تحقيق: إيمان سرور
الصحة النفسية لا تقل أهمية عن الصحة الجسمية، إن لم تكن هي الأساس بل والسبب في كثير من الأمراض العضوية أو الجسمية، وذلك لما يواجهه الإنسان من ضغوط الحياة ومشكلاتها التي أفرزت عدداً هائلاً من البشر الذين يعانون الاضطرابات النفسية وبالتالي الجسمية .
ويمكن تعريف الضغط النفسي أو الاضطراب النفسي بأنه تعّرض الفرد إلى صعوبات أو مشكلات يشعر أنها أكبر من طاقته فلا يستطيع تحملها .
يعترف القائمون على التربية والصحة النفسية أن هناك مشكلة كبيرة في مدارسنا، حيث يعاني طلابنا ضغوطاً نفسية يتسبب فيها أولياء الأمور "الأسرة" والمدرسة والمجتمع، وتفيد أبرز الدراسات وأحدثها أن نسبة انتشار الاضطرابات النفسية لا تقل عن 40% بين الشباب والمراهقين، الأمر الذي يلقي بظلاله على مجمل الحياة اليومية لهؤلاء الشباب، ولاسيما طلاب المدارس من حيث وجوب تركيزهم وانتباههم واستيعابهم لموادهم الدراسية، وتأثير ذلك في دافعيتهم وصحة تفكيرهم وانتظامهم في دراستهم، خاصة أن الأطفال يعانون الضغوط النفسية وبالتالي الجسمية أكثر من الكبار، ربما بسبب قلة خبرتهم في مواجهة مشكلات الحياة .
التحقيق الآتي يكشف عن مدى حاجة مدارسنا اليوم للتوعية والاهتمام بالصحة النفسية للأبناء بعد أن لمسنا تفشي بعض أمراض العصر ومنها الاكتئاب النفسي والقلق والتوتر، الذي كشفت عنه إحدى الدراسات التي أجريت في مدارس إمارة أبوظبي بأن 9 .23% من الأطفال بين عمر 6 و15 عاماً يعانون مشاكل في الصحة العقلية تتمثل في اضرابات الاكتئاب والقلق والتوتر والعصبية المفرطة التي تصل إلى حد العنف .
كما نبحث مع عدد من التربويين والاختصاصيين النفسيين والاجتماعيين أسباب تفشي هذه الأمراض والحلول الناجعة التي ينبغي أن تقدمها الجهات المعنية للتخفيف من حدتها وما ينتج من عنف مصاحب لها داخل المدارس .

برامج صحية

في البداية يقول الدكتور عامر الكندي مدير إدارة الصحة المدرسية بمجلس أبوظبي للتعليم: هناك كثير من العوامل التي تؤدي إلى اكتئاب الطالب وكرهه لمدرسته تتمثل في عدم رضاه عن شكله الخارجي ومنها بدانة جسمه، وتسوس أسنانه، حيث تشكل البدانة بين طلبة مدارس أبوظبي نسبة 40%، إضافة إلى معاناة 75% من الطلبة الصغار بين الخامسة والسادسة من تسوس الأسنان، ما ينعكس على نفسية الطالب وبالتالي يؤدي ذلك إلى غيابه المستمر عن الدراسة خوفاً من أن يتعرض للسخرية من أقرانه، وهذا بالطبع سيؤدي إلى الأداء المتدني والضعف الدراسي لديه، الذي يزيد من خلق معاناة له تتمثل في اضطرابات نفسية ووجدانية .
لذلك يتوجب الاهتمام بصحة وسلامة وغذاء الطلبة في المدرسة والمنزل لكونها من أهم العوامل المساعدة لتطوير أداء الطلبة وتعزيز ثقتهم بأنفسهم، وبالتالي تحسين المخرجات التعليمية، حيث تبين أن الاكتئاب والشعور بالدونية مؤشران قويان على مستوى التحصيل الدراسي .
إن مبادرة برامج تعزيز الصحة المدرسيّة التي أطلقها المجلس في شهر أكتوبر الماضي وأشرك فيها نحو500 تربوي وتربوية ستعمل على تحديد البرامج الصحية الملائمة وتوفير مصادر التمويل اللازمة، إضافة إلى تقديم الدعم اللازم للمؤسسات المعنية التي تمتلك القدرات الفنية لتطبيق هذه البرامج في المدارس، وأظهرت البحوث أن الصحة المدرسية تتطلب إعداد وتنفيذ برامج وسياسات متكاملة وشاملة من ضمنها برامج الصحة النفسية .

