يمارس عدد من المسلمين بعض العادات والسلوكيات التي قد لا يدركون خطرها من الناحية العقدية، وأبرزها تعليق التمائم والسلاسل وضرب الودع وقراءة الفنجان أو الذهاب إلى بعض العرافين والمنجمين، فضلاً عن التطير أو التفاؤل والتشاؤم ببعض الأشخاص والأحداث . وهذه الممارسات بعضها بدع قديمة كان يمارسها الجاهلي قبل النبوة، بينما بعضها الآخر بدع حديثة مارسها الإنسان مع التقدم العلمي الحديث، ومن هذه البدع ما يدخل في نطاق العادات التي تؤثر في السلوك، ومنها ما يندرج في نطاق العبادات ويؤثر في العقيدة والإيمان، ولهذا ينبغي على المسلم أن يراجع عاداته ويزن تصرفاته بميزان الشارع الحكيم حتى لا يعرض نفسه ودينه للشبهات .
يأسف الدكتور نبيل السمالوطي أستاذ الاجتماع في جامعة الأزهر لأن كثيراً من هذه التصرفات ارتبطت بعادات المجتمع وتقاليده، كما أنها أخذت شكلاً دينياً في بعض الأحيان، حيث يمارس بعض الناس هذه البدع بمسميات دينية وفهم خاطئ للنص الشرعي وروح التعبد .
وتأخذ هذه البدع أشكالاً اجتماعية عدة من ذلك:
التنجيم: أي الاستعانة بحركة النجوم لتوقع ما سوف يكون في المستقبل من خير أو شر أو مرض أو موت .
ضرب الودع أو ضرب الرمل: وهو عبارة عن الضرب بالحصا وتخطيط معين على الرمل لمعرفة ما يخبأ للإنسان في مستقبله .
قراءة الكف والفنجان: وهو استدلال بخطوط كف الإنسان أو آثار قهوة الفنجان على حظه في الدنيا .
قياس الأثر: أي أخذ قطعة من متعلقات الإنسان مثل الثوب أو الشعر وقياسها .
التمائم: أي تعليق بعض السلاسل أو الأحجبة أو الخرزات أو الودع والحلقات بهدف دفع الشر والحسد وجلب الخير والنفع للإنسان .
فضلاً عما يرتبط بهذا من إتيان الكهان، أو مسألة التفاؤل بالقطة البيضاء ونزول المطر أو التشاؤم من القطة السوداء والغيوم، وغير ذلك .
العقل والأخذ والأسباب
وبرؤية اجتماعية يشير الدكتور السمالوطي إلى تراجع شرائح عديدة من الناس عن التعلق بهذه البدع، ولكنها لا تزال موجودة، خاصة عند بعض الشباب والسيدات وكذا الشريحة الاجتماعية التي تعاني بعض المشكلات الصحية والاجتماعية، ويرصد عدداً من أخطار هذه الخرافات بما يتصادم مع حقائق الإسلام وهدفه في حياة البشر ومن ذلك:
أولاً: هذه البدع تهون من شأن الإنسان وقدراته البدنية والعقلية، فهذا الإنسان الذي جعله الله خليفة له في خلقه ومنحه هذا العقل الذي هو مناط التكليف والاختيار ووسيلة البناء والإعمار، لا يمكن أن يأخذ قراره على أساس التفاؤل بخرز أو التشاؤم من لون القطة أو التعرف إلى المستقبل عن طريق حصوات أو خرزات أو عدد من الخيوط والآثار .
ثانياً: الناظر إلى الإسلام كله، يجد أنه يدفع الإنسان إلى أمرين واسعين وهما الإيمان بالله الخالق المدبر ثم الأخذ بالأسباب في نطاق قدرة الإنسان وعقله وفهمه، والقرآن الذي يقرر مثل هذه المعاني في مئات المواضع: إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غداً وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير، قرر كذلك في مئات المواضع مثل هذه المعاني: ألا تزر وازرة وزر أخرى . وأن ليس للإنسان إلا ما سعى . وأن سعيه سوف يرى، فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً، وآتيناه من كل شيء سبباً . فأتبع سبباً .
ثالثاً: هذه البدع تتصادم مع المكونات الأساسية للإيمان التي تدور حول كون الغيب بيد الله وحده، وكون الرزق بيد الله وحده، وكون الله تعالى هو الضار وهو النافع وحده، وهو وحده الذي يعلم قيام الساعة ويعلم السر ويعلم تقلبات الزمان والمكان والأحداث، وهو إيمان يزيل كل مظاهر الخوف والقلق التي تعتري الإنسان حول نفسه وماله وصحته وزواجه وطلاقه .
الشبهات الاعتقادية
ويفصل الدكتور عبدالمهدي عبدالقادر أستاذ الحديث بكلية أصول الدين في جامعة الأزهر أسانيد الإسلام في رفض هذه الخرافات . ويقول: بالنسبة إلى تعليق بعض التمائم أو الخرزات أو لبس الحلقان وغيرها فهي مما ورد فيه النهي بشكل مباشر، وقد يقول قائل إن هذه المتعلقات ليست بهدف جلب الخير أو دفع الشر أو الاعتقاد في الخرزة أو الشيخ الذي كتب هذا الحجاب أو غيره، وهذا كلام طيب، لأنه لا يجعل مثل هذه البدع تدخل في مجال بدع العقائد أو بدع العبادات التي قد تخدش عقيدة التوحيد وتبعد صاحبها عن الإيمان الخالص، ولكنها تظل في باب الشبهات التي تدنو بصاحبها من المعصية وتجعله شبيهاً بمن يمارسون بعض الشركيات، بقصد نادراً ومن دون قصد في الغالب .
