كتابات كثيرة وعديدة تناولت تاريخ مناطق متعددة في العالم، وخصوصاً تلك المناطق المؤثرة عسكرياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً، وتلك الكتابات أصبحت الآن من المراجع والمصادر الأساسية للدارسين والباحثين في شتى علوم المعرفة، من هنا تأتي اهمية كتاب وصف قلعة مسقط - وقلاع أخرى على ساحل خليج عُمان وهو من تحقيق صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، حيث اصبح مرجعية للمعنيين في تاريخ وجغرافية المنطقة، من خلال القلاع التي يتناولها الكتاب بالدراسة والوصف، وهي مسقط وقريات ومطرح والسيب وبركاء وصحار وكلباء وخورفكان والبدية ومدحا ودبا.

إن الكتاب يكشف الكثير من الجوانب التفصيلية سواء السياسية منها أو الاقتصادية أو في ما يتعلق بالبشر ونشاطهم الزراعي أو التجاري أو الحرفي والمهني، ويلقي الضوء على الأبعاد الدينية والاجتماعية والثقافية والإدارية لهذه القلاع والمناطق المحيطة بها، إلى جانب أنه عمد الى إزالة اللبس أمام الباحثين حول مؤلفي الكتاب، في بدايته، حيث نجد أنفسنا ملزمين بالثناء على تحقيق متميز، قدم رؤية تاريخية وجغرافية من خلال تحديد الإطار المكاني (منطقة ساحل عمان بحدودها)، والإطار الزماني في الفترة من 1588 وحتى العام ،1632 حينما أمر الملك فيليب الثالث ملك البرتغال نائب الملك في غوا بأن يرسل له وصفاً مفصلاً حول القلاع البرتغالية، أو المحتلة من قبل البرتغال في افريقيا والجزيرة العربية والشرق الأوسط، فأوكل المهمة بدوره الى انطونيو بوكارو الذي كان يشغل منصب مدير مركز الوثائق الملكية في غوا ويشغل في الوقت نفسه منصب المؤرخ الرسمي للبرتغال الهندية، حيث قام بإتمام كتابه باروس وكونو الذي يروي تاريخ البرتغال في الهند وإفريقيا وشرقي آسيا ومنطقة الخليج، وذلك بإضافته الجزء الثالث عشر الى الكتاب نفسه، والذي كان يغطي الأحداث حتى العام ،1717 واقترح بوكارو أن يقوم بإعداد الرسومات المصاحبة للوصف سرو بارتيو دي ريسنده سكرتير الملك في ذلك الوقت، اضافة الى انه كان مسؤولاً عن تمويل العديد من القلاع، فجمع الكثير من المعلومات عن القلاع للكتاب، كما ذكر ريسنده نفسه، والذي رسم 52 لوحة عن القلاع لهذا الكتاب.

ويضيف محقق الكتاب موضحاً، وما ان فرغ انطونيو بوكارو من كتابه، حتى اقترح على نائب الملك أن يتضمن كتابه الخرائط والرسومات التي قام ريسنده بإبداعها وبالفعل اضيفت الرسومات الى النص الذي كتبه بوكارو وارسل العمل الى البرتغال في العام 1635 حيث يوجد النص الأصلي في المكتبة الوطنية في ايغور في البرتغال، وكان الكتاب يسمى انطونيو بوكارو - كتاب المخططات لجميع القلاع والمدن والمستوطنات في ولاية الهند، من دون ذكر اسم ريسنده، لذا قامت الادارة في المكتبة الوطنية في ايغور في البرتغال بتسجيل النسخة الموجودة لديها من الكتاب باسم انطونيو بوكارو وبدروبا ريتودي ريسنده وعندما صدرت الطبعة الحديثة للكتاب على يد إيزابيل سيد صدرت باسم المؤلفين معاً، وهو ما يفسر تعدد النسخ الموجودة في المكتبة الوطنية في لشبونة وأكاديمية العلوم في لشبونة والمكتبة الوطنية في باريس والمكتبة البريطانية - سيلون - وهي التي قام صاحب السمو حاكم الشارقة بتحقيقها.

وصف تفصيلي

أما مضمون الكتاب فيقدم وصفاً تفصيلياً لهذه القلاع من خلال الموقع والبناء والتاريخ والتكلفة وقوة نيران المدفعية فيها، وعدد النقاط فيها والمساكن والمؤن والنفقات والبضائع والرواتب للعسكر والموظفين، وعدد السكان والجيوش والمهن التي تمارس داخل هذه القلاع وما يحيط بها من قرى ومدن، مما يبرز الأجواء العقائدية والعادات والتقاليد والجوانب الاجتماعية وغيرها، ففي وصفه لقلعة مسقط، والتي يؤكد المحقق ان تحسينات كثيرة أدخلت على القلعة عبر مراحل متعددة فتعتبر من أكبر القلاع، وقد أمر بإنشائها الحاكم امانويل دي سوسا كونتينهو في العام ،1588 ونفذ الأمر بدكيور كالاسا.

