تصبحُ الثقافةُ منفلشةً وضحْلة، عندما تتحوّلُ في معظمها إلى لياقاتٍ أو مجاملاتٍ اجتماعية . في مثل هذه الحالة، تتوسعُ الثقافةُ أُفُقياً أو كمّياً، من دون أنْ تتطوّر عمودياً أو نوعيّاً . وفي هذا يكمنُ معنى الانفلاش ومعنى الضحالة .

وللأسف، ما نشير إليه هو ما نشهدُهُ اليومَ، أو بالأحرى هو ما يطبعُ الثقافةَ العربيةَ الراهنة . فالمجاملاتُ والعلاقاتُ الشخصيةُ هي التي تُحركُ النشاطَ الثقافي أو تقفُ وراءه أو تُوجهُه . ويمكنُنا في سياق حديثنا هذا أنْ نتوقّف عند بعض الظواهر التي تشهدُ على ما قصدْنا إليه .

نتكلم أولاً على ظاهرةٍ أصبحت متفشيةً في الساحة الثقافية على نطاقٍ واسع، وأكثر ما تتعاظم في معارض الكُتُب، ونقصد بِها تواقيع المؤلفات الصادرة حديثاً . وهذه الظاهرة باتتْ طاغيةً على النشاط الثقافي في بيروت، عاصمة النشْر في الوطن العربي، حيث تدفع دُورُ النشْر المؤلفين إلى توقيع إصْداراتهم (أو إصْداراتها)، لِما في حفلات التوقيع من تغطيةٍ لنفقات الطباعة وغيرها .

وكثيراً ما يسببُ هذا الأمر إحراجاً للمؤلفين ولأصدقائهم الذين يُدْعَوْن إلى الحضور . . والشراء . وهكذا يكون توقيعُ الكتاب نشاطاً اجتماعياً تحكمُهُ العلاقاتُ الشخصية، أو الصداقات، في معزلٍ عن مستوى الكتاب أو الكاتب . نتكلم ثانياً عن المؤتمرات والمهرجانات الأدبية التي تتكاثرُ هي الأخرى في أيامنا هذه . ففي تلك المناسبات أو الاحتفالات نادراً ما يكون المستوى الثقافي أو الفني هو الأساس في الاختيار والتنظيم والتقديم . . وما إلى ذلك . مرةً جديدة، العلاقاتُ الشخصيةُ والمجاملاتُ هي التي تطغى على هذا النوع من النشاطات الثقافية، وهي التي يصدرُ عنها القيمون على هذه النشاطات ومنظموها . وفوق هذا، كثيراً ما يكون الهدفُ الأساسيّ، المعلَنُ أو الخفِيّ، للمؤتمر أو المهرجان الأدبي هدفاً غيرَ أدبيّ! وهكذا يكون الأدب على هامش المناسبة التي تحمل اسمَه، وينقضي الأمر بلقاءاتٍ بين عاملين في حقل الأدب، يتبادلون في خلالها ما وسعهم من المجاملات .

ننتقلُ الآن إلى الكلام على ما يُقدم من برامجَ ثقافية في وسائل الإعلام، وبالأخصّ المرئية منها، وهي برامجُ خفيفةٌ إجمالاً، أي انها لا تطرح القضايا على نحْوٍ عميق، وخصوصاً عندما تكون القضايا المطروحةُ أدبيةً أو على علاقةٍ بالأدب . ويقدم القيمون على هذه البرامج، أو على المؤسسات الإعلامية التي تحتضنها، مسوغاتٍ للخفّة أو السطحية أو السرعة في تقديم الأدب، هي دائماً مسوغاتٌ تجاريةٌ أو ترويجية . هكذا يكون الأدب هامشياً أيضاً في برامجَ تُقدمُ فيه أو عنه أو باسمه .

إضافةً إلى ما تقدم، نستطيع الكلام على ظواهرَ أخرى تشهدُ على ثقافةٍ منفلشةٍ لا تُطرحُ فيها القضايا على نحْوٍ جدي وعميقٍ ومثمر . من ذلك أخيراً، على سبيل المثال لا الحصْر، ما يملأ الصفحات الثقافية في الجرائد والمجلات العربية من كتاباتٍ نقدية، هي في الغالب مراجعاتٌ لكُتُبٍ حديثة الصدور . هذه الكتابات في معظمها لا تُقدم فائدةً للقارئ، لأنها تصدر في أكثر الأحيان عن علاقةٍ شخصيةٍ بين مُراجع الكتاب ومؤلفه . وهكذا يفقدُ هذا النوع من الكتابة النقدية الصحافية الكثيرَ من المصداقية، وينطوي على نفسه، عاجزاً عن تأدية مهمةٍ ذات أثر في اتجاه القرّاء .

إننا نطرحُ هذه الملاحظات، التي طرحناها، لا لكي نسجلَ انزعاجاً أو تبرماً حيالَ هذا النوع أو ذاك من أنواع النشاط الثقافي . فمن حيث المبدأ، يخلقُ التوسعُ والكثرةُ في النشاط الثقافيّ حيويةً ما، في جو معين أو في مكانٍ معين (بيروت على سبيل المثال) . ولكننا قصدْنا، من خلال ملاحظاتنا الواردة أعلاه، إلى القول إنّ الحيوية الحقيقية في الثقافة إنما تكون في البحث عن النوعية، عن الجِدّة والتطور .

إنّ الحيوية الحقيقية في الثقافة لا تكون في الاكتفاء بالكمّية، وإنْ كانت المناسباتُ الاحتفاليةُ الكثيرةُ تُقدمُ فُرَصاً للتسلية لمن يحبّون المواظبة على أداء المجاملات واللياقات الاجتماعية . لا بأسَ في أنْ تعرفَ الثقافةُ عندنا نشاطاتٍ كثيرة، ولكنّ الخطر هو في أن تذهبَ بعيداً في التوسع والانفلاش، متناسيةً مهمّتَها في البحث عميقاً عن كل ما يجددُ حياتنا ويغيرُها نحْو الأفضل.