، والاستبداد هو بمنزلة سلطة قامعة تخنق الآخر وتصادر رأيه، وتمنع عنه حرية التعبير والمشاركة، وبالتالي فإن الاستبداد كمفردة، هو صورة من صور الامتهان لكل القيم الأخلاقية والجمالية التي هي حق من حقوق الناس، وتعبير عن حيواتهم، بكل ما تمثل من حلم وانتصار للقيم على اختلاف تنوعها ومصادرها .
الثقافة العربية بدورها عانت من تكريس أنواع لا حصر لها من أشكال المصادرة والمنع، وإذا كانت البنية الاجتماعية والسياسية في أكثر من مكان قد رسخت لمفهوم الرأي الأوحد، غير القابل للنقاش، فإن الصياغة الواحدة والفريدة لمثل هذه البنية، إنما تتوافق وتأتلف مع تفسير واحد لا يقبل القسمة على اثنين، تفسير يحيل على الديكتاتورية التي طالت الفن والأدب، بمثل ما تغولت ضد أبسط الأشياء التي تتنافى مع أصول الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان .
الثقافة العربية في أشكالها المتعددة من شعر وقصة ورواية ومسرح وتشكيل وسينما وغيرها من أشكال الإبداع الإنساني، تعرضت للمصادرة والتهميش لعقود طويلة، وقد أسهم بعض المثقفين العرب أنفسهم مع الأسف بتبعيتهم المطلقة للحاكم المستبد، وهؤلاء أسهموا في إطالة أمد السلطة الثقافية القامعة، يكفي أن نذكر أن أشكال التواطؤ التي مارسها هؤلاء، كانت قد هرست في طريقها الكثير من الأحلام البسيطة للشعراء والروائيين والفنانين المبدعين على اختلاف توجهاتهم الفكرية والإنسانية، وربما يذكر التاريخ العربي الكثير من القصص التي دفع كتاب ومفكرون محايدون ونزيهون حياتهم مقابل تمسكهم بالمبادئ التي تربوا عليها، وإذا كان السياق الذي (نمذج) الثقافة العربية عبر تاريخها الطويل قد أسهم في تردي الأدب والفنون في البلدان القامعة إياها، فإن أبسط ما يمكن استنتاجه من هذه الفترات الزمنية التي لاتزال، أنها تسابق الزمن لاستمرار بقائها لخطف أحلام الناس والمهمشين والبسطاء في أكثر من بلد عربي .
* الناقد الدكتور يسري عبدالله أستاذ الأدب في جامعة حلوان، قال: ربما لم يتناول الأدب العربي نموذج الدكتاتور بالكم الذي يعبر عن واقع الحال العربي، خاصة أن لدينا ميراثاً استبدادياً قوياً داخل الحياة العربية، وربما يعود هذا الأمر إلى القمع الذي مارسته الأنظمة المستبدة، فضلاً عن الدور القذر الذي لعبته الرقابة في تكميم الأفواه والكتابات معاً؛ وإن كانت ثمة نصوص استطاعت أن تخترق هذا الحاجز من بينها النص الذي قدمه الأديب النوبي الراحل إدريس علي بعنوان الزعيم يحلق شعره والتي تناول فيها صورة القذافي الطاغية، كما يوجد تعاط لهذا الأمر في نصوص أخرى مست صورة الدكتاتور بصيغة غير مباشرة، كما رأينا في رواية خالد إسماعيل 26 إبريل والتي تناول فيها أيضاً جانباً من جوانب الطغيان الذي مارسه القذافي في ليبيا . وأكمل: إن صورة الدكتاتور قد تتخذ صيغاً مختلفة في الطرح الروائي من بينها أن يشار إليها بالسلطة القامعة، كما رأينا في روايات عديدة لمحمد البساطي من بينها رواية أسوار؛ إن كل النصوص التي استطاعت أن تدين الوضعيات الأبوية والسلطوية والبنى الاجتماعية والسياسية الفاسدة القديمة، هي في واقع الأمر تمثل رصداً غير مباشر لنماذج الدكتاتورية العربية بصورها المختلفة، وهذا ما يمكن لنا أن نتلمسه في الأدب المصري والعربي بتنويعاته المختلفة وأجياله المتعاقبة، خاصة عند كل كتابة أدبية تنطلق من أن الأدب هو محاولة لتحرير الوعي الإنساني من القيود والأغلال التي تكبله .
