هذا ما سنتحدث عنه في حلقات من خلال دراسات وتفاسير وآراء لعدد من علماء علوم القرآن.
«أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور» (النور: 40).
اعتقد الإنسان قديماً بخرافات عديدة عن البحار والمحيطات، ولم تتوافر للبحارة آنذاك معرفة علمية حقيقية عن الأحوال السائدة في أعماق البحار، حيث كانت المعلومات عن التيارات البحرية نادرة، وقد ظن الإنسان قديماً أن البحار الراكدة لا يمكن أن تعبرها البواخر، وبرغم أن القدماء كانوا على علم بأن الرياح تؤثر على الأمواج والتيارات السطحية، إلا أنه كان من الصعوبة معرفة شيء عن الحركات الداخلية في البحار، ومع نهاية القرن التاسع عشر تم استخدام الوسائل التصويرية التي تم تطويرها خلال الثلاثينيات من القرن العشرين، حيث استعملت الخلايا الكهروضوئية للكشف عن أسرار البحار وإعجاز القرآن في الإخبار عنها وتصوير مشاهدها في قرآن يتلى.
إعجاز علمي وبلاغي
لا يمكن أن يصف هذا المشهد إلا من نزل أعماق البحار ورأى بعينيه ما أخبر به القرآن الكريم، وهذه الناحية العلمية الإعجازية لقدرة الخالق، يضاف إليها الإعجاز البلاغي في وصف مشهد الظلام في أعماق البحار، يقول الشيخ محمد متولي الشعراوي في كتابه (الأدلة المادية على وجود الله)، إن هذه الحقيقة تم الوصول إليها بعد إقامة مئات من المحطات البحرية، والتقاط الصور بالأقمار الصناعية، والذي قال هذا الكلام هو البروفيسور (شرايدر)، وهو من أكبر علماء البحار بألمانيا الغربية، وقد كان يقول: «إذا تقدم العلم فلابد أن يتراجع الدين»، لكنه عندما سمع معاني آيات القرآن بهت وقال: «إن هذا لا يمكن أن يكون كلام بشر».
ويأتي البروفيسور (دورجاروا) أستاذ علم جيولوجيا البحار ليعطينا ما وصل إليه العلم في قوله تعالى: «أو كظلمات في بحر لجي..»، فيقول: «لقد كان الإنسان في الماضي لا يستطيع أن يغوص بدون استخدام الآلات أكثر من عشرين مترا، لكننا نغوص الآن في أعماق البحار بواسطة المعدات الحديثة فنجد ظلاماً شديداً على عمق مائتي متر.. الآية الكريمة تقول: (بحر لجي)، كما أعطتنا اكتشافات أعماق البحار صورة لمعنى قوله تعالى: (ظلمات بعضها فوق بعض)، فالمعروف أن ألوان الطيف سبعة، منها الأحمر والأصفر والأزرق والأخضر والبرتقالي، فإذا غصنا في أعماق البحر تختفي هذه الألوان واحداً بعد الآخر، واختفاء كل لون يعطي ظلمة، فالأحمر يختفي أولا ثم البرتقالي ثم الأصفر، وآخر الألوان اختفاء هو اللون الأزرق على عمق مائتي متر، وكل لون يختفي يعطي جزءاً من الظلمة حتى تصل إلى الظلمة الكاملة، أما قوله تعالى: (موج من فوقه موج)، فقد ثبت علمياً أن هناك فاصلاً بين الجزء العميق من البحر والجزء العلوي، وأن هذا الفاصل مليء بالأمواج، فكأن هناك أمواجاً على حافة الجزء العميق المظلم من البحر، وهذه لا نراها، وهناك أمواج على سطح البحر وهذه نراها، فكأنها موج من فوقه موج، وهذه حقيقة علمية مؤكدة، لذلك قال البروفيسور (دورجاروا) عن هذه الآيات القرآنية: «إن هذا لا يمكن أن يكون علماً بشرياً».
حقائق مدهشة
هذه الحقائق العلمية المدهشة ذكرها القرآن الكريم الذي أنزل على عرب في الصحراء لا يعرفون السباحة ولا الغوص في أعماق البحار والمحيطات، يقول المفسرون.. ما جاء في الآية الكريمة يتطابق مع تلك الحقائق الكونية ويرسم مشهداً شديد الوقع في نفس السامع، إذ قررت أن البحار العميقة غالباً ما تعلوها السحب، وفي قوله تعالى: «أو كظلمات» تدل على انعدام الرؤية، ويؤكد ذلك أيضاً قوله تعالى: «في بحر لجي»، فاللجي هو الشديد الظلمة والعمق، والأسماك في ذاك العمق ليس لها عيون، بل إنها مجهزة بنور بيولوجي (كما ورد في الموسوعة البريطانية)، وهذا وجه قوله تعالى: «ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور»، فهذه الأسماك قادرة على استبيان طريقها ومعرفته من خلال أعضاء منيرة خلقها الله تعالى في جسمها.
وفى بحث بعنوان (من أسرار الإعجاز البياني في القرآن)، يقول الباحث محمد إسماعيل عتوك: إن التمثيل في الآية الكريمة يصور أعمال الذين كفروا في الدنيا من حيث خلوها من نور الحق بصورة ظلمات متراكبة من لجج البحر والأمواج والسحاب، وقد سبقها تمثيل آخر بصورة السراب الخادع، وهذا التمثيل فيما هم عليه في حال الدنيا، قال أبو حيان في البحر: «وبدأ بالتشبيه الأول؛ لأنه آكد في الإخبار، لما فيه من ذكر ما يؤول إليه أمرهم من العقاب الدائم، والعذاب السرمدي، ثم أتبعه بهذا التمثيل، الذي نبههم على ما هي أعمالهم عليه؛ لعلهم يرجعون إلى الإيمان، ويفكرون في نور الله، الذي جاء به الرسول، صلى الله عليه وسلم»، والظاهر أن التشبيه في التمثيلين لأعمالهم.
ويقول المفسرون: «إن الآية الأولى في ذكر أعمالهم، والثانية في ذكر كفرهم، ونسق الكفر على أعمالهم؛ لأن الكفر أيضاً من أعمالهم، ودليل ذلك قوله تعالى: «الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور»، (البقرة: 257)؛ أي: يخرجهم من الكفر إلى الإيمان، أما (أو) فقيل هي للتخيير؛ فإن أعمالهم لكونها لاغية، لا منفعة لها كالسراب، ولكونها خالية من نور الحق كالظلمات المتراكمة من لج البحر والأمواج والسحاب، وقيل هي للتنويع؛ فإن أعمالهم إن كانت حسنة فهي كالسراب، وإن كانت قبيحة فهي كالظلمات، وقيل هي للتقسيم باعتبار وقتين؛ فإنها كالظلمات في الدنيا، وكالسراب في الآخرة.