معلوم أن الأساليب المنهجية لم تخل منها فلسفة من الفلسفات، فالتفكير الفلسفي بطبيعته تفكير ميال إلى تنهيج ذاته، ووضع قواعد لتوجيه فعل الفكر. لكن إذا كانت الأساليب المنهجية بهذه الكثرة، فإن منهج ارسطو حظي دون غيره من المناهج بمقام خاص. لكن رغم شهرته وذيوعه فإنه آلة منهجية أقرب ما تكون إلى منع الذهن من التفكير لا حفزه وتوجيهه!
لقد تمظهر المنطق القياسي الأرسطي منهجا معلبا وجاهزا لا لأن يستهلكه التفكير، بل قام هو باستهلاك التفكير. فقد ولد جامدا وظل كذلك ألفي عام، فباستثناء الشكل الرابع من أشكال القياس فإن المناطقة اللاحقين لم يضيفوا إليه شيئا حقيقا بالذكر. صحيح أن الرواقيين تنبهوا مبكرا، فصاغوا المنطق الشرطي، وهو منطق جزئي لا كلي، كما أنه مقدمة إرهاصية بمنطق الاستقراء، لكن هيمنة أرسطو جعلت القياس لاحقا يلتهم المنطق الشرطي، حيث لم يجد المناطقة صعوبة في تحويله إلى القياس الحملي. وبذلك فوّتوا على أنفسهم إمكانية منهجية مهمة لتطوير منهج التفكير.
لكنني عندما أقول إن منطق أرسطو لم ينتقد طيلة ألفي عام، فإنني أقصد تاريخ علم المنطق داخل السياق الثقافي الأوروبي. اما داخل تراثنا الثقافي العربي الاسلامي فكانت له سيرة أخرى مغايرة. حيث إن تنبه الفكر الاسلامي إلى وجوب تجديد علم المنطق مع ابن تيمية والسهروردي والنوبختي.
وعوداً إلى كتاب أرسطو، نلاحظ أنه يبدأ بكتاب المقولات العشر. أي الحالات العشر التي بمقتضاها يمكن لمحمول أن يكون مسبوقا بموضوع. وفي تحديده لهذه المقولات العشر الناظمة للتفكير في التحديد الأنطولوجي لموضوع المعرفة كان أرسطو بذلك يحدد قوانين مفردات التفكير، أي التصورات. لكن هذه المفردات أو الحدود تترقى إلى درجة التركيب، فتصير عندئذ عبارة. وهذا ما جعل أرسطو ينتقل إلى تسطير الكتاب الثاني باري أرمينياس أي كتاب العبارة، الذي يبحث فيه قوانين تركيب التصورات. وهو الكتاب الذي نقله إلى العربية إسحاق بن حنين. وإذا كان تركيب التصورات يعطينا عبارة، فإن العبارات أيضا يمكن أن تتركب، فتصير قياسا (الكتاب الثالث، وقد نقله إلى اللسان العربي المترجم تذاري). وإذا انتظم القياس وفق قوانين صحيحة صار برهانا(الكتاب الرابع، وقد ترجمه أبو بشر متى بن يونس القنائي عن نقل إسحاق بن حنين إلى اللغة السريانية). والبرهان هو أرقى وأعلى نمط من أنماط التفكير، ولذا فهو ممايز للأنماط الأخرى التي تقوم على الجدل (كتاب الطوبيقا وقد نقله إلى العربية أبو عثمان الدمشقي)، أو تلك التي تقوم على الأغاليط المموهة (سوفسطيقا) وقد تعرف عليه العرب بنقل متعدد، فبعض فصوله نقلها يحيى بن عدي، وأخرى نقلها عيسى بن زرعة، وثالثة من نقل قديم منسوب إلى الناعمي. أو نمط الخطابة القائم على التأثير النفسي البلاغي (كتاب ريطوريقا)، أو نمط القول الشعري (بويطيقا) الذي يتوسل الخيال للتأثير العاطفي.
من هنا ينبغي أن نتنبه إلى مسألة مهمة، وهي أن متن الأورغانون لا يبحث فقط علم المنطق، ولا يحدد القياس البرهاني فحسب، بل يتخطى ذلك إلى بحث ما ليس بقول منطقي، وذاك من باب تمييز الأشياء بأضدادها.
لكنك إذا أردت أن تختصر كتب الأورغانون وتحذف منها ما ليس منطقا، لابد لك من الكتب الأربعة الأولى (أي كتاب المقولات، والعبارة، والقياس، والبرهان).
فهذه هي مكونات النسق المنطقي الصوري. وإذا أردت مزيدا من الاقتصار والاختزال، فالتمس منطق أرسطو في كتابين اثنين هما القياس والبرهان. ولا سبيل هنا إلى التفصيل في أشكال الأقيسة وأضربها المنتجة وغير المنتجة، ولا الإيغال في بيان عقم المنطق الأرسطي في جملته. فالحديث في هذا لا يصلح له نثر الكلام، إنما لكي تستوعب المنطق تحتاج إلى المران عليه، فهو سهل الإدراك إذا تمرنت عليه كما تتمرن على الجبر؛ لكنه عصي مستغلق إذا قرأته كنص نثري، أو نظم شعري (مثل متن السلم الذي يدرس في بعض المعاهد والكليات الإسلامية اليوم)؛ لأنه عندئذ يكون مجرد درس يلقى بلا منهج، وقواعد تنثر بلا إجراء وتطبيق.