وحول ما إذا كان تجنب الوصف المباشر للدكتاتور واللجوء إلى الرموز والإشارات غير المباشرة في التعبير عن ظلمه وقهره يمثلان تنازلا من جانب المبدع، قال عبدالله: القيم الجمالية الموجودة في النص هي المعيار الحقيقي للنظر إلى النص، وكلما انتصر الأدب للجمالي، وانحاز إلى الجدارة الإنسانية وكرامته كان أكثر وصولاً وأكثر نفاذاً للمتلقي .
* الدكتور محمد بدوي، أستاذ النقد الأدبي، علّق على مسألة تناول الأدب المعاصر لصورة الدكتاتور بقوله: الدكتاتور لم يكتب عنه أو عن تسلطه، كما لم يكتب عن الدكتاتور بكل أشكاله بالصورة التي تساوي وجود الظاهرة في الواقع العربي، ففي ثقافتنا العربية عندنا صورة واضحة، لها ملامحها وسماتها، وهي مستمرة، كما أنها في العصر الحديث أصبح يضاف لها كل الخبرات الدكتاتورية الحديثة التي نراها في الأحداث الدائرة في البلدان العربية الشقيقة .
وتابع: لم تكتب قصة أو رواية بالصورة المناسبة، وإن كانت عندنا محاولة لصياغة صورة شعرية عن الدكتاتور وهي أرقى محاولة، كانت تلك التي قام بها الشاعر الكبير الراحل صلاح عبدالصبور في مسرحية مسافر الليل التي تعرض توالي التغيرات في شخصية البطل على نحو يتحول فيه سائق القطار إلى دكتاتور، والحق أن قضية الدكتاتور وصورته كانت تؤرق صلاح عبدالصبور للغاية، فاهتم بها في مسرحيته هذه، وبعض قصائده الأخرى؛ وهناك رواية مجنون الحكم ل بنسالم حميش وزير الثقافة المغربي، عن الحاكم بأمر الله كتبها من موقع معاد للدكتاتور، واختار نموذج الحاكم بأمر الله كمجنون للحكم، وهذان النصان فقط المهمان اللذان كتبا عن الدكتاتور .
وحول تفسيره لتراجع اهتمام الأدباء والشعراء العرب عن معالجة وتناول صورة الدكتاتور في أعمالهم قال بدوي: هذا يعني أن اهتمام الأدباء العرب بالحرية ضعيف، وهذا يقودنا إلى مشكلة الهوية، التي لم يتم حسمها بعد، واتضح أنها أهم من مشكلة الحرية، وهذا هو السبب الرئيسي في الإشكالية .
وتابع: البعض يرى أن القضية الأساسية الآن ليست الديمقراطية، وإنما هي القضية الاجتماعية، أو تحرير فلسطين، ولطالما كانت المشكلة تدور في هذا الفلك، وما حدث أن القضية الفلسطينية لم تنته، بل ازدادت تعقيداً، ولم تتحقق العدالة، ورأينا مجرد أيديولوجيات لتبرير الحكم المطلق، ولم تزل الإشكالية تحكم العقل العربي بمن فيهم الكتاب والأدباء أيهم أولاً، القضية الاجتماعية أم الحرية أم تحرير فلسطين، وليس لأحدهم أولوية على الآخر؟
وقال: على النقيض نجد في أدب أمريكا اللاتينية مكتبة كاملة وغنية جداً من الأعمال التي كتبت عن الدكتاتور وتناولته من جميع الجوانب، كرواية غابريال غارسيا ماركيز سيدي الرئيس، وغيره كثيرون، فكل كتّاب أمريكا اللاتينية مشغولون بقضية الدكتاتور، بينما نحن لم تكتب عندنا رواية الدكتاتور بعد .
* الروائي إبراهيم عبدالمجيد قال: لم أر في الأدب العربي، والمصري، من الأعمال التي قرأتها حتى اليوم عملاً يتناول الدكتاتور، وقد يرجع هذا لانشغال الأدباء بالحياة أكثر من الدكتاتور، وقد يكون هذا راجعاً إلى فهم الأدباء لطبيعة وصفات الدكتاتور، وحيرتهم حول ارتباط الدكتاتور بالانقلابات العسكرية أم لا، ولعل أكثرهم لا يود الحديث عن الحكام الدكتاتوريين في أعماله لأن سيرتهم سيئة .
