كتبت: هند مكاوي
لكل مجتمع عادات وتقاليد، يتوارث تفاصيلها أفراده جيلاً بعد جيل، لتصبح مع الزمن مدعاةً للفخر والاعتزاز، ومصدراً للبهجة والحنين لزمن مضى جميل نعيش مع تفاصيله في الحاضر أجمل اللحظات وأغلى الذكريات. ولا شك في أن مناسبات الزواج من أجمل تلك الموروثات وأرسخها في الذهن، لما فيها من معانٍ تبقى محفورة في حياة الأفراد والأُسر، فضلاً عن كونها تجمّعاً للفرح والسعادة، ووجهة ثقافية وحضارية يحاول الجميع المحافظة عليها حتى لا يختل ميزان وجودها.
في دولة الإمارات، اتسمت أعراس الماضي بنكهة خاصة، مستمدة من العادات العربية الأصيلة والمفاهيم الإسلامية السمحة، فقد كانت الأفراح ترسم صورة جميلة حافلة بالبساطة والعفوية، وفي الوقت نفسه بالثراء والتنوع، حيث تختلف مظاهر الأعراس بين القبائل، عنها في البادية أو الجبل أو المجتمعات الحديثة في المدن، من حيث التقاليد ولوحات الاستعراضات والأهازيج الغنائية.
وكما جاء في كتاب «مدخل التراث الشعبي في الإمارات» لمؤلفه عبدالله علي الطابور، فقد اتسمت احتفالات الزواج قديماً بالمراسم البسيطة الرائعة الخالية من التعقيدات والصعوبات التي أملتها الظروف الاجتماعية والاقتصادية الحالية، والتي جعلت من هذه المناسبة معضلة تواجه كثيراً من الشباب المقبلين عليها، وتهدد استقرارهم الأسري والاجتماعي، فالإماراتي في المجتمع القديم يتزوج من الإماراتية بنت العم أو بنت العمة أو بنت الخال أو بنت الخالة أو بنت الجيران وربما من منطقة أخرى، ولكنها تدور في نفس الفلك الجغرافي والتاريخي والثقافي، والأصل أن تكون بنت العم لابن عمها، ويشذ عن القاعدة من يختار غير ابنة عمه أو قريبته بإرادة ذاتية خاصة إن كان الزواج متأخراً، وفي الغالب يتم الزواج وفق وسيط يقوم بدور «الخاطبة»، وتخرج بعض العائلات أيضاً عن هذه القاعدة أي زواج الأقارب من منطلق الاختيار الحر.
اختيار الزوجة
بحسب الكتاب، حينما يعقد الأهل النية لتزويج ولدهم فإنهم يبحثون له عن فتاة تنتمي إلى أسرة كريمة وقورة تتحلى بصفات الدين والأخلاق الحميدة، وكانت مهمة البحث عن الفتاة المنشودة تقع على كاهل الخاطبة، وهي امرأة ذات عقل وفكر ولباقة، لديها القدرة على تقييم الفتاة وأسرتها ومدى تحليهم بالصفات الحسنة، وبالنسبة للفتاة فإن الجمال والخلق والدين صفات لا بد منها لدى أهل الشاب، كما أن سمعة عائلتها وأصالتها ونسبها ومكانة الأب الاجتماعية وما يتمتع به من خلق كريم وسلوك حسن، كلها صفات تبحث عنها عائلة العريس وتشترط توافرها، وقد لا يكون للخاطبة أي دور في عملية إتمام الزواج أو حدوثه إذا كان الزواج سيتم بين الأقارب، وقد حرص الناس سابقاً على مصاهرة الأقارب زيادة في الترابط الأسري وتماسك العائلة، وفي حالة الاستعانة بالخاطبة فإنها تقوم بزيارة ودية لبيت أسرة الفتاة وقد تشاهدها على حين غفلة لأنه من الصعب الالتقاء بالبنت حين دخول سيدة أجنبية إلى بيت أهلها، وعند رجوع الخاطبة تبلّغ كل ما رأته لأهل العريس، وعلى ضوء ذلك فإنهم يتخذون قرارهم إما بالتقدم لخطبة الفتاة وإما البحث عن أخرى.
