أدرك الدكتور عادل الكراني منذ البداية أنه قادر على تقديم الكثير لوطنه الإمارات من خلال اختياره لهذا الاختصاص الصعب الذي يعاني قلة المختصين، فقرر أن يقدم كل ما باستطاعته ليتميز في هذا المجال، وأخذ على عاتقه المهمات الأصعب التي مازال يسعى إلى تحقيقها بجد، ألا وهي العمل على رفع مستوى الخدمات الطبية النفسية في العالم العربي، وتوطيد العلاقة بين المواطن العربي وبين الطبيب النفسي، وقد اختارته رابطة الأطباء النفسانيين العرب مؤخراً ليكون رئيساً لها، إذ تم انتخابه ضمن فعاليات المؤتمر الثاني عشر للطب النفسي الذي أقيم في دبي مؤخراً لتتسع أحلامه في هذا المجال الذي وهبه كل طاقاته، ويزيد حجم مسؤولياته التي بدا سعيداً بها ومتحمساً لتحقيقها، في هذا الحوار الطبيب النفسي عادل الكراني يحدثنا عن دوره كاستشاري للطب النفسي وشعوره بالمنصب الجديد الذي تقلده، إضافة إلى الجانب الاجتماعي من شخصيته واهتمامه بتعزيز دور الطب النفسي في خدمة المجتمع .
كيف كان شعورك عندما علمت أنه تم اختيارك لتكون رئيساً لرابطة الأطباء النفسانيين العرب؟
- كنا نحضر للمؤتمر الثاني عشر للطب النفسي العربي الذي أقيم في دبي، وكنت متخوفاً قليلاً من المسؤولية في البداية، والحمدلله جرت الأمور بشكل جيد بمساعدة الأخوة العرب، وبعدها أتت المسؤولية الأكبر وهي رئاسة رابطة الأطباء العرب حيث تم إختياري لأكون رئيساً للجمعية على هامش فعاليات المؤتمر .
حدثنا عن هذه المسؤوليات المتعلقة بهذا المنصب .
- أكبر هذه المسؤوليات هو تفعيل دور الطب النفسي اجتماعياً، بحيث يرتقي لحمل المسؤولية الكبيرة في العالم العربي، وخصوصاً في ظل الظروف التي تعيشها مجتمعاتنا العربية في الوقت الراهن التي تتطلب بذل جهود كبيرة ليقوم الطب النفسي بدوره الفاعل، وأنا أعتبر ان دوري يتمثل بالارتقاء بالصحة النفسية بشكل عام، والعمل على رفع مستوى الخدمات الطبية النفسية في العالم العربي .
من المعروف أن قلة من الناس تتجه نحو التخصص بالطب النفسي، ما الذي دفعك لاختيار هذا الاختصاص تحديداً؟
- كنت بطبعي أميل إلى مساعدة الآخرين ويجذبني هذا الميدان بشكل مشوق، وعندما قررت ان أدرسه فعلاً وسافرت ببعثة إلى جمهورية إيرلندا اكتشفت أنني أستطيع أن أخدم بلدي الإمارات كثيراً في دراستي للطب النفسي، فنسبة الأطباء النفسانيين قليلة جداً، وتخصصي هذا جاء نتيجة شعوري بالمسؤولية، فقد تنبهت أن الناس يرتاحون لمواطنيهم وأبناء بلدهم في هذا التخصص النادر بسبب تقارب الثقافة، وقدرتهم على فهم مشكلاتهم النفسية التي لايمكننا أن نتجاهل دور البيئة والثقافة الواحدة التي يدرك خلفيتها وتفاصيلها من ينتمي إلى البيئة نفسها، ويتحدث اللغة نفسها، فالمريض يرتاح نفسياً للطبيب الأقدر على فهمه وهذا يؤثر في استجابته للعلاج .