وتابع: في أعمالي لم أتعمد تقديم صورة الدكتاتور، ولا أعد هذا تقصيراً مني، وإن كنت في روايتي برج العذراء، قد خصصت فصلاً عن الدكتاتوريين، حيث يحلم بطل الرواية بأنه يرى الدكتاتوريين في العالم الآخر، وذلك في إطار فانتازي .
* وقال الكاتب اللبناني أمين الباشا إن الأنظمة التي سادت خلال الستة عقود الماضية، اربكت أفكار وأقلام وأحلام الكتّاب من روائيين وقصاصين والشعراء باستثناء بعض المحاولات التي أقدم عليها قلة من المتنورين العرب أمثال الكواكبي، ومحمد عبده في مصر، وجبران خليل جبران، وأمين الريحاني في لبنان، وبعض الشعراء أمثال محمود درويش، ونجيب سرور، وأدونيس، ومحمد الماغوط، لكن أياً من هؤلاء الكتّاب والمفكرين والشعراء لم يشر مباشرة إلى الدكتاتور العربي، ويلفت الباشا إلى صورة الطاغية، كما تناوله أدب أمريكا اللاتينية وهي التي سبقت أن عانت شعوبها ما تعانيه الشعوب العربية اليوم، ويشير إلى روايات عظيمة مثل السيد الرئيس لميغل انخيل استورياس، ومائة عام من العزلة لغابريل غارسيا ماركيز التي تصور عبور أمريكا اللاتينية بعد قرن من الدكتاتوريات إلى الديمقراطيات، كذلك ماركيز في روايته الرائعة الجنرال في متاهته صور فيها نموذجاً فريداً من الطغاة وأقدارهم العجيبة .
وقد لا يكون للمسرحي العراقي جواد الأسدي أديباً بالمعنى المتداول في المفهوم الكلاسيكي، لكن في ما كتبه وعرضه مسرحياً، أكان بقلمه الخاص، أم من خلال انتقائه لنصوص من الأدب العربية والعالمية، يرمز بطريقته الخاصة، الأحرى يمرر الكثير من اللكمات والاتهامات للطغاة في السنوات الخمسين الأخيرة .
ويلفت إلى كتاب طبائع الاستبداد للمفكر العربي الكبير عبدالرحمن الكواكبي، فهو أهم كتاب عربي شخص ظاهرة الدكتاتور في محاولة لانقاذ العرب من هذا السيد البغيض وبما يمكنهم الانتقال من عصر الظلمات إلى عصر التنوير، لافتاً إلى أن الأعمال الفنية التي صورت الطاغية وأهواءه في المسرح والسينما العربيين قدمت كاريكاتيراً لهذه الشخصية العجيبة المركبة المتعددة السطوح والأعماق، ولم تسع إلى تقديم الطاغية بوجوهه المتعددة . ويعيد الأسدي أسباب هذا الخواء إلى القيود التي تفرض على الأعمال الأدبية والإبداعية منذ التفكير في عمليات الانتاج، والمحظورات السياسية والدينية والاجتماعية التي تشعره هذه الأعمال وتجعلها مسوخاً أدبية ومشهدية إذا جاز التعبير . خصوصاً ان المبدع يلجأ في هذه الحال إلى الرمز والمواربة في التعبير، كل ذلك أفقر الأدب والثقافة العربيين، وحرمنا من أعمال كبيرة حققها أدباء أمريكا اللاتينية التي عانت قمع وظلم دكتاتورييها طيلة مئة عام، حتى هبت وكسرت حاجز الخوف، فكتبت ورسمت وأبدعت مسرحاً وسينما تصور الطغاة وما آلوا إليه .