ويرصد كتاب «مدخل التراث الشعبي في الإمارات»، ما بعد الوصول إلى اتفاق مبدئي بين أهل الشاب والفتاة، حيث يبدأ التفاوض على الصداق، ولكل أهل بلد أو قبيلة قدر معين، لكن بشكل عام كان صداق الفتاة البكر يتراوح بين سبعة توامين وأربعين توماناً ويصل إلى سبعين، وقد يرتفع إلى مئة تومان، في وقت كان فيه التومان يساوي سبعة ريالات فارسية عند أهل البادية، وأربعة ريالات عند أهل المدن، أما في المناطق الشرقية فإن التومان يساوي خمسة ريالات فارسية، وفي الماضي لم يتعد مهر العروس في البادية سبعة توامين، في حين تراوح مقدار الصداق عند أهل المدن بين أربعين توماناً ومئة تومان، ويتكفل العريس بدفع «القطوعة» وهي دراهم محددة تدفع لجهاز البنت من ثياب وزينة، وتختلف باختلاف حالة الناس المادية ومكانتهم الاجتماعية، كما يتكفل العريس بتجهيز متطلبات حفل الزواج وفي مقدمتها الوليمة، وقد اختلفت معظم عادات الزواج ومظاهره التقليدية عند أهل المدن مقارنة بأهل البادية والقرى في بعض التفاصيل.
الإذن الشرعي
عندما تكون دائرة الاتفاق قد اكتملت، تسعى العائلتان من أجل البدء بالاحتفال الجماعي لإشهار هذه المناسبة الجميلة، وذلك بعقد القران الذي يطلق عليه مصطلح «الملجة» يقولون «فلان ملج فلانة» أي صارت ملكاً له، أي أن كتابها قد كُتب وعُقد قرانها على يد «المطوع» أو رجل الدين، فالملجة هي الإذن الشرعي في مجتمع الإمارات بقيام علاقة شرعية بين رجل وامرأة، وبعد هذه الخطوة تبدأ خطوات أخرى هي في الواقع ما يعجل بالعرس الذي يضع الاثنين تحت سقف واحد، بحسب الكتاب.
وفي مثل هذه المناسبة السعيدة تبدأ عائلة العريس في استنفار جهودها وتكريسها من أجل أن يتم العرس خلال أسبوع أو شهر أو ثلاثة أشهر على الأكثر، وخلال هذه المرحلة يتم توفير نقود المهر الذي اتفق عليه بين العائلتين، وتكون الحركة على قدم وساق، فتجهز الأكلات التي تقدم بهذه المناسبة، وتُوَضَّب غرفة العروس وجهازها، في حين تقوم عائلتها بتجهيزها من خلال تضافر جهود نساء الحي، إذ تجهز ملابسها من الأثواب مثل (الميزع والثوب المخور والكندورة المزرية أو المزراية والمخورة) كما وثق الكتاب.
ويعتبر الرزيف من الفنون المصاحبة لحفلات الأفراح، كما جاء في كتاب «مدخل التراث الشعبي في الإمارات»، فهو من أهم الفنون في الخليج العربي، وينبع من أصالة الإنسان الخليجي وتاريخه، وهو يعد من فنون البادية، ويؤدى في أعراس البدو وفي غيرها من المناسبات مثل استقبال الحاكم، ومن مميزاته أنه لا يصاحبه أي لحن موسيقي، بل هو «رزيف» أي يرزفه المؤدون بدون إيقاعات أو آلات مصاحبة، وتقترب لغة الرزيف وهزجه من الفصيح، وهو من الفنون الجماعية التي تؤدى بطريقة حماسية عادة بعد صلاة العصر حتى ما بعد العشاء، ويغلب الأداء الجماعي عليه، وتردد في الرزيف قصائد الفخر والنخوة وبعضها يحتوي على أغاني الحب.
يرصد الكتاب، تفاصيل أخرى مرافقة لطقوس حفل الزواج، ومنها تجهيز «الزهبة»، وتعني عند أهل الإمارات الذهب والملابس والعطور، وتتكون من الحقائب التي تكتظ بثياب وعطور وأحذية وذهب ومجوهرات، وتنقسم الزهبة إلى قسمين، أحدهما للعروس، والآخر لأهلها، إضافة إلى المواد الغذائية الضرورية والتي تسمى «المير» كالأغنام والأرز والطحين والسكر والشاي وغيرها من المواد الغذائية، وتتلقى عروس الإمارات حظها من الذهب الذي يمثل عنصراً أساسياً عندها، وأهم هذه الأشياء «أبو شوك» وهي أساور عريضة عليها بروزات تظهر أنها تحفة فنية جميلة، و«الدلال» الذي يزين جبين الفتاة وما به من نقوش وحبات تتدلى في وحدات زخرفية بديعة تجملها بعض الأحجار الكريمة أو الفصوص الملونة التي تزيدها جمالاً وإبداعاً، و«الكواشي» وهي أقراط تزين بها المرأة أذنيها وتوجد منها أنواع عديدة، فهي دقيقة في صنعها ودورانها، ثم انسيابها وتحدبها في مناطق تعكس الظل والنور، و«الحزام» الذي يزين الخصر، حيث تتشابك حلقاته مع بعضها في تناسق جميل، و«الطاسة» وهي غطاء للرأس به زخارف متنوعة، وتوجد تصاميم كثيرة لها، تختلف حسب الظروف والقدرة، وأحياناً تتكون من شناف من الفضة الخالصة. كما تشمل الملابس الشيلة، والبرقع، والمزري، والعباية المصنوعة من الحرير، وأحياناً تسمى «صدر»، و«سويعية» و«أم الخدود» و«أم الثلايج» الخفيفة أو السميكة إلى جانب «الكندورة» و«السروال أبو بادلة» وغيرها من سراويل مختلفة الألوان.