هل أيدتك العائلة في اختيارك لهذا التخصص، وهل كان لأحد أفراد عائلتك دور في هذا الاختيار؟
- كان لدى عائلتي تخوف في البداية من اختياري هذا التخصص، لأسباب عدة أهمها أن اختصاص الطب النفسي غير متوفر وليس اختصاصاً جذباً بالنسبة للأغلبية، وأيضاً هناك وصمة بالنسبة للمرض النفسي في العالم العربي، ولهذا كانوا يفضلون لو أني اخترت أن أتخصص بأي مجال طبي آخر كالجراحة أو الطب الباطني، لكان هذا أفضل بالنسبة لهم، ولكنهم بعد أن لمسوا التغير الكبير والتطور الثقافي الذي يعيشه مجتمعنا الإماراتي في الآونة الأخيرة، وأدركوا ما كنت أقوله عن الحاجة لهذا النوع من الاختصاص في مجتمعاتنا، رأيت من عائلتي الدعم والتشجيع، وأنا أشجع كل عائلة على ان تدعم أبناءها وتشجعهم في حال اختيارهم للاختصاصات الفريدة غير المتوفرة التي نحن في أمس الحاجة إليها، فليست الدول العربية وحدها، بل العالم كله بحاجة إلى الطب النفسي لقلة المختصين، وأذكرهم بأن الصحة لا تكتمل بدون الصحة النفسية .
أين درست الطب النفسي؟
- درست في جمهورية أيرلندا وتخصصت في بريطانيا، حيث حصلت على الماجستير من جامعة كاردف في بريطانيا وعام 2008م حصلت على الزمالة من الكلية الملكية للأطباء النفسانيين في لندن، وبعدها عدت إلى الإمارات لأفيد أخوتي بخبراتي التي حصلت عليها من أجلهم، ولأعمل على خدمة هذا المجتمع الذي أنتمي إليه وأحبه .
من الملاحظ أن عدد الأطباء النفسيين في العالم العربي قليل فما السبب؟
- هذا الكلام صحيح، ولا ينطبق على العالم العربي وحسب، بل في العالم أجمع نلاحظ ندرة الأطباء النفسيين مع وجود الحاجة الملحة لهم، وأنا أعتبر أننا محظوظون في الإمارات فلدينا نحو (100) طبيب نفسي منهم 15 طبيباً إماراتياً على الأقل والباقون من البلدان العربية والدول المجاورة الأخرى .
هناك مشكلة أخرى تتمثل في قلة الأطباء النفسيين المختصين في فروع الطب النفسي، هل لك أن تحدثنا عنها؟
- هذه المشكلة تتفرع عن المشكلة الأساسية وهي ندرة الاطباء النفسيين عامة وبالتالي يقل عدد المختصين، فبالنسبة للطب النفسي الخاص بالأطفال والمراهقين على سبيل المثال هناك أربعة أو خمسة مختصين فقط في دولة الإمارات، معظمهم يعملون في العيادات الخاصة، وفي هيئة الصحة في دبي لدينا طبيبة نفسية متخصصة بالأطفال والمراهقين وهناك خدمات متخصصة تقدم لهذه الفئة من المرضى .
ما أبرز الصعوبات التي تواجهها في عملك؟
- للأسف الصعوبات نابعة من نظرة المجتمع للمرض النفسي، فمعظم مجتمعاتنا العربية تتأخر في طلب العلاج، وهذا يصعب علينا المهمة لأن المريض عندما يصل إلى العيادة النفسية يكون قد وصل إلى مراحل متقدمة من المرض، وعادة العلاج المبكر يكون أسهل بكثير بالنسبة للطبيب وبالنسبة للمريض من العلاج المتأخر .
