ولم تحمل هذه الشبكات الواسعة في طياتها السلع والبضائع الثمينة فحسب، وإنما أتاحت أيضاً تناقل المعارف والأفكار والثقافات والمعتقدات بفضل حركة الشعوب المستمرة واختلاطهم المتواصل ما أثر تأثيراً عميقاً في تاريخ شعوب المنطقة الأوروبية الآسيوية وحضاراتهم. ولم تكن التجارة وحدها هي التي جذبت المسافرين المرتحلين على طول طرق الحرير وإنما التبادل الفكري والثقافي الذي كان سائداً في المدن المحاذية لهذه الطرق حتى إن كثيراً من هذه المدن تحول إلى مراكز للثقافة والتعلم. وشهدت المجتمعات القاطنة على امتدادها تبادلاً وانتشاراً للعلوم والفنون والأدب إلى جانب الحرف اليدوية والأدوات التقنية، فازدهرت فيها اللغات والثقافات وتمازجت.
ومصطلح «طريق الحرير» حديث العهد نسبياً، إذ لم تحمل هذه الطرق القديمة طوال معظم تاريخها العريق اسماً بعينه. وفي أواسط القرن التاسع عشر، أطلق العالم الجيولوجي الألماني البارون فرديناند فون ريشتهوفن، اسم «دي سيدينستراس» (أي طريق الحرير بالألمانية) على شبكة التجارة والمواصلات هذه، ولا تزال هذه التسمية المستخدمة أيضاً بصيغة الجمع تلهب الخيال بما يلفها من غموض.
ترك طريق الحرير، أثره الواضح في الحضارات القديمة، خصوصاً الصينية والهندية والمصرية والرومانية. ويمتد الطريق من المراكز التجارية في شمال الصين، حيث ينقسم إلى فرعين شمالي وجنوبي. يمر الفرع الشمالي من منطقة بلغار كيبتشاك، وعبر شرق أوروبا وشبه جزيرة القرم وحتى البحر الأسود وبحر مرمرة والبلقان وصولاً إلى البندقية. أما الفرع الجنوبي فيمر من تركستان وخراسان وعبر بلاد ما بين النهرين، وكردستان والأناضول وسوريا عبر تدمر وأنطاكية، إلى البحر الأبيض المتوسط أو عبر دمشق وبلاد الشام إلى مصر وشمال إفريقيا. وعلى الرغم من أن تجارة الحرير مثلت أحد الدوافع الأولى لإقامة الطرق التجارية عبر آسيا الوسطى، فإن الحرير لم يشكل إلا واحداً من المنتجات العديدة التي كانت تنقل بين الشرق والغرب، ومن بينها الأنسجة والتوابل والبذور والخضراوات والفواكه وجلود الحيوانات والأدوات والمشغولات الخشبية والمعدنية والقطع الدينية والفنية والأحجار الكريمة وغيرها الكثير.
وازداد الإقبال على طريق الحرير وتوافد المسافرين عليه طوال القرون الوسطى، وظلت تلك الطرق تُستخدم حتى القرن التاسع عشر ما يشهد ليس على جدواها فحسب، وإنما على تكيفها مع متطلبات المجتمع المتغيرة أيضاً. كما لم تقتصر هذه الدروب التجارية على خط واحد، كما شكلت التجارة البحرية فرعاً آخر اكتسى أهمية بالغة في هذه الشبكة التجارية العالمية. ونظراً لاشتهار الطرق البحرية بنقل التوابل، عُرفت أيضاً باسم طرق التوابل، وزودت أسواق العالم بالقرفة والبهار والزنجبيل والقرنفل وجوز الطيب، القادمة كلها من جزر الملوك في إندونيسيا، المعروفة أيضا باسم جزر التوابل، وبطائفة كبيرة من السلع الأخرى، تنوعت بين المنسوجات والمشغولات الخشبية والمعدنية والأحجار الكريمة والبخور وخشب البناء والزعفران، والتي كان يبيعها التجار المسافرون على هذه الطرق الممتدة على أكثر من 15 ألف كيلومتر، ابتداءً من الساحل الغربي لليابان، مروراً بالساحل الصيني نحو جنوب شرق آسيا، فالهند وصولاً إلى الشرق الأوسط ثم إلى البحر المتوسط.
وعلى الرغم من أن النشاط الاقتصادي كان دائماً المظهر الأساسي للطريق، فإنه تجاوز الاقتصاد العالمي، إلى آفاق إنسانية أخرى، فعن طريقه انتشر الإسلام في وسط آسيا، وانتقل عبره البارود فعرفت الأمم الحروب المدمرة، وانتقل عبره الورق فحدثت طفرة كبرى في تراث الإنسانية، كما كان سبباً في التعرف إلى أنظمة اجتماعية كانت ستبقى لولاه مغمورة داخل مجتمعاتها النائية.