والكندورة فستان أو جلابية تستخدم قديماً وتصنع من الأقمشة، أهمها: «بوطيرة، جف السبع، بوكليم، بونيرة، ميدة، بودكة، سلطاني»، والثوب الذي يلبس فوق الكندورة، أشبه بجلباب واسع مفصل بطريقة معينة، ويزين على الصدر بالتلي، والأقمشة المستخدمة في عمل الثوب خفيفة، بحيث تكون الكندورة واضحة، ما يزيد من جمال مرتديته، وقديماً كانت تستخدم في تطريزها خيوط فضية أو ذهبية، والبرقع قماش من نوعية الورق، كحلي اللون يفصل على شكل الوجه ثم يغطى به.
موكب التفاخر
يواصل الكتاب سرد باقي «الزهبة»، ومن محتوياتها العطور، وأهمها «دهن العود» والصندل الوردي والفل والعنبر والزعفران والمحلب ودهن الورد والنرجس والياسمين، إضافة إلى المخمرية وهي خلطة من العطور ممزوجة ببعض أنواع الأعشاب العطرية تصنع للعروس فقط. وكانت «الزهبة» في الماضي تنقل من بيت العريس إلى بيت العروس يوم الأربعاء عصراً في جو غنائي حافل بالبهجة والفرح، فتجتمع نساء المنطقة وأهل العروس ويطوفون بها للتفاخر والمباهاة، ويوضع جهاز العروس في صندوق أو في حقائب تحملها بعض النساء، ويظل الموكب في مسيرته وغنائه إلى أن يصل إلى بيت العروس، وهناك يكون أهل العروس في استعداد تام لاستقبال ضيوفهم، حيث تذبح الأغنام، وتحضر الولائم من اللحم والأرز وبعض الحلوى، وتفرش البسطة في ساحة منزل العروس للنساء، وفي خارج المنزل للرجال من الضيوف، وتستقبل أم العروس وأهلها وبعض النساء من الجيران والأهل الضيوف، وتقدم لهم القهوة والفوالة والخنفروش والمحلى، وجميعها حلويات تصنع من الدقيق، وتقوم أم العروس بفتح الصندوق أو الحقائب أمام المدعوات من النساء الزائرات اللائي يتوافدن على بيت العروس لمشاهدة «الزهبة»، فتعرض قطع الذهب والملابس أمامهن وترتفع أصوات النساء بالتبريكات والصلاة على النبي والدعاء للعروس والعريس.
يوم الزفاف
في بعض العائلات، كما يؤكد كتاب «مدخل التراث الشعبي في الإمارات»، نرى الأقارب والأهل والجيران يقومون بمساعدة العريس بالمال، لمؤازرته في تخفيف أعباء الزواج، كما أن هذه العادة ترد مرة أخرى إلى أصحابها من العريس في مناسبة أخرى. وتستمر الأفراح أسبوعاً، وفي صباح يوم الزفاف الذي عادة ما يكون الخميس، تجتمع بعض نساء القرية في بيت أهل المعرس لمساعدتهم في إعداد الفطور للضيوف، حيث يتوافد الرجال والنساء من جميع أنحاء القرية للسلام والتهنئة، ويقدم لهم الفطور والقهوة، ويقوم أهل العريس بذبح الأغنام والجمال، وفي خيام الغداء غالباً ما يكون الحضور من أهل القرية والأقرباء، أما في المساء فيتوافد المدعوون من جميع القرى على الجمال أو الحمير أو مشياً على الأقدام يرافقهم أطفالهم وبعض النساء، ويقوم الحضور الجالسون في ساحة العرض بملاقاة الضيوف المقبلين.