نظّم الإسلام العلاقة بين الزوجين على أفضل ما يكون التنظيم، وجعل أساس هذه العلاقة المودة والرحمة كما قال الحق سبحانه: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة، لذلك وضعت الشريعة الإسلامية أسساً ثابتة لحماية الأسرة من المشكلات العاصفة والخلافات التي قد تنتهي أحيانا بالطلاق، وتكون النتيجة خراب العديد من البيوت وتشريد الأبناء .

حتى تستقيم العلاقة بين الزوجين أعطى الإسلام للزوج على زوجته حق الطاعة في غير معصية الله، بل ومنحه أيضاً حق التأديب الذي يمارسه في حالة النشوز، فإذا خرجت الزوجة عن طاعة زوجها كأن تمتنع عن حقوقه الشرعية أو خرجت من دون إذن منه أو تركت حقوق الله تعالى فإن الزوج حينئذ من حقه تأديبها .

وأوضحت الشريعة كيف يكون ذلك التأديب والتهيب ومواجهة النشوز، فقال سبحانه: واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا .

لكن بعض الزوجات يعتبرن أن طاعة الزوج استعباد مرفوض، وينكرن هذا الحق للزوج بدعوى أن ذلك يمثل اعتداء على كرامتهن وحقوقهن، وكذلك فإن كثيراً من الأزواج لا يمارسون هذا الحق كما بيّنه وفصله القرآن الكريم، فيبدأ الزوج بالهجر القاسي أو الضرب المبرح ويتصور أنه بذلك يؤدّب زوجته .

سألنا علماء الشريعة الإسلامية وأساتذة علم النفس والاجتماع عن رؤيتهم لمفهوم الطاعة الزوجية وانعكاساتها على استقرار الأسرة وتعميق علاقة المودة والمحبة بين الزوجين . . وهذا ما قالوه:

في البداية يوضح الدكتور علي المكاوي رئيس قسم الاجتماع في كلية الآداب جامعة القاهرة أن الطاعة الزوجية أمر يتعلق بالنشأة، وينبغي أن نزرع في كل فتاة أن الزوج له حق الطاعة والاحترام وأن المرأة التي تواجه زوجها بالعناد والتمرد حتى إن قَبِل ذلك، فإنها لا بد أن تشعر بالتعاسة إن آجلاً أو عاجلاً، فهي بالتدريج ستفقد شعور الأنثى بداخلها التي تحب دائماً أن يحوطها زوجها بالرعاية والحب والاهتمام .

ويرى الدكتور مكاوي أن دور الأم كقدوة لبناتها هو الفيصل، فالابنة التي تجد في أمها زوجة مستقيمة على دين الله، تعرف للزوج حقه وقدره الذي عظّمه الإسلام وتبحث عن كل ما يرضيه في غير معصية الله تعالى ستتخذ منها نموذجاً تحتذي به .

ويشير د .علي المكاوي إلى أن الزوجة الذكية هي التي تدرك أن زوجها سيقابل إحسانها بالإحسان وطاعتها بالطاعة، أما العناد والتمرد فلن يقابله إلا تسلط واستبداد من قبل الزوج الذي يأبى ذلك على كرامته .

مسؤولية الزوج

أما الدكتور محمد عويضة أستاذ الطب النفسي في جامعة الأزهر فيرى أن الزوج هو المسؤول الأول عن مدى طاعة زوجته له، لأنه إذا تعامل معها منذ البداية على أن الطاعة لا تعني الاستسلام والخنوع من جانبها والتعسف والاستبداد من جانبه سينجح في الحصول على طاعة كاملة منها تجاهه . . ويقول: استبداد الزوج وانفراده بالقرارات المهمة والمصيرية داخل الأسرة خاصة تلك التي تتعلق بالزوجة والأبناء يأتي دائما بنتائج عكسية، فتواجه الزوجة استبداد زوجها بالعناد والمكابرة والتمرد على عكس الزوج الذكي الذي يستشير زوجته ويشركها في كل القرارات ويأخذ رأيها، فالحياة الزوجية شركة بين طرفين .

