خلال ممارستي الإعلامية والتخصص في الثقافة الشعبية تحديداً ولسنوات طويلة، لم أتطرق إلى الحديث عن الضياع، وإنما كتبت عن تباهي الشاعر بلهجة غير لهجته، واستخدامها في نصه الشعري، ما يؤثر في وجود هويته في النص، ويتخذ هوية ووطناً شعرياً آخر غير وطنه، وهذا الأمر كثر في فترة من فترات التجريب في الشعر الشعبي، نظراً لتأثر بعض الشعراء الشباب بما قدم إليهم من تجارب من البلدان المجاورة بسبب تأثير الإعلام المكثف والبارز في تلك الفترة مثل مجلة المختلف الكويتية التي تعتبر من أوائل المجلات الشعرية الشعبية الخليجية وصدرت عام 1989 أي قبل الغزو العراقي للكويت، ونشرت لشعراء كثر أمثال سعد علوش، وحامد زيد، وبدر بن عبدالمحسن، وخالد الفيصل، وفهد عافت، ومساعد الرشيدي وغيرهم، كذلك الدواوين المسموعة لهؤلاء الشعراء، وأصبح الانبهار بتلك التجارب كبيراً، ودخلت مفردات مثل حتّيش، مير، طخطيخ، مهايط وغيرها، ثم كان التصحيح من قبل القائمين على الملفات الشعرية في الإمارات بمناداتهم بضرورة أن يكون للنص الإماراتي هويته، وأن يبتعد الشاعر الإماراتي عن استخدام المفردات التي يكون لها خصوصية مكانية، أو يتم التعاطي معها من خلال جزء من وطن آخر، بل ووصل الأمر بعدها إلى الحديث عن ضرورة أن يمثل النص كل الجغرافيا التي ينتمي إليها الشاعر، ولا يمثل حدود قريته أو مدينته فقط، ثم تطور الأمر إلى الحديث عن لغة بديلة عن اللهجات التي تحتوي على خصوصية مكانية وتستخدم على نطاق ضيق، ليكون للشعر الشعبي رسالة واضحة تصل إلى المرسل إليه بلغة واضحة .
وهذا الأمر ارتبط بنظرية التلقي ارتباطاً وثيقاً، فإذا استطاع الشاعر أن يربط القارئ أو المستمع به، ويشركه معه في نصه لغة وفهماً، فإن رسالته تكون قد وصلت، وإن انقطع حبل الوصل فإن هذه الرسالة ستكون غير مفهومة، وستصبح بلا فائدة .
هنا أرى أن أقسم عنوان هذه الدراسة إلى قسمين، ضياع / مفردة إماراتية الضياع: هو فقد الشيء أو غيابه .
المفردة الإماراتية: كلمة مرتبطة بجغرافيا، والمقصود بها اللهجة، واللهجة كما تعرف على أنها لُغَةُ الإِنسان التي جُبِل عليها فاعتادها، وهي طريقةٌ من طرق الأداء في اللغة، مثال : فلان شديد اللهجة، فصيح اللهجة، قروي اللهجة، وإماراتي اللهجة .
وحين نربطها بالجغرافيا فهذا يعني أننا نريد ربطها بهوية، وهويتها هنا الإمارات .
موضوع الضياع كبير وفضفاض ومبالغ فيه، فأنا قبل أن أتطرق إلى الحديث عن موضوع المفردة بمسمى آخر، لا أرى أن هناك ضياعاً للمفردة الإماراتية، سواء أكان في الشعر أو غيره، فهي حاضرة في الشعر، ويتم استخدامها بما يناسب الفترة الزمنية التي تتعامل معها، كذلك هناك استخدام للمفردة باستخدام بعض الرموز الوطنية أو مسميات المعالم التراثية، أو الأدوات التراثية أيضاً والتي لا تزال تتداول إلى وقتنا الحاضر .
ولأن المفردة وسيلة من وسائل التوصيل والاتصال، فلا بد لهذه المفردة وهي وسيلة صادرة عن المرسل من أن تدل طريقها إلى من تريد الوصول إليه، وأن يتعرف في الجانب الآخر المرسل إليه عليها وعلى محتواها حتى يفهمها ويتعامل مع رسالتها .
