كثيرون لم يولدوا عباقرة أو لديهم ذلك الكم الهائل من الأفكار والإبداع الذي دفع المجتمع نحو انتاجية أفضل وحياة راقية، بل تولد لديهم ذلك الفكر الابتكاري خلال سنوات من العمل الدؤوب والتفكير المستمر وإشباع الذات للوصول الى الأهداف النبيلة لخدمة المجتمع ورفض العيش على هامش الحياة. الكثيرون منا يضع معيار التفوق الدراسي والتحصيل المدرسي كأساس لأي موهبة أو عبقرية، فالتلميذ النابه هو الذي يحصد أعلى الدرجات ويلتحق بأفضل الجامعات، وهو في الحقيقة معيار خاطئ تجاوزته التجارب الفعلية لعدد كبير من العباقرة منهم من حصل على جوائز نوبل في مختلف الفروع، هؤلاء اختلفوا في تجاربهم وتخصصاتهم واتفقوا على ضعف علاقتهم مع المدرسة والخروج منها في سن مبكرة، وعلى الرغم من ذلك طوروا قدراتهم، واستغلوا ملكاتهم، فسجلوا أسماءهم في التاريخ بحروف من نور، واستحقت تجاربهم ان تكون نموذجاً يطلع عليه الآباء والأبناء للاستفادة منه. ويجب ألا يفهم من ذلك أن التمرد على المدرسة سبيل للعبقرية، فالتعليم لايزال أول أساليب الترقي الفكري والاجتماعي، لكن ما يتلقاه الشخص في المدرسة لا ينبغي أن يكون كافياً، فالحياة مليئة بمدارس أخرى غير نظامية تخرج فيها العباقرة والمبدعون.
أمثلة كثيرة تدعم ذلك منها توماس اديسون صاحب الألف اختراع، واينشتاين الذي سبق عصره بمئات السنين ولاتزال نظرياته تدرس حتى الآن، وشكسبير العبقري الذي تستمتع الجماهير حتى الآن بمسرحياته ورواياته، والساخر العظيم برنارد شو، وغيرهم كثير أثبتت تجاربهم ان الإبداع والتفكير، الى حد ما، صفة مكتسبة نتيجة لعوامل عدة أهمها اسس التربية التي نشأ عليها الشخص وما يؤثر في سلوكه بعد ذلك من اختبارات الحياة. ولعل في تجارب هؤلاء العباقرة ما يدفعنا إلى النظر من جديد في أنماط التعليم وتحريره من ثنائية الحفظ والاستظهار لغاية واحدة هي حصد الدرجات. الهدف أن تتحول المدارس إلى ساحات حرة للفكر تراعي الفروق الفردية ولا تسعى لتخريج قوالب متشابهة، لا أحد ضد المدرسة، لكننا جميعاً ضد أن تحول تلاميذها إلى أرشيف فحسب.
مدرسته الخيالية تجسدت في الغابة
الأب والأم والمدرس الخاص والألم رباعية تفوق طاغور
عندما نذكر الهند لا بد ان نذكر طاغور. فهو الشاعر الفيلسوف الذي نظم أروع ما كتب عن الحياة والضمير والفرح والحزن، ويأتي في مقدمة شعراء الإنسانية الذين وقفوا فنهم للدعوة للسلام والإخاء بين البشر.
طاغور الحالم بمدينة انسانية فاضلة وغد مشرق للإنسانية والحاصل على دكتوراه في الأدب من أفضل الجامعات الأوروبية وجائزة نوبل عام ،1903 فشل في الانتظام في المدرسة وخرج منها وهو في الثانية عشرة من عمره.
جاء أحد أصدقاء والده يوماً يسأله عن تخلفه عن المدرسة فقال له لا أحب أن أكرهه على ما لا يريد فكلما أخذته الى المدرسة يبكي وكأنني أسوقه الى المذبح، وأعتقد ان ولدي طراز آخر لن يفيد من شيء يفرض عليه بالقوة.
إذاً كيف تمكن طاغور من صناعة نفسه ليصبح الشاعر والقاص والرسام والموسيقي المذهل؟ كيف انتج 12 رواية، و11 مسرحية شعرية، و3 مسرحيات راقصة، و4 مسرحيات هجائية ساخرة، وبضعة مجلدات من القصص القصيرة وعدداً من كتب الذكريات والأسفار ومؤلفات في شتى الموضوعات؟
الإجابة ذلك معقدة، فهناك عوامل عدة ساهمت في صناعة عبقرية طاغور ليس من بينها المدرسة، التي كرهها وهو صغير، لكن والده ووالدته ومعلمه الوحيد نسجوا معاً خيوط شخصيته التي نماها هو بتأمله وحبه للاطلاع والمعرفة.
