إنني غاضب على أرسطو؛ لأنه ربى إمبراطورين اثنين!
أما الأول فقد تمدد على الجغرافيا وهيمن على ما فيها من دول وشعوب!
وأما الثاني فقد تمدد على العقول وهيمن على ما فيها من اختلاجات وأفكار.
وأقصد بهذين الإمبراطورين المستبدين: الإسكندر المقدوني، والمنطق الصوري.
فقد استدعى فيليب حاكم مقدونيا الحكيم أرسطو لكي يقوم بتربية ابنه الذي سيصبح لاحقا الإسكندر الأكبر، أشهر إمبراطور عسكري إغريقي، الذي هيمن بفتوحاته العسكرية على مختلف بقاع المعمور المأهولة والمعروفة وقتئذ.
أما الإمبراطور الثاني، وهو مقصودنا من هذا المقال، أي المنطق الصوري، فهو أيضا صار مذ ولد كائنا مستبدا! وإذا كان الإسكندر هيمن خلال حياته القصيرة على الأجساد والجغرافيا، فإن هذا المنطق الأرسطي سيسيطر على العقول طيلة أزيد من ألفي عام.
لكن كيف يجوز الغضب على أرسطو في تقعيده للمنطق وإبداعه لمقولاته وطرائقه القياسية؟ أليس المنطق الصوري عند غالبية المفكرين والفلاسفة آلة تعصم الذهن من الوقوع في الخطأ، وأكمل منهجية فكرية أبدعها اللوغوس الفلسفي في كل امتداده التاريخي؟ ألم يقل حتى الغزالي، الذي ناهض الفلاسفة، وقال بتهافتهم من لا يعرف المنطق لا يوثق بعلمه؟ فإذا كان الأمر تقريبا على هذا النحو من الإجماع، فكيف نعيب على أرسطو إبداعه المنهجي هذا؟ بل كيف يجوز لنا أن نبتذله فنقرنه بوسم الإمبراطور، ونُعَرضْ به بوصفه مستبدا؟
أجل إن استهلالي لهذه السطور بعاطفة الغضب فيه من المزاح أكثر مما فيه من الجد. فحقا لا داعي لمؤاخذة فيلسوف على إبداعه لمنهج من المناهج، بل حتى على فرض خطأ منهجيته واستبدادها بعملية التفكير، فالمؤاخذة ينبغي أن تتقصد من احتذى هذه المنهجية وقدسها لاحقا، لا من بناها وأسسها ابتداء.
لكن رغم كل هذا ففي هذا المزاح مقدار من الجد غير قليل، فالمنهج الصوري الأرسطي بلغ من الدقة والترتيب والتماسك في القواعد حدا منع طلاقة التفكير وإبداعيته. كما أن انبناءه على المقدمات الكلية جعل النتائج تحصيل حاصل، الأمر الذي أوقع هذا المنطق في عقم لا سبيل إلى علاجه.
أجل، لم يسبق في تاريخ الفكر، سواء قبل أرسطو أو بعده أن هيمن منهج من المناهج على هذا النحو الذي هيمن به المنطق القياسي الصوري. بل إن جميع المعارف كان لها تاريخ، إلا المنطق؛ إذ كما يقول روبير بلانشي في القرن العشرين حديثة هي الدراسة التاريخية للمنطق، ولا تعود بأي حال لأكثر من قرن.
ورغم كل التحولات المعرفية التي شهدها العلم والفلسفة، يمكن أن تجد اليوم داخل بعض أرقى الجامعات الفلسفية، سواء في الشرق أو الغرب، أساتذة يدرسون منطق أرسطو بوصفه المنطق، ويستهجنون كل تلك التحولات المنهجية التي جاءت بها النظريات المنطقية الحديثة والمعاصرة.
إنها حقا حالة غريبة في شأن مناهج التفكير، فلم يتجرأ الفكر الفلسفي داخل السياق الثقافي الأوروبي- على خدش منطق المعلم الأول. بل كانت لهذا النظام المنهجي هيبة غريبة، حتى أنها هيمنت على أكثر الفلاسفة استشعارا للحس النقدي. فحتى الناقد الأكبر صاحب مشروع نقد العقل، الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، عندما أراد الحديث عن المنطق لم يجد ما يقوله سوى أنه ولد من عقل أرسطو كاملا. وذلك ضدا على قانون بيولوجيا الأفكار والكائنات. فإذا كان كل مولود محكوماً في ابتداء نشأته بالضعف، إذ يكون محتاجا إلى التغذية لتشتغل في كيانه آلية النمو نحو القوة؛ فإن الكائن المنطقي كان استثناء حسب كانط.
ومعلوم أن فيلسوف نقد العقل قال مقالته هذه في القرن الثامن عشر! وهو بذلك لم يكن فقط عاجزا عن إدراك مواطن النقص في الجهاز المنهجي الأرسطي، بل أكثر من ذلك لم يدرك حتى قيمة التجديد المنطقي الذي كان قد بدأ بالظهور في القرن السابع عشر مع فرنسيس بيكون وديكارت، ثم خاصة مع لايبنز.
والحق أن منطق أرسطو لم يولد كاملا، بل ولد جامدا!
[email protected]