كتبت:مها عادل

ارتبط ساحل البحر الممتد عبر دولة الإمارات، منذ قديم الأزل، بالخير واليُمْن على سكان المنطقة، الذين ارتبطت حياتهم به، وركبوا أمواجه وروّضوها، بحثاً عن التجارة وصيد اللؤلؤ والأسماك، وفي المتحف البحري بالشارقة، تستطيع أن تسمع وترى القصة كاملة.. قصة الإنسان الإماراتي مع البحر، وكيف ارتبطا معاً بعلاقة عشق وتعاون.. وكيف نجح في ترويض العواصف والأخطار، ومخر عباب البحر بحثاً عن الرزق.
ونظراً لموقع دولة الإمارات الجغرافي، وتعدد المناخات، كان لا بد من ظهور حرف ومهن ترمز كل منها لمنطقتها، قبل أن تُعرف بأصحابها، وهذه هي الخصوصية التي تتميز بها بيئة الدولة عن غيرها، كونها تمتلك بيئات أربعاً، متنوعة المناخ، أبرزت العديد من الحرفيين والمهنيين المتميزين، وهي: البيئة البحرية والصحراوية والريفية والجبلية.

هذا ما جاء على لسان الباحث عبدالله صالح، في كتابه «الحرف والمهن في دولة الإمارات»، والذي يطلعنا فيه على طبيعة البيئة البحرية، فيقول: البيئة البحرية هي من البيئات القديمة، التي عرفها أهل الإمارات، لكونها متصلة بالبحر، ولعلها من أغني البيئات، لكونها أفرزت العديد من الحرف والمهن، وكانت من البيئات الأولى، التي عرفها ابن الإمارات، لكونها ارتبطت بطرق الصيد والغوص، لاستخراج اللؤلؤ والتجارة وصناعة السفن، وغيرها من المهن الضرورية.
ويستطرد صالح قائلاً: ما يميز هذه البيئة، تحول الكثير من أصحاب الحرف والمهن في البيئات الأخرى إليها، وما يبرز قيمتها هو اهتمام المستعمر به، وبما تحتويه هذه البيئة من خيرات، بالإضافة إلى الهجرات الخارجية.
وعن طبيعة المهن والحرف حسب المظاهر الاقتصادية، يخبرنا عبدالله صالح، عن حرفة صيد السمك، فيقول: «تعتبر من المهن التقليدية القديمة، التي لجأ إليها الإنسان لسد حاجته الأساسية، حيث انتشرت بكثرة في المجتمع، وقد عُرفت إمارات الدولة المطلة على البحار، بكثرة أنواع الأسماك المختلفة، فراح ابن الإمارات يطور من أدوات صيده، ويوظفها لمصلحته، مما ساعد على جلب الخير الوفير له من وراء هذه المهنة».
وصيد السمك، كان حرفة للكثيرين، ومورد رزقهم، وتراث الصيد في الإمارات، يتضمن الكثير من الأدوات والمهارات التي مازالت مستخدمة إلى اليوم، رغم التقدم التكنولوجي الذي ترك بالطبع بصمته على حرفة الصيد، وساهم في تطوير نظمه، ولكن أصل الحرفة التي يدركها نواخذة البحار القدماء، يحمل بصمة الأجداد، الذين كانوا أدرى الناس بالبحر وطرق الصيد وأنواع الأسماك التي تسكن في الأعماق، سواء تلك التي تستوطن مياه الإمارات طوال العام، مثل: الشعري والصال والصافي والكوفر.. أو الأنواع المهاجرة التي تتوافر بكثرة في بعض المواسم، مثل: الكنعد، الذي يكثر وجوده في فصل الشتاء، خاصة مع دخول شهري ديسمبر/كانون الأول ويناير/كانون الثاني.
قوارب الصيد
الشاحوف والبيلة، نوعان من قوارب الصيد الكبيرة، التي كان الأجداد يستخدمونها في رحلات الصيد الطويلة، والتي يمكن أن تستغرق أياماً، أما الصيادون المنفردون فكانوا يستخدمون أنواعاً أخرى من القوارب، أشهرها «الشاشة»، وهي مركب صغير يستخدم قرب الشاطئ، ويصنع من النخيل المتوفر بكثرة على أرض الإمارات الطيبة، وهذه الأنواع من المراكب تغيرت في الوقت الحالي، حيث لم يعد الاعتماد على الشراع هو الأساس في تحريك السفن، ودخلت الموتورات عليها، وبالتالي تغيرت تصميمات القوارب ونوعية المواد المستخدمة في صناعتها، وأصبحت اللنشات الأكثر انتشاراً، كما أصبح الجسد الخارجي لكثير من القوارب الصغيرة الخفيفة، يصنع من مادة «الفايبر جلاس»، أوالألياف الزجاجية، التي تصب في قوالب مخصوصة لصناعتها.
القراقير والشباك