يقول طاغور عن والدته علمتني كل شيء، حتى كيف أستمتع بلعبي، وأوقات تأملاتي، كانت تضعني في حجرها وتطفئ نور المصباح، ونكتفي بنور القمر المتسرب من النافذة وتحكي لي من أساطير البنغال حتى يأخذني النوم على أجنحة نورانية. لهذا ظلت طفولتي معي، لأنني كنت سعيداً في الجلوس في حضن أمي.
وكان رحيل أم طاغور وهو لايزال في الرابعة عشرة أول ألم حقيقي لكنها استمرت في التأثير في شخصه بعد موتها حيث أصبح وحيداً يلوذ بنافذته ويتأمل في الطبيعة ويرسم من مخيلته صوراً شتى للكون الواسع، وكانت الطبيعة هي رفيقه الأول الذي وجده بجواره دائماً.
كان والد طاغور هو المدرسة الحقيقية التي تربى فيها وتعلم منها، إذ نمى لديه منذ الصغر نزعة استقلال الذات والاعتماد على النفس، وكان يصطحبه معه في رحلاته التأملية الى جبال الهيمالايا ويتركه وحيداً في جولات طويلة يجوب فيها مسالك تلك الجبال الخطرة. وعندما رفض طاغور الذهاب الى المدرسة التي لا يحبها، عوضه الأب عنها بمدرس رائع أعطاه الدروس في المنزل.
وعندما لاحظ والده اهتمامه بالأدب وقرأ شعره وأعجبه شجعه ومنحه مكافأة 500 روبية وهي مبلغ كبير في ذلك الوقت، ونشر له أول قصيدة وهو في الرابعة عشرة من عمره، كما أحسن اختيار من يعلمه في المنزل فكان المعلم دافيجندرانات المدرس الوحيد لطاغور عالماً وكاتباً ومسرحياً وشاعراً، علمه اللغة السنسكريتية وآدابها،ثم أطلعه على الإنجليزية وآدابها، وكان طاغور وفياً له فبعد رجوعه من أوروبا ومعه درجة الدكتوراه وجائزة نوبل للآداب ذهب الى قبره ووضع الجائزتين على تراب الضريح.
واستمر تأثير والد طاغور الايجابي فيه حتى عندما أرسله الى انجلترا لدراسة القانون ولم ينجح، لم يغضب منه بل شجعه على استثمار الرحلة فيما يحب، فأقبل بتشجيع من والده على دراسة خيال الشعراء الإنجليز خاصة شكسبير، واطلع على الثقافة الغربية، وتعلم الإنجليزية وأجادها وأصبح يترجم معظم أعماله بنفسه مما جعل ترجماته أصدق تعبيراً عن نفسه.
واذا كانت والدته المصباح الذي أضاء له الدنيا، ووالده المعلم الأول له، ومدرسه حكيماً، فإن الألم كان له دور كبير في الهاب مشاعر طاغور واكمال نسيج شخصيته، فقد ابتلاه القدر بوفاة زوجته التي كان يحبها ثم ابنه وابنته وأبيه في فترة زمنية قصيرة فخلفت تلك المآسي جرحاً غائراً في نفسه، قال عنه ان عاصفة الموت التي اجتاحت داري فسلبتني زوجي واختطفت زهرة أولادي أضحت لي نعمة ورحمة فقد أشعرتني بنقصي وحفزتني على نشدان الكمال.
ربما لم يرتبط طاغور بالمدرسة في حياته، لأنها لم تكن على النحو الذي يتخيله، لذلك عندما حانت الفرصة أسس مدرسة تترجم هذا الخيال.
وأنشأ طاغور عام 1901 مدرسة في مدينته كلكتا سماها مرفأ السلام تراءى له ان تكون في الغابة، كان منهج التلاميذ فيها على نحو رائع يبدأ اليوم مع تنفس الصبح حيث يرتل التلاميذ الأناشيد العذبة، ثم يمضون الى ترتيب غرفهم، وينطلقون الى الملاعب، بعد ذلك يأخذ كل طالب ركناً يفكر ويتأمل، ثم يقبل على تناول الفطور ثم الصلاة، ثم يذهبون الى الدرس الذي أعده المعلم، وللطالب حينذاك أن يعتلي الشجرة أو يفترش الأرض مستمتعاً بجمال الطبيعة والدرس في آن واحد، في الظهيرة ينتهي برنامج الدراسة النظرية وينطلق التلاميذ، بعد الغداء الى تنسيق الحدائق والقرى ليعلموا الفلاحين ويرشدوهم، وبعد مغيب الشمس يعكف الطلبة على قراءة القصص أو تمثيل المسرحيات وفي العاشرة يأوون الى الفراش.
