لا نندهش حين نكتشف أن كثيراً من التصاميم والأفكار الغربية المتعلقة باللباس قد وصلت إلى أوروبا قبل ألف ومئتي سنة عندما كانت إسبانيا جزءاً من العالم الإسلامي.
حلّ زرياب بقرطبة الإسبانية في القرن التاسع، كان موسيقياً وراء الشباب في أدب السلوك، ومبدع أزياء وتصاميم كذلك. يعتبر الكاتب جيسون ويبستر أن زرياب جلب معه الأزياء كلها، إذ كانت بغداد هي باريس أو نيويورك عصرها. فكان تدفق الأفكار العارم هذا من بغداد إلى قرطبة. أحضر معه معجون الأسنان، ومزيلات الروائح، وتسريحة الشعر القصير، هذا هو الواقع، وكان في قرطبة نظام تنوير الشوارع، والصرف الصحي، والماء الجاري.
كانت بغداد مركزاً ثقافياً وفكرياً عظيماً ومنها جلب زرياب أدوات مائدة جديدة وتقليعات رائدة وحتى ألعاب الشطرنج والبولو، كان رجلاً انتقائياً، وبهذا اشتهر، وارتبط اسمه بالأناقة.
لقد تأثر بلاط الخلفاء بالمظاهر الفاخرة بفضل ذوقه الرفيع وأساليبه الباذخة، في حين قلّد القرطبيون العاديون قصة الشعر القصير واستمتعوا بالأثاث الجلدي كالذي جلبه معه إلى إسبانيا. بعد ألف ومئتي سنة من زرياب، قال المؤرخ الفرنسي هنري تيريس «إن زرياب أبدع ثياباً شتوية وصيفية تتوافق تماماً والمناسبات التي ينبغي أن يلبس فيها كل زي منها، كما أضاف ثياباً نصف فصلية لتوائم الفترات ما بين الفصول، وأدخل الثياب الشرقية المرفهة إلى إسبانيا، وبتأثيره أقيمت صناعة الأزياء التي أنتجت نسيجاً مخططاً ومعاطف من نسيج شفاف ما زالت تشاهد اليوم في المغرب العربي». اكتسب زرياب بفضل إنجازاته احترام الأجيال المتعاقبة حتى يومنا هذا، فما من بلد في العالم الإسلامي إلا وفيه شارع أو فندق أو ناد أو مقهى يحمل اسم زرياب. وما زال العلماء والموسيقيون في الغرب يدينون له ويحترمونه.
تزامن وجوده في جنوبي إسبانيا مع حركة تطور هزت العالم الإسلامي عموماً مما حوله إلى شخصية أسطورية ترافقت مع ذلك التحول. طور المسلمون وبخاصة في الأندلس، نمط الحياة وطراز المعيشة، كان اختيارهم أطعمة خاصة وألبسة معينة مصنوعة من قماش ومواد متنوعة أمراً أساسياً في توفير الراحة والحياة الرغيدة، كانت الملابس الشتوية داكنة الألوان تصنع أساساً من قطن دافئ أو صوف، أما أزياء الصيف فكانت من مواد خفيفة كالقطن والحرير والكتان وبألوان فاتحة ناصعة، بصباغة محلية. كما ورث مسلمو الأندلس عدداً من الصناعات المعتمدة على البلوط والسنديان التي طورها الرومان، بما في ذلك صناعة الأحذية ذات النعل الفليني، وكثفوا هذه الصناعة ونوعوها حتى أصبحت سلعة التجارة والتصدير.
كان الحذاء يسمى قورق وجمعها أقراق، والفنان، الذي يصنع هذا المنتج يسمى «قراق»، وكان من بين هؤلاء، الفنانين، بحسب ما ذكر ابن عربي، رجل متصوف من إشبيلية يدعى عبدالله، وكان لصانعي هذه السلعة أحياء خاصة بهم تدعى قراقين، وتسمى الآن في غرناطة كراكين.
ذكر كاتبان أندلسيان من العصور الوسطى هما السقطي وابن عبدون مواصفات مفصلة عن صناعة الأحذية ذات النعال الفلينية، ومن أشهرها تلك التي كان يخاط بها الجلد في مؤخرتها لئلا تكون رقيقة ضئيلة. وكان بعض صانعي الأحذية يضعون رملاً تحت الكعب ليخففوا من وطأته كي لا يؤدي إلى تحطيم الحذاء عند الاهتراء، وقد تبنى المسيحيون بعد فتح الأندلس عديداً من تلك النماذج والأزياء، خصوصاً ما كان أكثرها تقدماً ورقياً.
لذلك فعندما تخرج إلى السوق في المرة التالية كي تشتري آخر الأزياء من أفخر حوانيت المصممين وأكثرها أناقة، تذكر الكعب العالي الذي كان قبل ألف سنة، وعندما تجرب بنطالاً صيفياً خفيفاً أو ثوباً، تذكر زرياب قبل ألف ومئتي سنة، إذ كان ذلك زمن انطلاق مثل هذه التقليعات والأزياء من الشرق إلى أوروبا.