ولهذا رأينا النصوص الشرعية تدفع المؤمن للإيمان الخالص وتبعده عن الشبهات وتحذر من التمائم وهذه المعلقات .
يقول الحق تعالى في مبدأ سد مثل هذه الشبهات الاعتقادية: قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون .
وفي الحديث عن أحمد والحاكم وغيرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من علق تميمة فلا أتم الله له، ومن علق ودعة فلا أودع الله له وفي حديث أحمد: من علق فقد أشرك، وفي رواية عائشة رضي الله عنها: ليست التميمة ما يعلق به بعد البلاء، إنما التميمة ما يعلق به قبل البلاء .
وحتى يجرد الإسلام النفس من الاعتقاد في ما دون الله، قال عليه الصلاة والسلام: من علق شيئاً وكل إليه .
وهكذا يدعو الرسول كل أحد إلى التوكل الخالص على الله، ثم الأخذ بالأسباب الظاهرة عند الخوف أو المرض، ولهذا قال عليه السلام: تداووا فإن الذي خلق الداء خلق الدواء .
أما بالنسبة إلى التنجيم يضيف الدكتور عبدالمهدي فينبغي التفريق بين علم الفلك والتعامل مع النجوم باعتبارها آية من آيات الله في خلقه ووسيلة من وسائل الحساب وتقدير الليل والنهار، فهي بهذا المعنى علم مطلوب شرعاً وعقلاً وواقعاً، والسياق القرآني العام يشدد على هذا العلم ويدعو له، وبين التنجيم بمعنى التخمين أو الاستدلال بالنجوم على الأحداث وما سيكون من مرض أو موت أو خير أو شر، فهذا مما يفتح باب المعصية والتعلق بغير الله .
ولهذا نهى الإسلام عن التنجيم الذي يدعي معرفة ما يحدث في المستقبل أو التعلق بالنجوم ذاتها وليس بخالق النجوم، ومن دلالة هذا ما يروي زيد في الصحيحين قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح في أثر سماء أي بعد نزول المطر كانت بالليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: أتدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي، كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا أي وقت النجم كذا فذلك كافر بي، مؤمن بالكواكب .
التشاؤم والتفاؤل
ومن الأمور التي تفتح باباً واسعاً للشبهات كذلك، مسألة التفاؤل والتشاؤم، فهي من الناحية المبدئية قد تبدو بسيطة ولكنها قد تقترب من الخرافات والشركيات .
يقول الدكتور عبدالمهدي عبدالقادر: التفاؤل والتشاؤم من الأمور التي حذر منها الإسلام وسمتها النصوص الشرعية بالتطير أو الاستقسام بالأزلام .
القرآن الكريم اعتبر الاستقسام بالأزلام فسقاً محرماً، فقد قال تعالى بعد أن ذكر ما حرمه الله من الأطعمة: وأن تستقسموا بالأزلام ذلكم فسق، وهذه الصورة كانت موجودة في الجاهلية حيث كان الواحد منهم يأتي بأسهم ويكتب على أحدها أمرني ربي وعلى الثاني نهاني ربي، ولا يكتب على الثالث شيئاً، فإذا أراد زواجاً أو سفراً أو حرباً استعان بالسهم وقرر رأيه بناء على الأمر أو النهي المكتوب على السهم .
وكما نرى هي خرافات لا تتفق مع دين ولا عقل ولا منطق يسيّر به الإنسان أموره .
وفي التطير كان الجهال يأخذون قراراتهم حسب وجهة الطير .
واليوم قد يتطير بعضنا بدار أو يوم أو شهر أو موت أحد أو وفاة أحد أو لون سيارة، أو غير هذا، ولو أثر هذا التطير (التفاؤل أو التشاؤم) في قرارات الإنسان المرتبطة بالرزق أو الأجل أو دفع الشر وجلب الخير، فإنه يكون قد ارتكب إثماً كبيراً .
وللتدليل على هذا الإثم أن القرآن ذم التطير واعتبره سلوك أعداء الله ورسوله، يقول القرآن عن مثل هؤلاء: وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه، قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم . قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون .
وفي حديث أبي هريرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: لا عدوى، ولا طيرة، ولا هامة، ولا صفر أي لا عدوى للمرض بذاته بعيداً عن قدر الله، ولا تطير بطائر ولا غيره، ولا تشاؤم بشهر كشهر صفر على نحو ما كان يتشاءم أهل الجاهلية من شهر صفر .
الفأل الحسن
وما ينبغي قوله هنا في مسألة التفاؤل أو التشاؤم أن سرور النفس عند سماع كلمة معينة هو من باب الفأل الحسن المقبول شرعاً، فمثلاً لو ذهب أحدنا إلى عمله، ثم سمع أحد المارة يدعو بالرزق الحلال أو تسهيل الأمور، واستراحت نفسه لهذا الدعاء فلاشيء فيه، وهذا هو الذي سماه الرسول الفأل الحسن المقبول حيث قال عليه الصلاة والسلام كما في حديث البخاري ومسلم: لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل الحسن ومنه حسن الاسم وحسن الوجه وحسن الدعاء .
وما نؤكده أن خطورة هذه الأمور تبدو عندما تجعل الإنسان يتجاهل قدر الله أو يتهاون في الأخذ بالأسباب أو يعطل عقله وعلمه وعمله.