خدمة نفسية

وتقول أمل عبدالله الجنيبي رئيسة فريق خدمات التربية الخاصة في مجلس أبوظبي للتعليم ان أهمية الخدمة النفسية المدرسية تكمن في اهتمامها بالتركيز على تدعيم أنماط السلوك الايجابية وتنميتها لدى الطلاب، وكذلك التدخل لتعديل أنماط السلوك السلبية ويمثل ذلك غاية التعليم بصفة عامة، فوظيفة المدرسة لم تعد تقتصر على حشو ذهن التلاميذ بالمعلومات فحسب وإنما تمتد إلى الاهتمام برعاية نمو شخصياتهم نمواً متكاملاً بأبعاده المختلفة جسمياً وعقلياً وانفعالياً واجتماعياً وخلقياً ومهنياً، لتحقيق أقصى قدر ممكن من النمو المتكامل والتوافق الشخصي والاجتماعي .
الطالب لا يعيش بمفرده بمعزل عن الآخرين في المجتمع الخارجي، بل يعيش في علاقات اجتماعية تفاعلية مستمرة مع البيئة ومتغيراتها المتلاحقة، ما يتطلب منه التوافق الإيجابي مع تلك المتغيرات في هذه البيئة، وربما ينشأ عن ذلك ظهور بعض الاضطرابات السلوكية أو المشكلات النفسية والاجتماعية، ومن هنا يمكن تحديد أهداف الخدمة النفسية المدرسية في صورة هدف عام وأهداف فرعية، حيث يتمثل الهدف العام بالعمل على تنمية شخصية الطلاب نمواً متكاملاً ومستمراً في أبعاده المختلفة الجسمية والعقلية والنفسية والاجتماعية والخلقية والمهنية وغيرها لتحقيق مستوى أفضل من التوافق والصحة النفسية، فيما تتمثل الاهداف الفرعية بالعمل على تكوين "بناء" مفهوم إيجابي عن الذات والآخر عن البيئة وتقبل الذات وتطويرها، وتنمية قدرة الطلاب على إقامة علاقات اجتماعية إيجابية مع الآخرين في البيئة المدرسية والبيئة الخارجية، ومساعدة الطلاب على تنمية مهاراتهم الاجتماعية المهمة للنجاح في الحياة والعمل، والعمل على تنمية مهارات التواصل الاجتماعي لديهم ومساعدتهم على تنمية مهارات الصداقة والعمل على تنمية المهارات القيادية ومساعدتهم في تنمية مهارات العمل في فريق "التعاون والمشاركة الإيجابية" وتنمية المهارات الإبداعية في حل المشكلات، وكذلك مساعدتهم على تعديل اتجاهاتهم السلبية وأنماط السلوك غير المرغوبة وتنمية الاتجاهات والأنماط السلوكية الإيجابية والمرغوب بها .