ويكتب الباحث السياسي والناقد جان داية عن صورة الدكتاتور انطلاقاً من تجربة شخصية لو كنت بصدد كتابة سيناريو لمسرحية بعنوان المستبد غير العادل والمؤلفة من فصل واحد، كما هي حال المسرحيات التي كتبها جبران خليل جبران، لما احتجت إلى اختراع أحداثها وشخصياتها . ذلك أن المسرحية واقعية، جرت أحداثها بين ميناء طرابلس الغرب وقصر الضيافة في صحراء سرت، وتوزّعت أدوارها على بطل الحرية عبدالرحمن الكواكبي، وأحد رموز الاستبداد معمر القذافي، والأديب الليبي المجاهد علي المصراتي، والداعي . ولكن كيف يمكن التوفيق بين واقعية أحداث المسرحية، فيما يعجز الخيال عن جمع لاعبيها الأربعة؟
في 2 تشرين الأول/اكتوبر ،1995 طرت من مطار هيثرو اللندني إلى جزيرة مالطا بمعية الروائي ياسين رفاعية والشاعر انطوان رعد، للاشتراك في مؤتمر ثقافي ليبي يتمحور حول كتاب القرية القرية، الأرض الأرض، وانتحار رائد الفضاء . لمؤلفه معمر القذافي ومن مالطا توجهنا إلى ميناء طرابلس في السادسة صباحاً في تلك اللحظة من وصولنا، بدأ مسلسل المفاجآت المضحكة المبكية التي يتميز بها النظام القدافي عن سائر الأنظمة الدكتاتورية . فلسبب يجهله الراسخون في علمي الاجتماع والسياسة، حُجزنا في الميناء خمس ساعات، ولم يُفرج عنا إلا بعد وصول رئيس اتحاد الكتّاب الليبيين الذي غمز وضحك ووعد بأن الحجز سيتكرر في المناسبات اللاحقة .
في الفندق تلاحقت المفاجآت . فقد تداول أحد الركاب، بصوت منخفض طبعاً، قرار القذافي الهمايوني، الذي قضى بطرد كل أفراد الجالية الفلسطينية من منازلهم وأعمالهم، ونقلهم إلى خارج الحدود الليبية - المصرية لكي يزحفوا إلى فلسطين ويحرروها من محتليها ومستوطنيها اليهود .
ولم تكن كل المفاجآت قذافية . فقد التقيت للمرة الأولى بالأديب الليبي المخضرم علي المصراتي الذي فاجأني بمناقبيته وشفافيته وخفة دمه واعجابه بالمصلح الحلبي عبدالرحمن الكواكبي الذي أهديته أحد كتبي الثلاثة عنه صحافة الكواكبي . ولأن خيمة القذافي منصوبة في سرْت، فقد امتطينا البولمان ومدة ست ساعات تخللتها استراحة في مصراتة، وفي قصر المؤتمرات، تبارى كتّاب الوطن العربي في إلقاء الضوء على النواحي الإبداعية في الكتاب، ثم استقلوا الحافلة من جديد، ولكن باتجاه خيمة كبيرة في الصحراء، باعتبار ان الزميل معمر قرر استقبالنا في قصر الضيافة، وهكذا ما أن وصل الدكتاتور الأوريجينال بقامته العالية وشمسيته الهائلة، ارتجل كلمة ردد فيها قول السيد المسيح في البدء كانت الكلمة، ثم استدرك بسؤال عما إذا كان بين الحضور نصارى . ولما كان النصرانيان انطوان رعد وميشال جحا، غادرا ليبيا قبل ختام المؤتمر، فقد كانت إيماءة رأسه التكريمية من نصيبي من دون مشاركة أحد، ولم يكن التكريم اليتيم، فإثر إلقائه كلمته، وقف الزملاء صفوفاً بديعة النظام لإهداء زميلهم بعض كتبهم، ولم أقف معهم لأسباب عدة، منها أن نسخ كتابي عن الكواكبي وزعتها على بعض المؤتمرين . كان يقف قرب القذافي علي المصراتي الذي صاح فجأة: يا أخ معمر، لم أرك تستقبل الكاتب اللبناني النصراني جان داية الاختصاصي بالمصلح الحلبي الإسلامي عبدالرحمن الكواكبي، فكان التكريم رقم 2 الذي ابتسم خلاله القذافي للمرة الأولى . ولحسن حظي، لم يسألني ملك ملوك إفريقيا عن أوجه الشبه بين ما دوّنه الكواكبي في كتابيه طبائع الاستبداد وأمر القرى وما ضمّته حضرته كتابيه في الكتاب الأخضر والأرض الأرض .