هكذا أراد طاغور المدرسة إذ كان يرى ان التعليم من خلال الطبيعة مدرسة من دون أسوار ومقاعد خشبية ففي الغابة بين الأشجار يكون التلاميذ أحراراً في غدواتهم وروحاتهم ليتخذوا غصون الأشجار مقاعد اذا شاؤوا وليستمتعوا بالموسيقا اذا لم يعجبهم درس الرياضيات.
توماس أديسون ناقص ذكاء أضاء العالم
لم يمض توماس أديسون في المدرسة سوى ثلاثة شهور فقط وهو تلميذ صغير ليطرد بعدها بحجة انه طفل ناقص الذكاء. وعندما فصل من المدرسة لم تفقد والدته الأمل فراحت تعلمه بنفسها، وفي سن التاسعة تقريباً كان اطلع على أمهات الكتب وشغف بعلوم الطبيعة والكيمياء. وكان القدر له بالمرصاد اذ أصيب بحادث خطير وهو صغير يجري خلف القطار ولم يلحق به فجذبه الكمساري من أذنه وفقد على أثرها سمعه ولكن الطفل الأصم لم يفقد رباطة جأشه فاخترع جهاز تسجيل يحول الصوت الى طاقة كهربائية ميكانيكية لحفرها على مواد صلبة كالسلك والجرافيت ثم إعادة سماعها.
كان الأوتوجراف أول اختراع له وهو في السادسة عشرة وبعده قدم حوالي مائتي اختراع فقط في الصوتيات برغم صممه.
صنع أديسون لنفسه مختبراً في منزله ينفق عليه من مصروفه الخاص وخرج الى العمل لسد حاجاته فعمل بائعاً للصحف التي راحت تتحدث عنه فيما بعد، ثم تفرغ بعد ذلك لاختراعاته التي أدهشت العالم وبلغت ألف اختراع، إذ أضاء مصباحه مثلاً كل العالم وكسب مبالغ طائلة من اختراعاته لم يبق منها شيء لأنه أنفقها برمتها على تجاربه واختراعاته. عندما قال أحد المدرسين لأديسون انت فتى فاسد وليس مؤهلا للاستمرار في المدرسة ردت عليه الأم كل المشكلة ان ابني أذكى منك وعادت به الى المنزل وبدأت بتثقيفه وتعويضه عن المدرسة. ساعدته على مطالعة تاريخ اليونان والرومان وقاموس بورتون للعلوم، وعند سن ال 11 درسته تاريخ العالم الشهير نيوتن، وتاريخ أمريكا، وروايات شكسبير، وكان يحب قراءة قصة العالم الإيطالي غالليليو بينما كان يكره الرياضيات. وكانت والدته تكافئه بمنحه مبلغاً من المال مقابل كل كتاب يقرأه حتى أتم قراءة الكتب كلها التي تضمها مكتبة المدينة.
يقول أديسون عن والدته ومعلمته اكتشفت مبكراً في حياتي أن الأم هي أطيب كائن على الاطلاق، دافعت عني بقوة عندما وصفني أستاذي بالفاسد، وفي تلك اللحظة عزمت على أن أكون جديراً بثقتها، كانت شديدة الاخلاص وواثقة بي كل الثقة، ولولا إيمانها بي لما أصبحت مخترعاً أبداً. ان أمي هي التي صنعتني، لانها كانت تحترمني وتثق بي، أشعرتني بأني أهم شخص في الوجود، فأصبح وجودي ضرورياً من أجلها وعاهدت نفسي ألا أخذلها كما لم تخذلني قط.
كان أديسون دائم السؤال عن ظواهر الأشياء في الكون وكيفية عملها، كان بطلاً في التجارب مهما كلفه الثمن، ورفض ان يجري عملية جراحية عرضها عليه أحد الأطباء لإعادة السمع اليه فقط لأن الصمم كان يتيح له فرصة للتركيز بصورة أكبر.
شكسبير عبقرية لا تغيب عنها الشمس
شكسبير هو ذلك العبقري الذي لقب بامبراطور الأدب الإنجليزي مازال يقرأ الى الآن وتدور حوله آلاف الأبحاث والدراسات، فإذا كانت الشمس غابت عن الامبراطورية البريطانية فانها لم ولن تغيب ابداً عن وليام شكسبير الذي تصل كتاباته الى قلب وعقل كل من يقرأها، للحد الذي ترجمت معه أعماله لكل لغات العالم تقريباً.
