العلاقة بين الزوجين ليست مجرد مجموعة من الحقوق مقابل مجموعة من الواجبات، كلاهما يمارسها بشكل جامد، ولا هي أوامر واجبة التنفيذ، وإنما مودة ورحمة، ولذلك أوجبت الشريعة الإسلامية على كل منهما أن يعرف ما له وما عليه كأحد أهم الأسس التي تضمن حياة زوجية سعيدة وعلاقة أسرية متوازنة .
ومن أهم الحقوق التي أقرتها الشريعة الإسلامية للزوج حق القوامة، الذي يترتب عليه طاعة الزوجة زوجها في غير معصية الله، لكن للأسف يفهم بعض الرجال القوامة فهماً خطأ، فيستبدون بزوجاتهم ويفرضون رأيهم حتى إن كان خطأ، ولا يستشير أي منهم زوجته على اعتبار أن ذلك ينتقص من رجولته .
ويحذر علماء الإسلام وأساتذة الاجتماع وعلم النفس من الوقوع في شرك تصيد الأخطاء بين الزوجين، ويطالبون بضرورة التغاضي عما يحدث من تقصير أحياناً لتسود روح التسامح وتستمر الحياة الدافئة والاستقرار .
بداية يوضح الدكتور أحمد يوسف سليمان، أستاذ الشريعة الإسلامية بجامعة القاهرة، مفهوم القوامة والحدود الشرعية لطاعة الزوجة زوجها ويقول: القوامة ليست استبداداً من الرجل بزوجته، فتكون السيطرة والكلمة والأمر له، والزوجة عليها السمع والطاعة وإنما هي قسط من المودة والرحمة والسكن بين الزوجين، فالقوامة التي يريدها الله بين الزوجين تعني القيام على شأن الأسرة وإصلاحها ويقول سبحانه وتعالى: الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله .
فقد أوجب الله تعالى على الزوجة أن تطيع زوجها كما أوجب عليه القيام بحقوقها كاملة لقوله تعالى: ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم، ودرجة القوامة التي منحها الله عز وجل للأزواج لا تحط من قدر المرأة ولا تقلل من شأنها وإنما الغرض منها تنظيم المعاملة وتطبيق القوانين والتعليمات السماوية والالتزام بالحدود الشرعية، حيث يقول تعالى: وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه .
ليست عمياء
ويؤكد الدكتور يوسف سليمان أن هذه الطاعة المفروضة على الزوجة ليست طاعة عمياء ولا من دون شرط أو قيد، وإنما هي طاعة الزوجة الصالحة للزوج الصالح التقى التي تعتمد على الثقة بشخصه، والإيمان بإخلاصه، والصلاح في تصرفاته، وهي أيضاً الطاعة المبنية على التشاور والتفاهم والتي تقوي كيان الأسرة وأحوالها وتزيد من أواصرها وقوتها، فالمشاورة بين الزوجين واجبة في كل ما يتصل بشؤون الأسرة بل إنها يجب أن تمتد إلى كل ما يقوم به الزوج من عمل، فليس هناك أفضل من الزوجة المخلصة الصادقة للاستشارة كي تعين زوجها وتدعمه برأيها .
وعن الأمور التي أوجب الله على الزوجة طاعة زوجها فيها يقول الدكتور سليمان: يجب أن تكون الطاعة بالأساس في ما تزوجها من أجله، وهو الجانب العاطفي، حيث حذر النبي صلى الله عليه وسلم من إهماله فقال: إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فلم تأته فبات غاضباً عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح .
ومن الأمور الأخرى التي يجب أن تلتزم بها الزوجة كجزء من طاعتها له ألا تخرج من البيت إلا بإذنه، وإلا أصبحت ناشزاً، وألا تصوم تطوعاً إلا بإذنه، اللهم إلا إذا كان هناك عذر مقبول لتخليها عن أحد هذه الأمور.
الزوج الصالح
ويشير الدكتور أحمد عمر هاشم، الرئيس الأسبق لجامعة الأزهر، إلى أن طاعة الزوجة لا تقلل من شأنها، ولا تنقص من قدرها، ولا تعني مسخ هويتها وإلغاء شخصيتها كما يتوهم البعض، بل إنها أهم عوامل استقرار الأسرة، فالزوج هو المسؤول عن الأسرة بشكل كامل، وعندما تكون الزوجة متسلطة ومتمردة على زوجها فلا يمكن أن تستقيم حياتهما الزوجية ولن ينعم كل أفراد الأسرة من زوج وزوجة وأولاد بالهدوء والاستقرار، وستختفي بينهم مشاعر المودة والرحمة كما يهدف الإسلام، بل ستتحول الحياة الزوجية إلى صراع دائم بين الطرفين، وهذا على عكس المطلوب من تعاليم الشريعة الغراء .