والتطور في المفردة حسب معطيات الحاضر لا يعني ضياعها، إنما يعني من وجهة نظري تطويرها بما يناسب الوقت الذي تعيشه، فتطور اللغة أمر طبيعي، ولم يقتصر على الشعر الشعبي، إنما يشمل الشعر الفصيح، فلغة الشعر الجاهلي تختلف في مفردات كثيرة عن لغة العصور التي تلته، فمثلاً هناك مفردات استخدمها امرؤ القيس في العصر الجاهلي قل استخدامها، أو لم تعد صالحة للاستخدام في هذا العصر، لأنها تحمل خصوصية زمن ومكان .
أفهم في هذا الوقت امرؤ القيس حين يقول:
أفاطِمُ مهلاً بعض هذا التدلل
وإن كنتِ قد أزمعت صرمي فأجملي
وَإنْ تكُ قد ساءتكِ مني خَليقَةٌ
فسُلّي ثيابي من ثيابِكِ تَنْسُلِ
أغَرّكِ مني أنّ حُبّكِ قاتِلي
وأنكِ مهما تأمري القلب يفعلِ
لكني لا أفهمه كثيراً وأحتاج إلى مراجعة:
فظل العذارى يرتمينَ بلحمها
وشحمٍ كهداب الدمقس المفتلِ
أو قوله:
هصرتُ بِفودي رأسها فتمايلت
علي هضيمَ الكَشحِ رِيّا المُخَلخَلِ
ومن ضمن الأمثلة التي تحتاجها الحياة المدنية كضرورة تخاطب، قصة الشاعر علي بن الجهم البدوي القادم من الصحراء على الخليفة المتوكل في بغداد لمدحه، وقال فيه أبياتاً تمثل مفردات بيئته المقعرة:
أنت كالكلب فى حفاظك للود
وكالتيس فى قرع الخطوب
أنت كالدلو لا عدمناك دلواً
من كبار الدلا كثير الذنوب
لكنه حين عاش في المدينة، وعايش مفرداتها كتب أبياتاً من عيون الشعر بلغة تتناسب مع لغة المدينة:
عُيونُ المَها بَينَ الرُصافَةِ وَالجِسرِ
جَلَبنَ الهَوى مِن حَيثُ أَدري وَلا أَدري
أَعَدنَ لِيَ الشَوقَ القَديمَ وَلَم أَكُن
سَلَوتُ وَلكِن زِدنَ جَمراً عَلى جَمرِ
سَلِمنَ وَأَسلَمنَ القُلوبَ
كَأَنما تُشَك بِأَطرافِ المُثَقفَةِ السُمرِ
وحتى لا نبتعد عن الشعر الشعبي، سأتطرق إلى شعرائه، خصوصاً الشعراء الإماراتيين، فالشاعر الماجدي ابن ظاهر رحمه الله عاش في الفترة بين 1781-1871م وهو الأقدم والأشهر من شعراء الإمارات كما يذكر الباحثون، وهو تاجر لؤلؤ وغيص وحين أقول غيص ربما من بين الحضور من يتساءل عن معنى هذه المفردة ويحتاج إلى تفسيرها، والسبب يعود من وجهة نظري إلى اندثار هذه المهنة منذ زمن، نتيجة التطور المدني والحضاري، وبالتالي لم يعد التعاطي مع مفردات هذه المهنة حاضراً،
يقول أحد الشعراء:
ان جان متوخّذ على قماش
ما ينفعك جو المصاغير
ولم نعد نستخدم مثلاً كلمة سيب ولا مسميات السفن كالجالبوت والشوعي والبقاره، وعاد أمر حفظ هذه المفردات إلى عملية أخرى وهي التدوين والتوثيق للمفردة الإماراتية، لتكون مرجعاً مهماً للباحثين والدارسين، وربما يستفاد منها في زمن يتم فيه بث الروح في المهنة وما يتعلق بها من عملية توصيل .
الغيص إذن تعني غواص ويتضح هنا التطوير في المفردة دون المساس بأصلها، وهذا لا يعني بالضرورة أن التطوير يكون جزئياً بهذا الشكل، إنما ربما يكون ناسفاً لها، وإحلال بديل عنها .
ولأني تطرقت إلى الماجدي ابن ظاهر فإنني سأشير بإيجاز إلى بعض الأمثلة التي لا تزال باقية وبعضها لم يعد مستخدماً، مثال:
مثايلها تشوق الرامسين
إلى من ظال ظولٍ وازدحام
الرامسين كلمة لا تزال مستخدمة، وحافظ عليها الإعلام كعامل مكمل مع الشعر من خلال مسميات بعض البرامج مثل رمسة والرمسة تعني الحديث والتسامر مع الأصدقاء في الليل .