واحتار المؤرخون والنقاد في قدرة شكسبير على ترك هذا الانتاج الغزير، وكيفية صدور هذه المؤلفات الشعرية الخالدة عن رجل لم يتوفر له قدر كبير من التعليم. ودفع ذلك بعض مؤرخي الأدب الى التشكيك في انه صاحب تلك المؤلفات الرائعة التي تنسب اليه. الا ان النقاد عبر العصور أكدوا انه صاحب هذه الروائع، اعتماداً على ان العبقرية منحة من الخالق العظيم، وتغني عن أي تعليم.
كان والده تاجراً ناجحاً في انجلترا، أرسل ابنه للتعلم في المدرسة المحلية حيث تعلم اللاتينية واليونانية، الا انه ترك المدرسة مبكراً واعتمد على التعليم في المنزل الذي اكتسب خلاله قدراً كبيراً من المعلومات التاريخية. عمل في بداية حياته في التمثيل، ثم بدأ يتألق في التأليف المسرحي، وذاع صيته بعدما ظهرت الطبعة الأولى من (قصيدة فينوس وأدونيس). وبقدر ما كانت حياته العامة عادية كان يدرك كل ما يمكن أن تنطوي عليه أخلاق البشر من سمات، وكتب ما لا يقل عن 154 قصيدة غنائية، بشكل يثير تساؤلاً: كيف تمكن هذا الرجل الذي يبدو طبيعياً للغاية ان يستكشف عبر مسرحياته كل تلك الجوانب من العواطف الانسانية من انفعالات المآسي العميقة، الى الفكاهة الشعبية في مسرحياته الهزلية؟ انه مؤلف مسرحي يكاد يكون كاملاً، التلاحم بين شخصياته محدد وواضح وإحساسه بالزمن والنتائج رائع،كما ان شخصياته بلغت درجة من التعقيد والاقناع في الوقت نفسه. لم يكن ابداً أديباً فقط بل كان باحثاً نفسياً متعمقاً في النفس البشرية غارقاً في تحليلها بخيرها وخطاياها. وعبقريته ليس فقط في التحليل النفسي بل في اللغة التي كتب بها نصوصه، لأنه استطاع ان يخترق قلوب وعقول القراء فالتمس وتراً في قلوبهم جعلهم يحبونه ويظل معهم في كل العصور ورفعه هذا الى منزلة أدبية لم يصل اليها غيره.
وأعمال شكسبير الأكثر شيوعاً وقراءة على مدار التاريخ وترجمت الى أكثر من 100 لغة، وتحولت مسرحياته الى أكثر من 300 فيلم، بالإضافة الى عرض أعماله على المسارح بجميع انحاء العالم حتى بعد وفاته بأكثر من 400 سنة.
الجامعات مصانع معلبات
هناك عباقرة ومبدعون آخرون كرهوا المدرسة ومقاعد الدراسة، فالفيلسوف الدنماركي كيركجور كان يسمي الجامعات مصانع المعلبات ولم يجد في كل التاريخ ان الجامعات قدمت فيلسوفاً عظيماً، ويرى أن أفضل المدارس هي التي لا تضم جدراناً كتلك التي خرج منها أرسطو وسقراط وأفلاطون.
والفيلسوف براترند راسل يقول اذا كانت المدرسة مثالية والطالب عادياً فهذه مشكلة، وإذا كان الطالب والمدرسة عاديين فهي مشكلة أخرى، ان المدرسة المثالية هي التي فيها كثير من الحرية والحركة، وانت تختار ما يعجبك ولا خوف منك ولا عليك.
أينشتاين صمت دهراً ونطق سحراً
تأكد أنك تعرفه وتحفظ اسمه عن ظهر قلب، لكن هل تعلم أن العبقري الألماني أينشتاين الذي غيّر العالم بنظريته عن النسبية وهو لايزال في الثلاثين من عمره تأخر كثيراً في النطق، وكان مستواه في المدرسة سيئاً للغاية، حتى ان معلمه نصح والده ألا يرهق نفسه في اختيار تخصص لابنه لأنه سيفشل حتماً بغض النظر عن نوع الدراسة، وحين غادر والده ألمانيا متجهاً الى إيطاليا بقي أينشتاين في ألمانيا في محاولة يائسة منه للحصول على شهادة تعليمية قد تمكنه يوماً من الحصول على رغيف الخبز بشرف، ولكن معلماً آخر قال انه لا أمل فيه ويحسن أن يغادر المدرسة ففعل.