ضغوط الأسرة

الدكتور صالح الجرمي مدرب مهارات التفكير المحاضر في الأساليب التربوية والمهارات الحياتية يقول: إن الأعراض والضغوط النفسية للطالب تتمثل في الخوف والقلق والاكتئاب والشعور بالنقص والغيرة والحقد والخجل والاستغراق في أحلام اليقظة والشعور بالذنب ما يؤدي هذا بدوره إلى الانحرافات السلوكية كالكذب والسرقة والعدوانية والانحرافات الجنسية وغيرها من السلوكات غير المرغوبة، أما الأعراض الجسمية فتظهر في صورة فقدان الإنسان للشهية والاضطرابات المعوية واضطرابات الإخراج واضطرابات الوظائف الحركية واضطرابات الكلام "التلعثم والتأتأة والنزعات العصبية وقضم الأظافر ومص الأصابع" واضطرابات النوم والبكاء والأحلام المزعجة والخوف من المدرسة .
والأسرة تلعب دوراً كبيراً ورئيسياً في الضغوط النفسية التي يتعرض لها الأبناء ممثلاً ذلك بالعلاقة السيئة بين الوالدين، الأمر الذي يؤدي في أغلب الأحيان إلى التفكك الأسري وعدم استقرار المناخ العائلي وخصوصًا عند وقوع الطلاق أو وفاة احد الوالدين أو فيما يتعلق بجهل الوالدين بطرق التربية السليمة التي تعنى بالعدل بين الأبناء في التعامل وإشباع احتياجات هذا الابن من الأمن والحب والاستقرار إضافة إلى انعدام الرعاية الصحية وسوء التغذية .
أما دور المدرسة في هذا المضمار، فهو لايقل عن دور البيئة الأسرية، إذ إن عدم توافق المادة الدراسية مع القدرات العقلية للطالب أو مع ميوله النفسية، إضافة إلى الأساليب غير التربوية التي تتبع في التعامل مع الأبناء في المدرسة من إيذاء نفسي وبدني، كل هذا يقض مضاجع نفسيات هؤلاء الأبناء ويلقي بظلاله السلبية على سلوكياتهم، علاوة على بعد المسافة بين البيت والمدرسة في كثير من الأحيان، وخاصة إذا كان الطالب يسير مسافة طويلة، أضف إلى ذلك انعدام وسائل الترفيه الضرورية له ولزيادة نشاطه، وسوء التغذية الصحية في كثير من المدارس والخالية من المكونات الغذائية اللازمة، وأناشد الأسرة بوجوب اتاحة الفرصة دائمًا للابن كي يتحدث ويعبر عما يجيش في خاطره بكل أريحية وهدوء .

آليات جوهرية

ويلفت الدكتور بدر الحوسني موجه التربية النفسية في مجلس أبوظبي للتعليم، إلى ضرورة تطوير عمل الاختصاصي الاجتماعي والنفسي في المدارس بحيث يكون قادرًا على القيام بدوره على أكمل وجه، إضافة إلى استحداث آليات جوهرية يُستطاع من خلالها إيلاء الصحة النفسية الجانب الأكبر من الاهتمام والمتابعة ويمكن ذلك عن طريق التنسيق الحثيث والمستمر بين الاختصاصي النفساني والاجتماعي وممرض المدرسة، للعمل على تحصين الطالب وإعداده نفسياً لمواكبة متغيرات المجتمع الخارجي، وكذلك الاهتمام بتنظيم محاضرات التوعية لأولياء الأمور باعتبار الأسرة أول حاضن للطفل التي تغرس فيه الاخلاق والسلوك بصفة يومية ومنذ نشأته .
ويشير إلى أنه في رياض الأطفال ومدارس المرحلة الأساسية يمكن للاختصاصي النفساني والاجتماعي أن يكونا محطة أولية ناجحة في حياة الطلبة، لأنهما يتناولان بحث مشكلاتهم اليومية وحالاتهم التي تتفاوت في البساطة والتعقيد، فالطالب منهم، كثيراً ما يلجأ إلى العناد وعدم الطاعة، وفي مقاومته وصلابته لرأيه، أو كونه خجولاً، أو ميالاً للعزلة والانطواء، أو كونه نشطاً أكثر من المعتاد، بحيث يمتد نشاطه إلى التخريب، داخل المنزل وخارجه، أو كونه قلقاً، أو حاد الطبع، أو عصبياً، مشيراً إلى أنه ينبغي زيادة عدد الاختصاصيين النفسانيين في مدارس إمارة أبوظبي التي تعاني نقص هذا الكادر، حيث لا يتجاوز عددهم حالياً 65 اختصاصياً نفسياً على مستوى مدارس الإمارة، وذلك بمعدل اختصاصي نفسي واحد لكل 5 مدارس ما ينعكس سلبا على متابعة الحالات النفسية للطلبة وإيجاد الحلول لمسبباتها . وعلى إدارات المدارس والمعلمين تفهم مشاكل الأبناء وكيفية التعامل مع كل مرحلة ، حيث انه ليس كل حالة تبدر من الطالب تشير الى مرض نفسي لديه ويحتاج الى طبيب، فالمعلم والمدير وولي الامر ينبغي امتلاكهم لمهارات فن التعامل مع المراحل التي يمر بها الابناء واحتواؤهم، ومعرفة الانماط الشخصية، وتحليل الامور بتروٍ وصبر وحكمة .