* الكاتب الموريتاني حنفي ولد دهاه يقول: ظل الأدباء العرب المعاصرون يشفون غليلهم من الديكتاتوريات التي حكمتهم من خلال الرمز والإيحاء اللذين كانوا يوغلون في استخدامهما في أدبهم، شعراً ونثراً، حتى لا تنكشف مراميهم من التهكم والنكاية بالدكتاتور لأجهزة القمع العربي، فالدكتاتور طوراً هو الديك الذي يقول الشاعر نزار قباني:
في حارتنا . .
ثمة ديك عدواني، فاشيستي،
نازي الأفكار .
سرق السلطة بالدبابة . .إلخ
ويصور الكاتب بن سالم همش في روايته خليفة الرعب حياة ديكتاتور متقلب المزاج والأهواء والطبائع هو أبو علي منصور، الذي حكم بيد من حديد، طيلة ربع قرن (996-1021)، مصر، وسوريا، وفلسطين، وتونس .
وفي رائعة محمود درويش خطاب الديكتاتورية الموزونة يصور الديكتاتور في خطابه الجماهيري كيف أن الهدف من حياة المواطن هو حياة الديكتاتور ورخاؤه، فأمن المواطن إنما يتحقق فقط ليأمن الديكتاتور .
يقول محمود درويش:
سأختار أفراد شعبي،
سأختار من يستحق المرور أمام مدائح فكري
ومن يستحق المرور أمام حدائق قصري . .
يا شعبُ يا شعبي الحر فاحرس هوائي
من الفقراء . . .!
وسرب الذباب وغيم الغبار .
ونظفّ دروب المدائنِ من كل حافٍ
وعارٍ وجائع .
كما كان للقصائد المباشرة في أدب الجواهري وعبد الله البردوني دورها الكبير في النكاية بالديكتاتوريات، وتعريتها، ووصفها من دون إيحاء ولا رمز، بما يليق بها من أوصاف في نظر الشاعرين العملاقين . كما كان لأدباء العامية من أمثال أحمد فؤاد نجم، وعبدالرحمن الأبنودي بلاؤهم الحسن في النيل من الديكتاتور .
وهناك أدباء غازلت أخيلتهم الموضوع ببعض اللطف مثل عبدالرحمن منيف في مدن الملح وهاني الراهب في روايته رسمت خطاً في الرمال وحيدر حيدر في وليمة لأعشاب البحر .
ولكن رغم أن القرن الماضي شهد تناولاً محتشماً لأدب الديكتاتورية مثل طبائع الاستبداد لعبدالرحمن الكواكبي، إلا أن السنوات الأخيرة في القرن الواحد والعشرين شهدت بحكم طبيعة النظام العالمي الجديد فورة في هذا النمط الأدبي فكتب فضل عزاوي في هذا المنحى روايته الأسلاف، كما كتب غازي القصيبي رواية العصفورية وعزت القمحاوي روايته الحارس، وأبوكر العبادي آخر الرعية وسالم حميش فتنة الرؤوس والنسوان وواسيني الأعرج المخطوطة الشرقية .
رغم كل هؤلاء الشعراء والروائيين الذين جعلوا من الديكتاتورية طعاماً لأقلامهم إلا أن ما يمكن تسميته بأدب الديكتاتورية عند العرب، رغم نصيبهم الوافر من الأحكام القمعية والأنظمة التسلطية، ظل يتطفل على أدب أمريكا اللاتينية، الذي أحرز قصب السبق (روائياً) في إبداعه في تصوير شخصية الديكتاتور، من خلال روايات ماركيز وساراماغو وميغل انخيل الذي منعت روايته السيد الرئيس من الترجمة إلى العربية، لفترة طويلة . وربما يعود هذا الفقر في أدب الديكتاتورية العربية رغم توافر بواعثه ودواعيه، إلى الرقابة المتشددة على النصوص الإبداعية، والقمع المحتمل لأن يواجهه أدباء أو كتاب يقتربون بأخيلتهم وأقلامهم من سور حديقة قصر الديكتاتور .
* الشاعر الموريتاني حسني ولد شاش يرى أنه بغض النظر عن الجذر اللغوي (ديكتا . .) والمعني الأصلي لهذه العبارة، فقد انتهت إلى الديكتاتور بمعنى الطاغية، وقد قدم الأدب العربي المعاصر صوراً متعددة للاستبداد والطغيان، وعلى مستوى الطاغية الصغير الذي يعيش في بيوتنا وبين أفراد أسرنا، وقد جسد هذا الأدب صوراً تتفاوت في أدبيتها وروعتها وفلسفتها، لكنها جميعاً تلتقي عند الإحساس بخطر هذه الظاهرة، هذا من دون الإشارة إلى أسلوب استحضار هذه الصورة فنياً .