أما في وصفه لقلعة قريات وهي أول قلعة اقيمت في مضيق هرمز، فتقع قبل مسقط ب57،6 كم قدوماً من رأس الحد من ساحل خليج عمان، وهي مربعة الشكل، وطولها اكثر من عرضها قليلاً، حيث يوجد فيها مخزن للمؤن وآخر للاسلحة والذخيرة مع بئر مياه ولا توجد فيها مدفعية بل بنادق العسكر وتستخدم في أوقات الحرب، حيث يتم جلبها من مسقط وقت الحاجة.

ويضيف المحقق انه لم يتبق من تلك القلعة إلا البرج الذي كان على جزيرة الصيرة المتصلة باليابسة، أما الحصن العماني، فقد بني الى الشرق من موقع قلعة قريات والتي أزيلت بكاملها، حيث بنيت بلدة السيب على موقع القلعة القديمة، وكذلك قلعة بركاء التي كانت ملاذاً للمتشردين واللصوص قبل ان يستولي عليها اللواء روي فريري حتى لا تسبب المشاكل الى مسقط، ليؤكد ان أهمية ميناء بركاء بالنسبة لسكان مسقط التي تحتاج الى المؤن والطعام والبضائع من الخارج.

وبعد ان يصف قلعة كلباء من حيث الموقع وتوزيع الجدران والأسوار فيها وشكل البناء، يروي كيف استولى غاسبارليتي على القلعة بأمر من اللواء روي فريري في العام 1624 لأن حاكم هرمز كان تابعاً لملك البرتغال، وقد هاجمها أمير القواسم الشيخ محمد القاسمي، ويضيف في تعليقه ان ما تبقى من قلعة كلباء فقط الحصن الذي كان بداخل القلعة، وقد لحقته بعض الترميمات.

ويوضح الكتاب أن قلعة خورفكان، والتي بنيت على شكل مثلث وبها ثلاثة معاقل مثلته في الزوايا الثلاث منها، فقد بناها غاسبار ليني عام 1620 وأن اساس القلعة المثلثة على شاطئ خورفكان لا يزال موجوداً في البلدة القديمة، بينما يصف قلعة البدية بأنها مربعة الشكل، وقد بناها العرب الا ان مانيودي سيابرا استولى عليها في العام ،1623 بأمر من اللواء وكانت حاميتها تضم ضابطاً ومعه عشرون عسكرياً.

ويحدد موقع قلعة ماحا التي تبعد ب9،6 كم من خورفكان، وأنها مبنية على شكل مربع وبها أربعة معاقل على ضفة جدول عذب الماء، وعلى بعد طلقة بندقية من سفح الجبل، وبها العديد من البساتين المثمرة من النخيل، بفعل مياه الآبار، ولا يوجد بها أي أثر حالياً، بينما يحدد بعد قلعة دبا عن قلعة البدية بحوالي 9،6 كلم باتجاه امتداد الساحل جهة الشمال، وبعد ان يحدد قوة المدافع فيها وأنواعها يذكر ان الأمام ناصر بن مرشد اليعربي، وهو زعيم المناطق الداخلية، قد بنى بعض الأبراج فيها كشكل من أشكال من منع الفاكهة من الجني، وقد بنيت بأمر من اللواء روي فريري الذي استولى على القلعة الرئيسية في العام 1924 وقد تمت السيطرة عليها بواسطة المتمرد خميس الذي كان متعاوناً مع البرتغاليين.

ويوضح الغاية من إحكام القبضة على هذه القلاع والحفاظ عليها، اضافة الى انها تخص ملك هرمز كما أنها تدعم اسطول المراكب الذي يحرس المضيق باستمرار، ويؤمن الاشياء الضرورية، ويؤكد ان كل ما تبقى من قلعة دبا هو ذلك الحصن الذي كان به برج دائري، ولكنه تحول بعد ازالته الى برج مربع، وأن كل ما تبقى من الحصن الداخلي هو المعقل الجنوبي الغربي فحسب.

كما يتناول الكتاب وبالتفصيل تكاليف ادارة هذه القلاع، والتي كان يتم دفعها من قبل المحطة التجارية، كما يوضح عائدات مصلحة جمارك مسقط، وما تضيفه الى خزانة جلالة الملك، كما يبرز دور الأماكن الرئيسية للرحلات التجارية وهي كنبح والبصرة والسند والكتش وقشم وبساني في الهند اضافة الى بعض الاماكن الأخرى.

من الواضح ان صاحب السمو في تحقيقه اعتمد على مصادر متعددة وبأكثر من لغة، الى جانب مراجعته للوثائق البرتغالية والإسبانية والفرنسية والانجليزية، وهو ما يسهل الكثير من المعلومات والمرجعية للدارسين عن الفترة التاريخية والعملات والمواقع وطرق البناء، اضافة الى أنواع ومسميات الاسلحة والمناطق، كما وفر الالمام بالجوانب الزراعية والاجتماعية والمعيشية الى جانب العلاقات بين المستعمر والشيوخ والأمراء وأهالي القلاع والثغور، مما يسمح بالاطلاع المحقق على جغرافية المنطقة وتاريخها.