ويضيف الدكتور عويضة: وبذلك فإن طبيعة العلاقة النفسية بين الزوجين هي التي تحدد مدى طاعة الزوجة لزوجها، فإذا كان الرجل يسعى إلى الارتباط بامرأة تشاركه حياته كي يحقق السكن والراحة والتعاون في مواجهة مشكلات الحياة تقوم حياته معها على التفاهم والتعاون .

وأحياناً تنقلب حياتهما معاً إلى استبداد من قبل الزوج وعناد من قبل الزوجة، وهذا يرجع إلى إساءة فهمهما للطاعة الزوجية، فالرجل يظن أن هذا الحق يحرم زوجته من إبداء رأيها في أمورهما الحياتية، والزوجة ترفض الاستجابة للدور المطلوب .

ويشير د .عويضة إلى ضرورة أن يفهم كلا الزوجين أن الحياة الزوجية في مفهومها الصحيح شراكة بين طرفين، ولكي يكون القرار صائباً ومحققاً لمصلحة الأسرة لا بد أن يُتخذ بعد تشاور، أما انفراد الرجل بالرأي والقرار فهذا سلوك مرفوض شرعاً وعرفاً، ونتائجه فساد العلاقة بين الطرفين .

ويؤكد الدكتور عويضة أن الإسلام جاء بحلول واقعية ومثالية لعلاج نشوز الزوجة، هذه الحلول من شأنها أن تحقق الاستقرار الأسري والاجتماعي، وما يحدث من شكوى من الأزواج أو الزوجات يكون نتيجة تجاوز الحدود الشرعية وعدم الالتزام بما جاء به الإسلام . ويضيف: لكن حينما يبدأ الزوج بعلاج نشوز زوجته ويبدأ بوعظها فمن الأفضل أن يكون هذا الأمر في ما بينهما، بحيث يوجهها إلى الخطأ الذي ترتكبه في حقه أو في حق الأسرة، لكن في شكل نصيحة هادئة لا يعرف بها أحد غيرهما لأن الزوجة مهما بلغت درجة الخلاف بينها وبين زوجها يظل في النهاية هو الأقرب إليها، فلا تجد غضاضة في أن تتنازل عن كرامتها معه إذا لزم الأمر، فإذا ما امتد الخلاف بينهما إلى الآخرين وزجرها أمامهم سينقلب الموقف عندها إلى عند ومكابرة وترفض الخضوع للزوج .

حدود الطاعة

وعن مشروعية الطاعة الزوجية وحدودها الشرعية يقول الدكتور علي السبكي أستاذ الثقافة الإسلامية في كلية أصول الدين بالأزهر: يقول الله سبحانه وتعالى: الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله .

فقد أوجب الله تعالى على الزوجة أن تطيع زوجها كما أوجب عليه القيام بحقوقها كاملة، لقوله تعالى: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم، ودرجة القوامة التي منحها الله عز وجل للأزواج لا تحط من قدر المرأة ولا تقلل من شأنها، وإنما الغرض منها تنظيم المعاملة وتطبيق القوانين واللوائح السماوية والالتزام بالحدود الشرعية، حيث يقول تعالى: وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه .

ويؤكد الدكتور السبكي إن المرأة الصالحة هي التي تساعد زوجها على ذلك باتباع أمر الله، وبطاعة زوجها وحفظها كل ما يجب الحفاظ عليه مما يمس كرامته، وهذا ما أكده رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيراً من زوجة صالحة، إن أمرها أطاعته وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله .

وعن حدود هذه الطاعة يقول أستاذ الثقافة الإسلامية في الأزهر: لا بد أن تكون الطاعة في غير معصية فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق . ويجب أن تكون الطاعة بالأساس في ما تزوجها من أجله وهو المتعة العاطفية . حيث حذّرنا النبي صلى الله عليه وسلم من إهمالها فقال: إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته فبات غضباً عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح .

ومن الأمور الأخرى التي يجب أن تلتزم بها الزوجة كجزء من طاعتها الزوج ألا تخرج من البيت إلا بإذنه وإلا أصبحت ناشزاً، وألا تصوم تطوعاً إلا بإذنه، اللهم إلا إذا كان هناك عذر مقبول لتخليها عن أحد هذه الأوامر .

تبادل المودة

ويرى الدكتور أحمد عمر هاشم أستاذ السنة النبوية، الرئيس الأسبق لجامعة الأزهر أن طاعة الزوجة لزوجها لا تقلل من شأنها ولا تنقص من قدرها ولا تعني مسح هويتها وإلغاء شخصيتها كما يتوهم البعض، بل هي أهم عامل من عوامل الاستقرار الأسري، فالزوج هو المسؤول عن الأسرة مسؤولية كاملة، وعندما تكون الزوجة عاصية ومتمردة على زوجها لا يمكن أن تستقيم الحياة الزوجية ولا ينعم كل أفراد الأسرة بالبيت الهادئ والمستقر، ولا تسود بينهم مشاعر المودة والرحمة كما أمر الإسلام بل ستتحول الحياة الزوجية إلى صراع دائم بين الطرفين .

ويوضح الدكتور هاشم أن طاعة الزوجة لزوجها ليست طاعة عمياء، فالإسلام لم يطالب الزوجة بذلك بل قيّد هذه الطاعة بشرط أن تكون في غير معصية الخالق . . ولذلك ينبغي أن تؤديها الزوجة راضية مختارة راجية رضا الخالق طامعة في المزيد من حب وتقدير الزوج .

ويضيف الدكتور هاشم: لا شك في أن الزوجة حين تكون مطيعة لزوجها يقابل إحسانها بالإحسان وطاعتها بالطاعة ويتبادلان الحنان والبر والمودة . . وكما جاء في وصايا أم لابنتها: كوني له أمة يكن لك عبدا . ورضا الزوج الصالح المعتدل يكون سبباً لدخول المرأة الجنة لأنه لا يأمر زوجته إلا بالطاعة والجنة . . ولذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيما امرأة ماتت وزوجها راضٍ عنها دخلت الجنة)، أما إذا كانت المرأة غير مطيعة لزوجها وكان زوجها ساخطاً عليها فإنها تكون عاصية لأنها لم تؤد حق الزوجية الذي أمر الإسلام به . ولذلك حذّر الرسول صلى الله عليه وسلم النساء من العصيان الذي يترتب عليه سخط الزوج، فقال عليه الصلاة والسلام: ثلاثة لا ترفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرا: رجل أمّ قوماً وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها ساخط عليها، وأخوان متصارمان .

والمقصود بسخط الزوج وعدم طاعة المرأة له إنما هو الزوج الصالح الذي لا يأمر زوجته إلا بكل طاعة وخير، ولا يأتي ذنباً من الذنوب، ولا معصية من المعاصي، ولا يظلم زوجته ولا يستعلي عليها ولا يؤذيها . . فمثل هذا الزوج حقه أن يطاع، أما لو كان عاصياً ويأمر بمنكر فطاعته محرمة وتجلب للزوجة غضب الله، فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وعلى الزوجة أن تقوم بإرشاده ونصحه وتوجيهه والاستعانة بأهل الخير والهدى من أهله وأهلها للتدخل لإصلاح أمره وهدايته .

وهكذا يجمع علماء الاجتماع والنفس والإسلام على أن طاعة الزوجة لزوجها في غير معصية هي مفتاح السعادة والطمأنينة بين الزوجين، وهي ليست استغلالاً ولا تسلطاً كما يفهم بعض الرجال الذين ورثوا عن آبائهم وأجدادهم عنفا ضد نسائهم . . بل هي مشاعر بالرضا والتفاهم والحب يسود العلاقة بين الزوجين ويظلل البيت الزوجي بالسكينة التي تنشدها كل أسرة .