ويضيف في الأدب الموريتاني جسدت رواية أودية العطش لبدي ولد أبنو صورة الديكتاتور العربي بشكل يدفع القارئ العادي والنخبوي إلى التأمل في طبيعة هذا الاستبداد وخلفيته، حيث الديكتاتور الذي يحاول استبدال الغرائز والثوابت فيفرض على شعبه استبدال شرب الرمل بشرب الماء، كما جسدت كتابات الشاعر أحمد ولد عبدالقادر صورة الديكتاتورية والطغيان من خلال رسمه لحركية المجتمع والحكم وحتى البيئة .
* الدكتور عبدالسلام ولد حرمة، أكاديمي موريتاني يقول: إن الوعي الأدبي والثقافي بظاهرة القمع السياسي التي جسدتها الأنظمة الديكتاتورية خلال العصرين الحديث والراهن، يتجسد حجمه الحقيقي في كثافة النصوص والأعمال المعبرة عن رفض هذه الأنظمة ومواجهتها من طرف الشعراء والروائيين الذين كتبوا أعداداً وفيرة من نصوصهم من مواقع الرفض وأحياناً كثيرة منسوجة خيوطها داخل الزنازين، أو بوحي من عالم القمع والمنفى والتهميش، وهي نصوص كرست في مجملها طابع الهجائية للطغاة .
وكما رأينا في رواية خريف البطريرك لروائي أمريكا الجنوبية الكبير ماركيز كل الوجوه البشعة لجنرالات أمريكا اللاتينية وهي تندرج تحت رمز الجنرال .
* يقول الروائي السوري حيدر حيدر واصفاً أحد هذه النماذج في روايته وليمة لأعشاب البحر: كالفطريات سينبت بعد أن تقذفه الريح الصفراء الجائحة على سطح الأرض كالمزبلة لإنبات كل أنواع الشوكيات، والخبازيات والنفل البري، والرزين، والحمضيات، والقتاد، واللويفة، والصبار الوحشي، والتيتان، والأكال الحرشفي، والقراص، والزقوم، والحلبوب السام، والدهموج الدرعي، سيولد حاملاً في دمه نسق النباتات في شكل قنطور أو الويثان نصفه الأعلى بهيئة ضبع والنصف الأسفل شبيه سرطان زاحف .
* ورأى الناقد والروائي الأردني هاشم غرايبة أن الديكتاتور العربي جرى تشخيصه في أعمال شعرية وروائية ومسرحية ودرامات تلفزيونية كثيرة لكن جبن النقاد في تمحيص هذه الشخصية داخل الأعمال تركها في الظل .
وقال: عندما يتحدث النقاد الوديعون عن غياب صورة الديكتاتور في أدبنا فذلك لأنهم لا يريدون أن يروها ولا أن يتورطوا في تمحيصها، وهنا يجب الحديث عن جبن الاهتمام النقدي وموالاة الإعلام الثقافي للديكتاتور وقصورهما عن تناول الأعمال الأدبية الجريئة التي تناولت الديكتاتور، فعندما يتناول الناقد أو الإعلامي العمل الإبداعي، فإنه يتجاهل صورة الديكتاتور داخله ويذهب لاستعراض محفوظاته المحنطة في النظريات النقدية الجامدة .
وأضاف غرايبة الذي مرّ بتجربة السجن السياسي في الأردن: ابتليت الحياة الثقافية العربية بإعلام موجه وبأكاديميين يخافون ظلهم وبنقاد يلعبون على الهامش بحجج الحداثة وما بعدها، ويعتمدون على مقابسات مترجمة عن المناهج الغربية لا يحسنون تطبيقها، هذا إلى جانب الدور المخجل لكتّاب اتحادات الكتاب العرب لمالكها السيد الديكتاتور، فقد دافعت هذه ويا للعار حتى الرمق الأخير عن الديكتاتوريات العربية . . وما زالت .
