طهي الطعام ثقافة إنسانية عالمية، فتحويل المواد الغذائية النيئة من خلال مزجها وطهيها لإعداد وجبة شهية جزء لا يتجزأ من حياتنا اليومية، كما يعد أحد الأنشطة التي تميزنا عن باقي الكائنات الحية الأخرى .

ولعب طهي الطعام دوراً مهماً في تطور الإنسان، فأدى إلى تسارع نمو الجسم والدماغ، كما توصل باحثون أمريكيون إلى أن الطهي يرفع من قيمة السعرات الحرارية للغذاء، مؤكدين أن هذا الكشف ربما سيؤثر في استخدامنا لمعدات الطهي، لأن الطاقة التي نحصل عليها من الطعام تعتمد على طريقة طهيها .

وقال ريتشارد رانغهام من جامعة هارفارد: إن للطهي أهمية بيولوجية ربما تزيد على أهمية الزراعة، لأنه يزودنا بالطاقة .

ويرى عدد من العلماء، بحسب مجلة ساينتيفيك أمريكان أن أجدادنا ربما لم يتناولوا ما يكفي من طعام لدعم أدمغتهم الكبيرة الحجم والتي كانت في حاجة شديدة إلى كم مناسب من السعرات الحرارية، ويشيرون إلى أهمية الدور الذي لعبه طهي الطعام في تطور الإنسان . ووجد رانغهام أدلة تؤيد أبحاثه عند دراسته للإنسان الذي ظهر لأول مرة منذ من 6 .1 إلى 9 .1 مليون عام Homo erectus، فوجد أن حجم دماغه كان أكبر خمسين في المئة من حجم دماغ سلفه Homo habilis، كما تقلص حجم أسنانه بشكل لم يحدث أبداً خلال مراحل تطور الإنسان، وقال إن الإنسان خلال هذه الفترة مر بتغييرات جسمية صاحبت اختراع الطهي . والمشكلة أن الدليل على صحة هذه الفكرة ضعيف من منظور أنه لم يكن من الممكن لإنسان هذه الحقبة استعمال النار بالشكل الملائم .

وذكرت مواقع أوروبية في 2011 أنه ما من أدلة على استخدام الإنسان القديم للنار حتى من 300 إلى 400 ألف عام . وظهرت أدلة قوية على استخدامه لها في ما بعد هذه الفترة، عندما تطور النيندرتاليين تأقلماً مع العصر الجليدي، حيث ابتكروا الطهي باستخدام الأفران الأرضية، بحسب سي لورنج بريس أستاذ علم الاجتماع في جامعة ميتشجان، منوهاً إلى أن ذلك يعود إلى مئتي ألف عام مضت . ويجمع بريس وآخرون على أن ظهور المنتجات الحيوانية الغنية بالطاقة، وليس الطهي، هو الذي أدى إلى تطور الإنسان البدائي وصولاً إلى Homo erectus ذي الرأس الكبير والأسنان الصغيرة . وكثف رانغهام أبحاثه لتشمل مجموعة من الصيادين المعاصرين في مناطق عدة من العالم، وتوصل إلى أنه ليس منهم من يأكل كل طعامه نيئاً، فالإنسان، على ما بدا له، تطور مع بداية تناوله الطعام الناضج الذي أمده بحاجته الماسة من السعرات الحرارية عالية الجودة (يحتاج نسيج المخ إلى 22 ضعف ما تحتاجه عضلات جسمه) . وبحسبة أجراها رانغهام ورفاقه، فالإنسان الأول Homo erectus احتاج إلى تناول 12 رطلاً من النباتات النيئة يومياً، أو ستة أرطال منها، إضافة إلى اللحم النيئ للحصول على قدر من السعرات الحرارية التي حالت دون هلاكه . وأظهرت دراسات حديثة على المرأة أن النباتيات المعتمدات كلية على الغذاء النباتي، تعانين اضطرابات ونقصاً في الطاقة يؤدي إلى خلل هرموني يؤثر في انتظام الطمث، ولم ينجح كثيراً تناولهن اللحوم النيئة عالية الطاقة في تعويض ما فقدنه من طاقة .

ولإثبات أن طهي الطعام يزود الإنسان بما يحتاجه من طاقة، قام طلاب من جامعة هارفارد بتقديم اللحم المطهو والمهروس إلى فئران التجارب، فوجدوا أن اللحم الناضج أدى إلى رفع مستويات الطاقة كثيراً لدى الفئران، ما أدى على المدى البعيد إلى زيادة كتلة أجسامها، على الرغم من تساوي مقادير السعرات الحرارية في نوعي اللحوم . فاللحم الناضج يمد الجسم بكميات أكبر من الطاقة، ربما لأن الحرارة تغير من طبيعة البروتينات بما يسهل هضمها .

وتوصلت عالمة الآثار فرانسيسكو بيرنا في جامعة بوسطون إلى أدلة قوية على استخدام الإنسان النار منذ مليون عام في كهف ووندرويرك في جنوب إفريقيا، كما اكتشف أيضاً عالم الأجناس في جامعة ميسوري في كولومبيا، رالف روليت أن الإنسان القديم استخدمها منذ 5 .1 مليون عام بعد عثوره على تراب محترق في كهف كوبي فورا في كينيا، والذي احتوى على خليط من أنواع مختلفة من الخشب المحترق، ولم تكن هناك دلائل تشير إلى احتراق جذور نباتية تحت الأرض (فالأشجار التي يضربها البرق تخلف نوعاً واحداً من الخشب والجذور المحترقة) .

ولم توضح بيرنا متى بدأ استخدام النيران داخل الكهف، وفي ما استخدمت، وعدد مراتها .وهناك نظريات كثيرة يمكنها أن تفسر أسباب كبر حجم الجسم والدماغ من دون استخدام النار في طهي الطعام، ومنها نظرية أستاذة علم الأجناس البيولوجية في كلية لندن الجامعية، ليزلي سي أييلو في ،1995 وعالم الفيزياء بيتر وييلر من جامعة ليفربول جون موورز في إنجلترا .