تعمد المجتمعات دائماً، وهي تبني وجودها وهيكليتها، الى توفير الأسس التي تدعم بقاءها ضمن المسيرة الانسانية، وبشكل يجعلها قادرة وباستمرار على انتهاج طريق التطور والتغيير، مستوعبة أن يكون الانسان هو الدعامة الأولى والحقيقية لهذه الأسس، الى جانب ما تقوم به ثقافة هذه المجتمعات من دور حيوي في التعبير عن تطلعات الانسان فيها، ومن هذا المفهوم يأتي اهتمام الشارقة بإقامة مرتكزات ثقافية هدفها الأول، هو السعي نحو المحافظة على الهوية العربية الاسلامية بأبعادها المختلفة، والتي يترسخ من خلالها الملامح الثقافية الوطنية التي تحترم الانسان ودوره الحضاري في تطور المجتمع وتقدمه، وهذا ما جعل للمرأة الاماراتية مكانتها ودورها الحضاري، عبر ما تمخض عنه المشهد الثفافي والاجتماعي من فعاليات وبرامج تنوعت في موضوعاتها وقضاياها، تلك البرامج التي كانت من الفاعلية لتحقق وتجسد أهمية وقوة علاقة المرأة بالمجتمع الذي تعيش فيه، وتشارك في حراكه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي.

شهد العام 1990 تأسيس رابطة أديبات الامارات، في نادي المنتزه، بعدما تكاتفت جهود نخبة من الكاتبات والأديبات الاماراتيات، وكان في مقدمتهن شيخة الناخي وصالحة غابش وأسماء الزرعوني وفتاة دبي وكلثم عبدالله، حيث تمكنت هذه المجموعة المتقدمة من بلورة اهداف تجمعهن في هذه الرابطة، والتي من أهمها، توفير المناخ المناسب للمواهب من أصحاب التجارب الأدبية النسوية، في اظهار نتاجهن الشعري والقصصي والروائي، في مجتمع يمتلك خصوصية، مع اعطاء الكاتبة المرأة الفرصة للالتقاء بالأدباء والنقاد، بهدف تسليط الضوء على تجاربهن الابداعية، ودعم الساحة الأدبية المحلية بأسماء نسائية تشارك في ترسيخ مفهوم الهوية الثقافية والتي تتسم بملامح مجتمع الامارات العربي المسلم، الى جانب الاسهام في تنظيم الفعاليات والأنشطة الأدبية والثقافية على المستوى المحلي والخليجي والعربي، والسعي نحو التنسيق والتعاون مع المؤسسات الثقافية المعنية لدعم المسيرة الثقافية، مع التخطيط لنشر ابداعات المرأة الاماراتية عبر توفير الدعم المادي والاداري والفني والمعنوي.

وبمرور الوقت ازدادت المسؤولية أمام العقبات والتحديات التي واجهت هذا التجمع المتعطش لابراز أهمية دور المرأة المبدعة في الحراك الذي تشهده دولة الامارات على كافة الصعد، مما حدا به الى تطوير هيكلية رابطة الأديبات، التي اتخذت من نادي المنتزه للفتيات منطلق الشرارة الأولى، والذي أصبح بعد ذلك ما يسمى أندية الفتيات في الشارقة، لذا قرر مجلس ادارة الأندية برئاسة سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي، تخصيص ادارة مستقلة ومتفرغة للعمل في رابطة الأديبات، على ان تبقى تحت ظل الدعم والرعاية من مجلس ادارة الأندية.