وتابع غرايبة: لا أريد أن أدخل في تعداد الأعمال الإبداعية العربية التي تناولت شخصية الديكتاتور العربي أو جعلته مركز بنائها الفني، فكبسة زر على محرك البحث ستخرج الكثير من الأعمال لكني أضرب مثلا بالخميس ابن الأحوص بطل رواية المقامة الرملية لأني أعرفه جيداً: ديكتاتور صنعته الصدفة واتفقت على تعزيزه أطماع تجّار البر الآخر ومصالح سادة النهر الكبير . . وانتهى مدحورًا في عمق فلج الصحراء .
وحول ما وصفها أسئلة نقدية أشبه بمفرقعات تتعلق بمدى تصوير الأدب العربي الديكتاتور قال غرايبة: نعم صوّر أدبنا الديكتاتور العربي لكن الناقد والأكاديمي والإعلامي العربي ضللوا القراء حيناً من الدهر، وقد آن أوان إعادة قراءة أدبنا العربي وتقييم مبدعيه على ضوء مشاعل الحرية في ساحات وشوارع الوطن العربي .
* ووجد الناقد الأدبي الأردني فخري صالح أن هناك شحاً في الأعمال الأدبية العربية المتطرقة إلى الديكتاتور، مشيراً إلى التوجه مباشرة نحو أدب أمريكا اللاتينية عند الحديث عن الطغاة وعلق: يكاد لا يمر في خواطرنا عمل أدبي واحد لكاتب عربي يصوّر فيه طاغية على رغم كثرتهم وانفرادهم عن غيرهم من طغاة العالم المتشبثين بالسلطة . واسترسل صالح: كشفت الثورات والانتفاضات العربية عن سمات وخصائص بارزة في شخصية الديكتاتور العربي من حيث تميزه بالعناد الشديد والتمسك بالسلطة حتى آخر قطرة دم من شعبه، كما أنه يستعمل أساليب متنوعة للالتصاق بكرسيه، فيمالئ الشعب ويداهنه ويستعطفه وبعد ذلك يهدده ويتوعده ويتهمه بالتعاون مع الخارج، فإذا فشلت كل هذه الأساليب فإنه يلجأ إلى القتل وسيلة وحيدة لحسم الاحتجاجات السلمية .
ورأى صالح في مقالة صحافية أن إصدار عبدالرحمن الكواكبي طبائع الاستبداد أهم كتاب شخّص الظاهرة ودلّ العرب على سبل الدخول في الزمان الحديث، لكن النقص الخطير يتمثل في جوانب الخلق الفني والتخييل الذي يفتقر إلى نماذج الطغاة الذين يعمرون الأرض العربية منذ قرون وقرون، معتبراً الأعمال الفنية التي صوّرت الطاغية وأهواءه في المسرح والسينما العربيين قدمت كاريكاتيراً لهذه الشخصية المتعددة السطوح والأعماق، ولم تسع إلى تقديم صورة متعددة الوجوه لها .
وتابع: السبب في تجنب الكتّاب العرب تصوير نموذج الطاغية يعود إلى الرقابة الخانقة على الأعمال الأدبية والفنية والقيود التي تفرض على هذه الأعمال منذ التفكير في عمليات الإنتاج والحدود التي تحول دون دخول هذه الأعمال فيما لو وجدت، لهذا فضّل المنتجون الثقافيون ألا يغضبوا الرقابات العتيدة التي تعلم علم اليقين أن أي عمل يتحدث عن الطغيان والطغاة يتحدث بصورة أو أخرى عن طغيان في بلادهم وطاغية يتربع على سدة الحكم في عواصمهم، فالأفضل في هذه الحالة أن يلجأ الكاتب إلى الرمز والمواربة في التعبير، وأن يلجأ المسرح والسينما إلى النكتة والكاريكاتير حتى يمكن ابتلاع اللقمة غير السائغة بالنسبة إلى الرقابات العربية .
وأكد صالح أن تلك المعطيات أفقرت الأدب والثقافة العربيين من أعمال كبيرة في الرواية والمسرح والسينما، لكنه استدرك في المقابل بأن الحال الآن لم يعد كما كان قبل أشهر ونحن لا ندري أي حالات يعبر الديكتاتور العربي . وكيف يشعر عندما يهتز الكرسي تحته، وعلى الروائيين والمسرحيين والسينمائيين أن يتنبهوا لكي يلتقطوا هذا النموذج الغائب في الإنتاج الثقافي العربي.