القاهرة: ياسين محمد
منذ أن اصطاد طارق إبراهيم أول أفعى «أبو السيور» على ضفة ترعة قريته الصغيرة في مدينة المنصورة المصرية، أصبح صيد الأفاعي هوايته المفضلة التي تحولت بعد ذلك إلى مصدر رزق له ولأسرته. طارق إبراهيم الذي يعرّف عن نفسه باسم «طارق كوبرا» تيمناً بأفعى الكوبرا المصرية المفضلة لديه في الصيد، يعمل على تقديم عروض فنية في السيرك والمناسبات والحفلات الموسمية، ويقول: «صيد الأفاعي ليس مجرد لهو، إنما هو رزق لبعض ممارسيه، ولكنه تجارة مثل أي تجارة في مصر تأثرت بالأحوال الاقتصادية للبلاد».
تجد الأفاعي الحية التي تنتمي إلى سلالات نادرة رواجاً في البيع في أسواق متخصصة وفي حديقة الحيوان وشركات صناعة المصل واللقاح والجامعات بغرض إجراء الأبحاث الدراسية. يضيف طارق الذي التقيناه في منزله بمدينة المنصورة: «أعمل وفق تصاريح عمل من وزارتي البيئة والزراعة للصيد وحيازة حيوانات برية في مزرعتي، ولكن أحتاج إلى تصاريح وإجراءات أكثر صرامة لتوريد زواحف وحيوانات للتجارب في المركز القومي للبحوث ومركز المصل واللقاح والكليات العلمية التي تعتمد على حيوانات للتجارب»، يرى أن البيع العادي في الأسواق الشعبية المعروفة لتجارة الزواحف والحيوانات وأكثرها شهرة هو سوق الخليفة بالقاهرة أشهر أماكن بيع الحيوانات في مصر.
تتنوع الثعابين الموجودة في مصر بين 10 أنواع فقط، وتنتشر الأنواع السامة منها في المناطق الصحراوية والجبلية والمناطق الغابية شديدة الرطوبة ومنها البخاخ والتنير والطريشة والكوبرا و«الناشئة» سوداء اللون، وجميع هذه الأنواع تعيش بعيداً عن المناطق السكنية، بينما ثعابين المناطق المأهولة غير خطيرة لأنها غير سامة وهي الكربال والكرباج وأبو السيور، وهي الأنواع التي تعيش في الحدائق وشقوق المنازل القديمة وعلى جسور الترع والمصارف، أما الثعبان «آكل الحمام» فيتخصص في مصر بمص دماء الحمام والعصافير واليمام فقط. وهناك الثعبان «ذو بوز السحلية» ويعيش في المناطق المهجورة وهو يقوم بالتهويش فقط ولا يضر الإنسان.
تندرج أنواع من الأفاعي المصرية والزواحف ضمن اتفاقية واشنطن «معاهدة التجارة العالمية لأصناف الحيوان والنبات البري المهدد بالانقراض «سايتس»، ولكن تجارتها في مصر لا تعتبر جريمة مثل أنواع من الزواحف والحيوانات البرية كتمساح النيل والورل الصحراوي والضب المصري المعرض لخطر الانقراض.
أنواع الثعابين والأفاعي التي يتعامل معها طارق مثل الكوبرا التي يبلغ طولها حوالي متر ونصف المتر، والأفعى البخاخة التي ترفع رأسها عن الأرض بمسافة 60 سنتيمتراً، والثعبان السيار الذي يتميز بلونه الأصفر.
تعرض طارق للدغات من أفعى الكوبرا أكثر من مرة خلال رحلات الصيد أو تقديمه عروضاً في السيرك، ولكنه يقول إن تكرار اللدغات أكسبه مناعة طبيعية وقدرة على تكوين أمصال طبيعية لمقاومة مفعول السم في الجسم، ويقول: «مقاومة الجسم للسم تعتمد على مواد طبيعية ومضادات تفرز في الدم، وتعتمد المراكز البحثية على سحب هذه المادة من جسم الحيوانات بعد حقنها بالسم، وتصنع منها الأمصال لكن جسم الإنسان يفرز كمية أقل من الحيوانات الضخمة مثل الحصان والفيل والجمل» ويضيف: «وجود السم في دمي أصبح أمراً طبيعياً تعودت عليه، وزاد لدي من قوة المناعة وقدرتي على إفراز المصل الطبيعي».
يحكي طارق عن تعرضه للدغ خلال عروض قدمها في سيرك جوّال، حيث يقدم فقرة يضع فيها أفعى كوبرا داخل فمه، ويضغط عليها بأسنانه كي تستكين له وقال: «من الممكن أن تسقط منها قطرة سم داخل فمي، ولكني أبلعها بشكل طبيعي «ويفسر ذلك بقوله: «إن مفعول السم يسري في الجسم من خلال الدم باللدغ وإذا بلعته استفدت من فوائده التي يستخدمها الأطباء في صنع الدواء»، ويحكي عن تعرضه للدغة قوية شعر بأنها مميتة، ويقول: رأيت الموت بعيني وشعرت بأن كل شيء في الدنيا يرفضني ولم أستطع التنفس وشُل جسمي تماماً.. لا أدري كم من الوقت بقيت هكذا ولكني أفقت من جديد وكأن شيئاً لم يحدث».
ويسرد طارق موقفاً آخر خلال رحلة صيد في الريف، حيث شعر بوخز في قدمه وأعراض سريان السم في جسده فأسلم نفسه للأرض في انتظار الموت وطلب من مزارع أن يتصل بأسرته ليتسلموا جثمانه، ولكن بعد وقت من الحمى استفاق وكأنه لم يصب.
يعمل طارق في صيد الأفاعي منذ أن كان عمره 12 عاماً، ولكنه بدأ منذ 15 عاماً في تقديم عروض فنية لترويض أفعى الكوبرا المصرية واستعراضات بأفعى «البوا» العاصرة والتماسيح، وأورث مهنته نجله إبراهيم الذي بدأ مشاركته في رحلات الصيد وتقديم العروض، ويقول: «من أكبر التحديات أن عمر الأفعى في تقديم العروض شهر أو شهران على الأكثر، لذلك أضطر للصيد من جديد لتدريب أفعى كوبرا جديدة لتعرف ما هو مطلوب منها، وأتحكم فيها كي لا تلدغ أحد الأطفال أثناء التصوير معها في السيرك»، ويضيف إنه يلجأ إلى حيلة طريفة هي حياكة فم الأفعى كي لا تفتحه وتلدغ أحداً، ثم يتركها أياماً لتتعافى من الجرح وتأكل، ويكرر الأمر مع أفعى جديدة، وعندما تموت يبيع جلدها لشركات الجلود، ويختم طارق حديثه بقوله: «مهنتنا في الصيد أو تقديم العروض بالأفاعي لا مجال فيها للخطأ، لأنه إذا تعرض طفل أو مشاهد للدغ لن أستطيع أن أعمل مرة أخرى، ولذلك يجب أن أكون منتبهاً لحركة كل ثعبان».