ومن خلال رؤية سموها وايمانها بأهمية القلم الأدبي في ايصال ثقافة المجتمع وحضارته المعبرة عن حقيقة وجوده، أصبحت الرابطة واحدة من المنظومات التي توظف كل إمكاناتها لتقديم الخدمات والاهتمام لأكبر قطاع ممكن في مجتمع الامارات، خصوصاً بعد بروز دور الرابطة ونجاحها في الأخذ بيد الأقلام النسائية المبدعة، في الوقت الذي كانت فيه المرأة تتلمس طريقها في مجال الكتابة الأدبية، وهو ما اسهم في أن تأخذ مكانتها على الساحة المحلية والعربية، وبعدما نجحت في جذب وانضمام الشاعرات والكاتبات الاماراتيات تحت لوائها، ما أتاح لهن تشكيل انطلاقة قوية هيأت للكاتبة المرأة، السبيل للتواجد خارج محيط الرابطة والاشتراك بفاعلية في البرامج الثقافية والأدبية داخل الدولة وخارجها. وذلك انطلاقاً من ايمان سموها بأن الكاتب والمبدع هو المسؤول أمام كل كلمة يكتبها متكئاً على معرفته وانتمائه للماضي والحاضر والمستقبل، خصوصاً ان التجارب الابداعية تمثل اعلى مراتب الانسانية في تواصلها مع ثقافتها وهويتها من جهة، ومع الآخر من جهة أخرى، وهو ما جعل سموها توجه كل دعمها لرابطة الأديبات من خلال نهج تطويري، يواكب كافة معطيات العصر، ما يتيح للرابطة، التوجه بخطوات ايجابية نحو ايجاد لغة مشتركة مع ثقافات وحضارات العالم عبر الأدب والمسرح والسينما والتشكيل وكافة مجالات الإبداع.

هذه الرؤية المبنية على ثوابت واضحة، أفسحت المجال أمام رابطة الأديبات للتحليق في فضاء أوسع وارحب ومكنتها من التواجد بخصوصيتها وشخصيتها، وهي تنشر ابداع المرأة الاماراتية من خلال برامجها الثقافية، والتي تضم الأمسيات الشعرية والقصصية والنقدية واللقاءات الفكرية والأدبية محلياً وخليجياً وعربياً، ما أنار الدرب أمام مجموعة كبيرة من الكاتبات والمبدعات الاماراتيات، سواء كانت واعدة لتضع خطواتها الأولى على درب الأدب، أو مبدعة تحمل اسمها المعروف وتثبت اقدامها في مسيرة الابداع، في ظل من الحرية الفكرية والأدبية، إضافة الى ما تتبناه من مسابقات تشجيعية تحفز من خلالها الأصوات الجديدة على تخطي العثرات والعراقيل، التي تواجهها، ومساعدتها على متابعة مسيرتها الأدبية، وتحمل مسؤولياتها تجاه مجتمعها.

وفي قراءة ومتابعة لما قدمته رابطة الأديبات منذ تأسيسها في العام 1990 وحتى الآن، سنجد في البداية أنها اطلقت نشرتها اشرعة التي تهتم بإبداعات المرأة في الفكر والأدب والثقافة، انطلاقاً من أن الفعل الواعي، هو الذي يجسد الارادة الجماعية، وان الرابطة تمثل الساحة الجديدة، والأفق الأرحب، أمام المرأة المبدعة، لإبراز فاعليتها من خلال مجموعة من الأنشطة والفعاليات الثقافية، والتي تتيح لها المشاركة المحلية والخارجية عبر محيطها الأوسع، والى جانب اشرعة تبنت الرابطة، اصدارات أدبية وفكرية أثرت الساحة الثقافية في مختلف فنون الأدب ومن ابرزها نسمات من الوطن ويضم مجموعة من القصص القصيرة والقصائد لجيلين من المبدعات، ومن آداب الغوص وهو من تأليف موزة الهامور، ويتحدث عن مرحلة الغوص وصيد اللؤلؤ، ويصور كيف كانت الحياة على أرض الامارات والملحمة التي كتبها من قطعت حبال الغوص ايديهم، ولوحت الشمس وملوحة البحر بشرتهم، وملامح الشجاعة والصلابة والصبر للإنسان الاماراتي، في مواجهة قسوة الطبيعة، وتوفير متطلبات الحياة الضرورية. اضافة الى رصد الملتقيات التي اقامتها الرابطة، خلال ال 15 عاماً الفائتة، والتي رصدت من خلالها الكاتبات السعوديات والمرأة والثقافة والتجربة الروائية لكاتبات الخليج والمرأة والمسرح ونافذة على أدب الطفل وفكر الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي قراءات ورؤى وواقع الأدب المعاصر في ظل حوار الحضارات وغيرها من الملتقيات التي وصلت الى 12 ملتقى، وثق منها 6 ملتقيات في اصدارات حديثة.