من المعروف أن السنوات الخمس الأولى مهمة جداً في تكوين شخصية الطفل، هل تكون التربية أكثر تعقيداً بالنسبة لك كونك طبيباً نفسياً؟
- على العكس تماماً فلقد ساعدتني المعارف والخبرات التي حصلت عليها كثيراً في التعامل مع أطفالي، فأنا أحاول أن استخدم أفضل الطرق العلمية الحديثة للتعامل معهم، وأسعى لأن يكونوا أصحاء نفسياً قدر الإمكان، وأهم النقاط التي أحب أنبه الآباء والأمهات في هذا الخصوص إليها، هي ألا يقلقوا بخصوص بعض سلوكيات أطفالهم فالأغلبية منهم لديهم تقلبات تزول في معظمها مع تطور نموهم، ولكن من المهم أن نعرف أن الأطفال لديهم الكثير من الأمور التي تعتبر طبيعية ومنها القلق الخفيف عند الطفل شعور طبيعي لأنه عائد إلى التساؤلات التي تحكم مرحلة الطفولة واكتشاف العالم، ولايجب أن يستدعي منا القلق بل على العكس فالهدوء هو أفضل طريقة للتعامل مع الطفل، وهناك نقطة أخرى مهمة جدا وهي الاهتمام بالجانب العاطفي لدى الطفل، كالاستماع للطفل واللعب معه وتقبيله واحتضانه ليشعر بقرب والديه منه وأهميته بالنسبة لهم، وهذا أمر بالغ الأهمية بالنسبة للطفل، وأشدد على هذه الناحية لأني لاحظت أن هناك توجهات مادية من قبل الكثيرين تبعاً لطبيعة عصرنا، فالكثير من الآباء يعتبرون أن مهمتهم الأساسية ترتكز على تأمين المتطلبات المادية للطفل، على اعتبار أنها الأهم، وهذا الاعتقاد غير صحيح فالعاطفة أولاً .
هل يؤثر انشغالك بمسؤولياتك الكثيرة في علاقاتك مع الأهل والعائلة؟
- أهلي وزوجتي يساندونني كثيراً ويدعمونني، بتفهمهم لحجم مسؤوليتي كاستشاري طب نفس، خصوصاً بعد أن ازدادت مسؤولياتي وصار لدي مسؤوليات كبيرة عليّ إنجازها . لذا فإن الوقت الذي أقضيه مع العائلة قليل نسبياً، لكن ابذل قصار جهدي لاستثماره واستخدام الوقت بنوعية النشاطات وإعطاء الأولوية للعائلة والأهل . وأحاول أن تكون الأوقات التي أقضيها معهم مميزة وجميلة .
ما أكثر المواقف طرافة التي حصلت معك في مجال عملك؟
- أكثر المواقف طرافة التي تتكرر معي عادة، هي أن البعض ما أن يسمعوا أني طبيب نفسي حتى يبادروا بإلقاء النكات التي تتناول هذا الاختصاص، وبعد قليل أفاجأ بهم يطلبون رقم هاتفي للتواصل معي من أجل الاستفسار عن مشكلاتهم النفسية بعيداً عن أعين الآخرين، وهذا يدل على أن أغلب الناس يتظاهرون بأنهم لا يعانون نفسياً، علما أنهم بحاجة ماسة إلى استشارة نفسية .
حدثنا عن أحلامك وخططك المستقبلية على صعيد العمل، وعلى الصعيد الشخصي
- أتمنى أن أنجح في توطيد علاقة الإنسان الإماراتي والعربي مع الطب النفسي، وأن أقلص هذا الخوف الذي يعتري الناس من التوجه للطبيب النفسي، وأرجو أن أوفق في رفع مستوى خدمات الطب النفسي، كما أنني حالياً أدير برنامج بالإقامة الذي يهتم بتخصص الطب النفسي في هيئة الصحة في دبي، وحالياً يتدرب لدينا عشرة طبيبات وأطباء، وإن شاء الله خلال ثلاث أو أربع سنوات سوف يكون لدينا دفعة جديدة ومحلية متخرجة من دولة الإمارات، وهذا أعتبره اللبنة الأولى لبناء مستقبل الطب النفسي في دولة الإمارات .