ولكن التطور الذي شهدته صناعة القوارب، لم يكن يغير في أصل الحرفة كثيراً، فطرق الصيد التي تم توارثها عن الأجداد، مازالت مستخدمة في كثير من الأحيان، وأشهرها طريقة «القراقير»، وهي عبارة عن أقفاص كبيرة، كانت تصنع قديماً من جريد النخيل، ثم أصبحت تصنع من أسلاك الحديد، ويتم تصميمها بطريقة خاصة، بحيث يوضع الطعم بداخلها، وهو يتكون من الطحالب، أو بعض الخبز، أو مزيج منهما، ولها مدخل مثل القمع، يتسع في البداية، ولكنه يضيق في الجزء الداخلي من القفص، وبذلك يدخل السمك إلى داخل القرقور بسهولة، ولكنه لا يستطيع الخروج ثانية منه، وعملية الصيد الناجحة تحتاج إلى عدد كبير من «القراقير»، تبدأ من عشرة، وتصل إلى 60 أو 70 قرقوراً، حسب حاجة وقدرة الصياد أو مجموعة الصيادين، ولا يتم وضع القرقور في البحر اعتباطاً، وإنما هناك أماكن محددة، يعرفها كل صياد، يستطيع أن يضعه فيها، لأنها مثل مراعي الأسماك، حيث توجد فيها بكثرة، بسبب طبيعة القاع، ومدى توافر الغذاء، وحركة التيارات البحرية، وكلها أمور يعرفها الصيادون الخبراء، ويتوارثون معلوماتها أباً عن جد، ويتم ربط القراقير بالحبال، ووضعها في البحر على القاع، مع وجود حبل به شيء طافٍ، حتى يتم الاستدلال على موقع كل مجموعة قراقير بعد ذلك، لأن الصياد يترك القراقير في البحر من 3 إلى 5 أيام، يعود بعدها لاستخراجها، وجمع ما تجمع بها من أسماك متنوعة، والصيد بالقراقير قديماً، كان يعتمد على خبرة الصياد ومعرفته بالبحر، حتى لا يتوه عن الموقع الذي وضعها به، فكان يحدد الموقع عن طريق البوصلة والنجوم، وبعض العلامات الشاطئية، ولكن اليوم أصبح الأمر أكثر سهولة، مع توافر أجهزة ال «جي بي إس»، لتحديد الموقع عبر الأقمار الاصطناعية.
ورغم أن عمليات الصيد بالقراقير تأخذ فترة زمنية تستغرق 4 أو 5 أيام لعملية الصيد الواحدة، وهو زمن كبير، قياساً إلى الصيد بالشباك الذي يعتمد عليه حالياً كثير من الصيادين، غير أن الصيد بالقراقير له معنى مختلف عند قدامى الصيادين، فهو الطريقة الموروثة عن الأجداد، والتي تعتمد في كثير من تفاصيلها الدقيقة على خبرة الصياد وفهمه للبحر وأماكن تكاثر الأسماك التي اعتادت عائلته أن تصطاد فيها منذ زمن طويل، فضلاً عن أنه يأتي بأنواع وأحجام أسماك مختلفة خلال عملية الصيد الواحدة، بعكس الشباك التي تصطاد من خلالها أسماك كبيرة أو صغيرة، بحسب مقدار فتحات الشبكة، أي أن الشباك كبيرة الفتحات، لا يمكن أن تصطاد أسماكاً صغيرة، لأنها ستهرب مرة أخرى منها، والصغيرة لا يمكن أن تدخل فيها الأنواع الكبيرة من الأسماك، مثل الهامور وغيره.
ومازالت طريقة عمل القراقير على سواحل الإمارات تتم بالطريقة التقليدية القديمة ذاتها، فصناعة القراقير من الأشياء التي يمتزج فيها التراث القديم، بالواقع الحالي المعاصر، لأن الأجداد أبدعوا فيها، لدرجة أن التصميم الذي ابتكروه أثبت أنه الأفضل والأكثر نجاحاً، في الصيد، لأنه يدل على خبرتهم ومعرفتهم بظروف البحر والساحل، ويصنع القرقور من أسلاك الحديد المعروفة باسم «السيم»، وهي أربعة أنواع، بحسب أحجامها، وأكبرها هو الدوباي العود، ويسمى قطعة 4، ثم قطعة 3، وقطعة 2، والرابع «باع ونصف الباع»، مشيراً إلى أن قطعة 3 وقطعة 4، يستخدمان في الصيد داخل المياه العميقة، أما النوعان الآخران، فيناسبان المناطق الضحلة قرب الشاطئ، وتحتاج صناعة القرقور، من يومين إلى ثلاثة أيام، في المرحلة الأولى للطول، وتالياً يصنع الارتفاع، الذي يتراوح بين المتر والمتر ونصف المتر، ويوضع داخل القرقور شبك من حديد، يمنع الأسماك من الوصول إلى الطعم بعد دخولها، ويتم تثبيت القرقور في قاع البحر بوضع ثقل في أسفله، وبعد الانتهاء من الصيد، يتم رفعه بواسطة الحبل المعلق به عوامات تساعد على إبقائه طافياً فوق سطح الماء.

الحياة الاجتماعية
وعن الدور الذي لعبته الحرف التقليدية في حياة المجتمع الإماراتي الاجتماعية، يؤكد الباحث عبدالله صالح في كتابه، أنها وطدت العلاقات، ويقول: هذه المهن والحرف، وطدت أواصر العلاقات بين أفراد المجتمع، خاصة أن العديد من العائلات، التي تشكلت أسماؤها بهذه الحرف، ساهمت في إبرازها إلى الوجود، كما قامت بتناقلها عبر الأجيال، مما أبقى على كيانها، كما ساهم في احتفاظ الناس بها، وتعليمها ونقلها عبر الأجداد إلى الجيل الجديد، لكونها أصبحت تشكل ثروة قومية، ومرجعاً مهماً، يستظل به الباحث، ولعل الحياة الاجتماعية القديمة، كانت بمثابة علم مهم، يهدف إلى تكاتف الأهالي معاً، والعمل على البحث عن مصادر الرزق، إلى أن وضعوا هذه الكنوز في أيدي الأبناء، للحفاظ عليها من الزوال.