وبهذا تخطو الرابطة خطوة متقدمة من خلال هذه الاصدارات التي توثق من خلالها اوراق عمل ملتقيات الرابطة السنوية، والتي نجحت الرابطة من خلالها في ارساء تقاليد راسخة في الاحتفاء بالمرأة وإبداعها، باعتبارها عنصراً فاعلاً ومشاركاً في تفعيل المشهد الثقافي الاماراتي، وهو ما يكشف خصوصية الكتابة الإبداعية للمرأة، ما يجسد نهج الرابطة في تنظيم الملتقيات الفاعلة، التي تستضيف من خلالها ذوات المواهب الفاعلة فكرياً وأدبياً، وتحقق التواصل بين طرفي الرسالة الثقافية الإبداعية، من خلال التحاور الذي يتناول ويرصد الواقع بقضاياه، وتتفاعل مع هموم الانسان العربي ووجوده.

وتقيم الرابطة ايضاً ملتقيات أخرى عدة منها ملتقى المبدعات الناشئات ويهدف كما اشارت شيخة الناخي الى تشجيع المبدعات المبتدئات على الاستمرارية في الكتابة الابداعية وتمكينهن من التواصل مع الرابطة والاطلاع على التجارب الجديدة في كتابة القصة القصيرة، واستيعاب أدوات الكتابة وآفاق الإبداع الرحب، بحيث تحتضن الرابطة هذه المواهب من خلال توفير الأرضية الخصبة لاثراء عطائهن وتنوير دربهن، خصوصاً أنه يتبنى المبدعات الناشئات الفائزات في مسابقة القصة القصيرة التي تتبناها الرابطة، الى جانب الورش الفنية في الاجناس الأدبية مثل الشعر والقصة والرواية والكتابة المسرحية والدرامية، حيث تلم الناشئات بفنيات القص وعلم العروض والعناصر الفنية ما يصقل ما لديهن من موهبة، وبالتالي يتمكن من ابراز نتاجهن الأدبي بمعرفة علمية وفنية ترفع من مستوى موهبتهن.

وتتبنى الرابطة مجموعة من المسابقات الأدبية، وترصد لها الجوائز التشجيعية والمادية، بهدف تسليط الاضاءات النقدية والاكاديمية على النتاج الأدبي للناشئة لمواصلة ابداعها، وتذليل الحواجز النفسية التي قد تعرقل هذه الأقلام الواعدة عند الناشئات وتوعيتهن بأهمية الرسالة الأدبية، والاسهام في الحراك الثقافي والاجتماعي، مع مساعدتهن على تحقيق الذات وتأهيلها في بيئتها المحلية والعربية، ووضعهن أمام التحديات ومواجهتها بالعمل الابداعي. ومن أهم هذه الجوائز، جائزة المرأة الاماراتية في الأدب والفنون، والتي وصلت هذا العام الى دورتها العاشرة، وهي جائزة تتوج نهج سمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي في دعم المشروع الثقافي الاماراتي والعربي. ومن فروعها، الجائزة الأدبية في الشعر والقصة القصيرة والدراسات الأدبية، وجائزة الفنون البصرية والفن التشكيلي، ومسابقة القصة القصيرة للناشئات في دورتها الثامنة، ومسابقة شمائل الشعرية في دورتها الثانية، ووضعت لهذه المسابقات جوائز قيمة مادية وتشجيعية تتناسب مع اهداف الرابطة في تشجيع وتمكين الناشئة من التواصل مع المؤسسات والانفتاح على تجارب جديدة، واستيعاب العناصر الفنية وفتح الأرضية الخصبة لإثراء تجاربهن.