ويرى الدكتور هاشم أن الزوجة حين تكون مطيعة لزوجها فسيقابل إحسانها بالإحسان وطاعتها بالطاعة، ويتبادلان الحنان والبر والمودة، وكما جاء في وصايا أم لابنتها كوني له أمة يكن لك عبدا، ورضا الزوج الصالح المعتدل سبب لدخول المرأة الجنة، لأنه لا يأمر زوجته إلا بالطاعة، فيقول الرسول صلى الله عليه وسلم أيما امرأة ماتت وزوجها راض عنها دخلت الجنة .
أما إذا كانت المرأة غير مطيعة لزوجها ولا تحترم قوامته عليها فإنها تكون عاصية لأنها لم تؤد حق الزوجية الذي أمر به الإسلام، وقد حذر الرسول صلى الله عليه وسلم النساء من العصيان الذي يؤدي إلى غضب الزوج، فقال صلى الله عليه وسلم: ثلاثة لا ترفع صلاتهم فوق رؤوسهم شبرا: رجل أمّ قوماً وهم له كارهون، وامرأة باتت وزوجها عليها ساخط، وأخوان متصارمان، والمقصود بالزوج الساخط هنا الزوج الصالح الذي لا يأمر زوجته إلا بكل خير وطاعة، فلا يأتي ذنباً من الذنوب ولا معصية من المعاصي ولا يظلم زوجته ولا يستعلي عليها ولا يؤذيها، فمثل هذا الزوج حقه أن يطاع .
ويوضح الدكتور عمر هاشم المقصود النبوي الكريم من الحديث الصحيح: لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها، فيقول: السجود كما هو معلوم لا يكون إلا لله رب العالمين، ولذلك فإن الرسول صلوات الله وسلامه عليه لا يأمر بالسجود إلا لله، فهو وحده المعبود والمقصود ولا شريك له وطاعته سبحانه وتعالى واجبة قبل كل شيء، لكن الحديث يؤكد الوصية بحقوق الزوج وطاعته وعدم إهمال حقه بأي حال من الأحوال .
وعن كيفية تعامل الزوج شرعاً مع سلوك زوجته غير المطيعة، يقول الدكتور هاشم: وضعت الشريعة علاجاً لحالة النشوز من جانب المرأة بأن يعظها الرجل أولاً بالحسنى بملازمة الطاعة، لأن في ذلك صالحها وصالح الجميع، ويحذرها ويخوفها من عاقبة فعلها، وإن لم يفلح ذلك معها فإنه يهجرها في الفراش أو يوليها ظهره في المضجع، وإن لم ينفع ذلك فإنه يضربها ضرباً غير مبرح، وإذا لم يفد ذلك جعل أهل الخير يتوسطون للإصلاح كأن يكون هناك حكم من أهله وآخر من أهلها .
شراكة بين طرفين
الدكتور محمد عويضة، أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر، يؤكد أن الحياة الزوجية شراكة بين الزوجين، وكما قرر الإسلام حقوقا للزوج قرر أيضاً حقوقاً للزوجة وبيّن كذلك الواجبات المفروضة على كل منهما، فإن هما قاما بأدائها خير قيام وعرف كل منهما حقوقه وواجباته كما جاءت في الإسلام؛ سعدت الأسرة وأظلتها السكينة وغمرتها رحمة الله .
ويقول: أما إذا فهم الزوج الحياة الزوجية على أنها استبداد وفرض سيطرة وقابلت الزوجة ذلك بالمزيد من العناد انقلبت حياتهما جحيماً نتيجة إساءة فهمهما للطاعة الزوجية، فالرجل يظن أن من حقه أن يحرم زوجته من إبداء رأيها في أمورهما الحياتية، والزوجة ترفض الاستجابة للدور المطلوب .
ويضيف: الحياة الزوجية في مفهومها الصحيح شراكة بين طرفين ولكي يكون القرار صائباً ومحققاً لمصلحة الأسرة لا بد أن يتخذ بعد تشاور، أما أن يعيش الزوجان معاً وكل منهما يحاول أن يتصيد أخطاء الآخر ويصبحا ندين يوقعان الأذى ببعضهما بعضاً فهذا سيجعل الحياة بينهما مستحيلة .
ويقول: الزوجة العاقلة هي التي تدرك تماماً أن طاعتها لزوجها وحبها له سيزيد من رصيدها لديه ويجعله هو الآخر مطيعاً لها، أما عنادها من دون سبب فذلك يؤكد ضعف شخصيتها وعدم إحساسها بدورها في الحياة .
وينصح الدكتور عويضة الأزواج بعدم استغلال طاعة الزوجة والتعامل مع ذلك بشكل خطأ إذ ينبغي أن يفرق الزوج بين الاستسلام والخنوع، فطاعة الزوجة ليس معناها أن يستبد بها ويصبح ديكتاتوراً فيعترض لمجرد الاعتراض ويقضي حياته معها على شكل فرمانات واجبة التنفيذ.