تدخل سريع

تشير الدكتورة كريمة العيداني اختصاصية نفسية في مجلس أبوظبي للتعليم إلى أنه عندما يبدأ الطفل حياته المدرسية قد تظهر عليه بعض الأعراض النفسية، مثل الميل إلى الانطواء أو الخوف الذي لا مبرر له، وعدم القدرة على التكيف مع المجتمع المدرسي، وقد تكون الأعراض عابرة، ولكن اذا تكررت أو استمرت لفترة طويلة فينبغي التدخل السريع والبحث عن مصادر القلق والخوف المتعمقة جذورها بداخله .

صراعات داخلية

وتؤكد الاختصاصية النفسية في مجلس أبوظبي للتعليم هاجر الحوسني، أن العلاج النفسي سواء عن طريق اللعب أو الرسم، والرحلات الترفيهية يساعد على اكتشاف الصراعات الداخلية لدى الطفل، مثل الخوف، أو الشعور بالنقص، أو الاكتئاب والقلق، وعلى ضوء معرفة سبب الاضطرابات النفسية يتجه العلاج لتلك الاضطرابات النفسية له .
الجانب الأكبر من العلاج يعتمد على الوالدين والمدرسة، حيث إن معظم الاضطرابات النفسية للأطفال يحتمل أن يكون سببها عدم فهم حاجات الطفل النفسية في مراحل العمر المختلفة سواء من جانب المدرسة أم من جانب الأسرة، لذلك من الأسس المهمة في العلاج النفسي للأطفال توجيه الوالدين إلى كيفية التعامل مع الطفل نفسياً والإقلاع عن القسوة في معاملته وتوبيخه المستمر حتى يمكن حمايته من الأعراض النفسية التي يعاني منها، والتي تهز العلاقة بينه وبين أفراد أسرته وأصدقائه ومدرسيه، مع ضرورة احتوائه نفسياً وعاطفياً بالتفاهم والحنان والحب حتى يكون طفلاً سعيداً بالمدرسة طوال العام الدراسي .

قوة الشخصية لا تقاس بالتحصيل الدراسي

أكد الدكتور سعود المعلا أستاذ الطب النفسي أن القلق والاكتئاب واضطرابات المزاج يشكل نسبة كبيرة من الأمراض المنتشرة في الدولة، اكثر من الذي يعانون منها في أوروبا ويكمن السبب في ضغوط العمل وضعف العلاقات الأسرية والاجتماعية، والنظرة المجتمعية للأهمية الشخصية وقياسها .
وأشار إلى أن نحو40% من شبابنا اليوم لا يمتلكون الجرأة والثقة بالنفس ويخافون من الدخول في منافسات عالمية مع أقرانهم، وتسيطر عليهم حالات الخوف والقلق على المستقبل بعد التخرج، حيث يخشون المنافسة للفوز بالوظيفة عند التقدم لها وهذا نابع من ثقافة المجتمع الذي لايؤمن الا بالدرجات والشهادات العلمية ولا ينظر الى الثقافة وقوة الشخصية والذكاء العملي واللباقة .
وكذلك الحال بالنسبة للآباء، الذين لا يقيسون شخصية الطالب إلا من خلال تفوقه الدراسي ومقارنته مع بقية ابناء العائلة والمقربين والأصدقاء، ما يولّد لديه الاحباط والقلق والخوف من المستقبل وزعزعة ثقته بنفسه .