أما ظول فهي مفردة قليلة الاستخدام حالياً قد لا تجدها حتى في محركات البحث، إلا إذا عدت إلى بعض الكتب التي تتحدث عن المفردة الإماراتية وتوثقها، وتم التعاطي في هذا الوقت مع مفردة جمع لتكون الرسالة واضحة .
مثال آخر في قصيدة الماجدي نفسها:
جواهر جوخ لا رومٍ : خيار
رقومٍ دسلمي أو حمر شام
وأنا كشاعر أعترف أني لا أفهم معظم هذه المفردات ولا أستخدمها، إلا إذا عدت إلى البحث عنها، ف جوخ وروم، ودسلمي تكاد تكون غير حاضرة حالياً في الشعر الإماراتي .
الشاعر سعيد بن عتيج الهاملي شاعر آخر مهم من شعراء الإمارات 1875-1919
يقول:
يا أهل الخناييج القوايا
لي امرنقات ابسبعة ارناق
ميعادكم عيد الضحايا
وميعاد منا كل خقاق
عندي الكم بنت الورايا
شقرا على المدلاي محراق
امحسره قدم الشوايا
كن ارقبتها لمح براق
امقيظه غرسة حوايا
مارد ظليل ومثل لفلاق
مفردات مثل الخناييج، الشوايا، حوايا، لفلاق، يفهمها البعض من الذين يبحثون وراء المفردة الإماراتية، لكن هل يفهم رسالتها المتلقي في هذا الوقت؟ .
كذلك نفهم راشد الخضر 1905م حين يقول:
كاس القناعه دوم مليان
وكاس الطمع خالي ولو فيه
لكن ربما لا نفهم:
عرج الرصغ زايد نبيطه
واعواق ما شي غير فرقاك
أو:
عليك بالكوماء اللبيطه
اركب سنام ونام تكاك
نقترب قليلاً ونقرأ ما قاله الشيخ زايد بن سلطان رحمه الله:
حيّ جيلٍ يا بِلَمْثَالي
عند شهمٍ شَخصْ أوصوفَه
طرّزه اوْعنّاه في الحالي
من ذَهَبْ وِمْزين حْروفَه
بان ليِ فِي فَسْره أمْسَالي
لِلْهِوىَ اوْمَعْناه وِصْرُوفَه
الملاحظ هنا أن المفردة تكاد تكون مفهومة للعامة، لأنها اقتربت من اللغة المتداولة في هذا العصر .
مثال آخر:
ياطير وضبتك بتدريب
أبغي أصاوع بك هدادي
لي طارن الربد المهاريب
لي ذايرات من العوادي
نلاحظ مفردة ربد، وحين تبحث عن معنى هذه المفردة ستجد مثلاً: ما كان لونه مغبراً بلون الرماد، وحين تربطها بالسياق ستعرف أنه يقصد الطير، وهنا يلاحظ تفصيح المفردة .
كذلك كلمة العوادي والتي تعني العاديات .
شعراء حافظوا على المفردة المحلية:
من ضمن هؤلاء الشعراء الشاعر عبدالله بن محمد العويس الذي لا يزال ينشر المفردة الإماراتية ويحافظ على البحور الشائعة الاستخدام في الإمارات:
ماتذكر أيّام الهوى وْيَاك
وان قِلْت: مَا تَذْكِرْ!! بذَكرْك
ما شِفْت من غَلاكْ خَلاك؟
ما احيد له في يوم غَيرْك
عن عين من يبغيك ذَراك
وان سِرْت . .من مثله يقدرْك؟
أرقبْك واتْرَياك وارباك
يوم الوَعَدْ ما تي واعَذرْك
هذا وْبَعَدْ واتْحَملْ خْطَاك
وان غَرقوك الناس أعَبرْك
وليس ببعيد أيضاً، فهذا ربيع بن ياقوت شفاه الله يقول:
علموها الرقص والغنا خرّجوها البنت فنانه
دربوها كيف تتجنا تلعب الجمباز شيطانه
وفروا لها العود والفنا وهي مثل الأرض عطشانه
يوم هذا العلم هوّنا اكرها الله العلم واعوانه
الولد قاصر من الحنا ايعجنّ وايخضّب ابنانه
ان بدى بالمشي يتثنى الشعر طايح على امتانه
هايم بالخمر مدمنا نايم والبطل في احضانه
هوب هذا ريب أو ظنا شي يشاهد بالاعيانه
القضية إذاً ليست في ضياع المفردة بقدر ما هو تطويرها حتى تناسب الزمن وتتعاطى معه، وتكون رسالتها واضحة حتى لا ينقطع حبل الوصال بين الشاعر والمتلقي بما أشرت إليه من قبل نظرية التلقي وهو ما أوجد لغة بديلة مفهومة في الوطن وخارجه، لتصبح لغة الشعر الشعبي عربية، وأطلق عليها عدة مسميات مثل اللهجة البيضاء أو اللغة الثالثة، هذه اللغة التي استطاع من خلالها الشاعر الإماراتي الوصول إلى المتلقي العربي بكل بساطة ويسر .
في ظل هذا التطور في المفردة، يتبادر إلى الذهن سؤال وهو: كيف نحافظ على الهوية الإماراتية في الشعر؟ وهذا من وجهة نظري يأتي من خلال استخدام المفردة الإماراتية بمعناها الأشمل، فالتراث له مفردات، والشعر الإماراتي يتميز ببعض البحور كالردح والونة والتغرودة .
إذا قال هذا الشاعر:
أنا أمّي إماراتي ولِدْت وعشت انا فيها
وابوي امجاد عرباني وطاري ماضي اجدادي
هنا عرفنا هويته، وإذا قال:
وروحي (محمّد المغوار) ابن راشد يغذّيها
من اشعاره من افكاره، بنيت بْمجدهْ امجادي
عرفنا أنه سمو الشيخ حمدان بن محمد آل مكتوم فزاع
وهنا نموذج لبعض المفردات المستخدمة .
أخايِلْك (تِتْمَرْيَحْ)واقول إلْك بالإحسان
ترَفق (بقلبي الْمِنْحِبِسْ) في قفَصْ صَدْرِكْ
تمَرْيَحْت كَنّ المريحانه وَرَقْ ريحان
تصَعدْك وِتْنَزّلْك وارْوَحْ هوا عِطْرِك
تمَرْيَحْت كَنّ المريحانه لها جِنْحان
تهِبك مهَبّ . . وْ لا تحَرك سِوى . . شَعْرِك
سعيد بن طميشان
وهنا للشاعر نفسه، تتبين هويته من ذكر المكان:
بي شوق لو صدّيت عنّه وقفّيت
آحس به أقرب من الضلع . . للضلْع
لو ما هموم الليل ما كان سجّيت
من (شيشةْ العوهة) إلى (شيشةْ الفقْع)
أتبع طريق دبيْ . . وآناظر (الليت)
لكن دمعي يمنع الشوف والسمْع
واْذا وصلت لأوّل (دبي) . . ردّيت
كني عشقت الدرب أو كننا ربْع !!
هنا نصوص مفتوحة بما يسمى اللهجة البيضا لشعراء إماراتيين:
الورد نفس الورد له عطر واشواك
لكن وردك مختلف في المزايا
فتان ماخذ رقته من حلاياك
ومن شان عينك صار رمز الهدايا
الله يا الله الله محلاك
وحيد عصرك والبقايا بقايا
لو ضيقت عين البشر من زواياك
عيني تشوفك من جميع الزوايا
سالم سيف الخالدي
ما يفيد العِذْر من بَعْد الخطيّه
غَلْطِتِك غَلْطه لو انْ صَدْري شمالي
قِدْ تحملْت الخطايا الاوّليّه
لين من كِثْر المسامَح ضاق بالي
والخويّ إنْ ما عَرَف قِيْمَة خويّه
يَجْلِسْ لْحاله وانا بَاجْلِسْ لحالي
وْلا يعاتِبْني وَلا يشْرَه عَليّه
يَسْنِد الشرْهه على سُود الليالي
صَدْمَة الفرقا ترى ما هي قويّه
لكِنْ الصدمه جحود انسان غالي!
سعد مرزوق الأحبابي
وهنا:
تعال علمني الهوى بالتفاصيل
مادام عندك بالتفاصيل خبره
أنا ظلامٍ في الهوى وانت قنديل
خل الفجر يغتاض منك ويشره
من دون نورك كيف انا بغسل الليل
من ظلمته ويبين للعين فجره
* جزء من ورقة مقدمة إلى أيام الشارقة التراثية