كان اينشتاين يحب الصمت والتأمل ولم يهو اللعب كأقرانه، ولم يعجبه أبداً نظام المدرسة وطريقة التعليم التي تحصر الطالب في نطاق ضيق ولا تدع له مجالاً للإبداع وإظهار الإمكانيات.
أهداه والده بوصلة صغيرة في عيد ميلاده العاشر وكان لها الأثر البالغ في نفسه وبإبرتها المغناطيسية التي تشير دائماً الى الشمال والجنوب واستخلص هذا الطفل بعد تأمل عميق ان الفضاء ليس خالياً ولا بد من ان فيه ما يحرك الأجسام ويجعلها تدور في نسق معين.
تعلق أينشتاين في شبابه بعلم الطبيعة والرياضيات وبرع فيهما في البيت وليس المدرسة ووجد متعة في علم الهندسة وحل مسائلها.
تعلم الموسيقا وهو في السادسة من عمره وكان يعزف على آلة الكمان. كانت أكبر مشاكله اضطراره لدراسة اللغات والعلوم الإنسانية التي لا تطلق للفكر العنان وإنما حفظها للحصول على الشهادة، وكان كثيراً ما يحرج أساتذة الرياضيات لتفوقه عليهم وطرح أسئلة لا يستطيعون الرد عليها، عندما طرده أحد الأساتذة من المدرسة قال له وجودك في المدرسة يهدم احترام التلاميذ لي.
وعندما سافر الى ميلانو ليلحق بوالده التحق بمعهد بولوتيكنيك لكنه رسب في جميع الامتحانات فيما عدا الرياضيات فأرشده مدير المعهد ليدرس دبلوماً في إحدى مدن سويسرا وحين انتقل للدراسة هناك، وجد المعلمين الذين يهتمون به، لكنه كان يفضل ان يتعلم بمفرده، مما جعله يهتم بالمواد التي يبرع فيها، ويتجاهل المواد الأخرى فرسب من جديد، وأعاد الاختبار مرة تلو الأخرى، حتى استطاع أخيراً ان يشق طريقه بصعوبة بالغة الى الجامعة التي انهاها بحصوله على الدكتوراه.
في 1905 وضع أينشتاين خلال عمله في مكتب تسجيل الاختراعات العديد من النظريات التي جعلت من هذا العام عاماً ثورياً في تاريخ العالم، واسترعت نتائج نظرياته اهتمام علماء الفيزياء في كل جامعات سويسرا فطالبوا بتغيير وظيفته من كاتب الى أستاذ في الجامعة.
حصل اينشتاين في 1922 على جائزة نوبل في الفيزياء، لاكتشافه قانون الظاهرة الكهروضوئية، ووضع الأسس العلمية للعديد من المجالات الحديثة في الفيزياء مثل النظرية النسبية العامة وميكانيكا الكم.
معلمه وصفه بالقميء الذي لا ينفع في شيء
بيتهوفن أصم أسمع الدنيا موسيقاه
الجميع كانوا ينصتون بذهول الى المقطوعة الخالدة، عدا شخص واحد تعذر عليه ان يسمع، انه العازف نفسه الذي كان أصم، لكن موسيقاه كانت تسمع من لا أذن له.
انه بيتهوفن الذي كانت الموسيقا تخرج من رؤوس أصابعه وهي تضغط على مفاتيح البيانو وكأنها تعزف على أوتار القلب، كان عليه أن يصنع الفرح من مواده الأولية وهو الرجل الغارق في الحزن، يهدي مقطوعته الرائعة الى المرأة التي أحب وقد هجرته حبيبته.
كان البيانو بأوتاره هو أجمل أحلامه لذا خرجت منه أعظم المقطوعات التي أطربت الدنيا من دون أن يستطيع سماعها بعد إصابته بالصمم، لكنه كان يملك حواساً أخرى أعظم فعاشت موسيقاه الى الأبد.
بيتهوفن الذي قدم أول أعماله وهو في الثامنة من عمره، وألف العديد من المقطوعات للأوبرا وهو المطور الأول للموسيقا الكلاسيكية وصاحب السيمفونيات التسع والعديد من المقطوعات على البيانو والكمان. هذا العبقري ترك المدرسة صغيراً، فهو حسب رأي مدرسه قميئاً، مغلوباً على أمره، نادراً ما يمسك بشيء من دون أن يسقط من يده وينكسر، كانت زجاجات الحبر تنقلب يومياً لتغرق كل شيء، وهو فاشل في الحساب لا يستطيع جمع أو طرح الأرقام ليس فيه أمل.
لذا ترك بيتهوفن المدرسة صغيراً، لكن أسرته لعبت الدور الأكبر في نسج خيوط عبقريته، خاصة والده الذي كان يعمل مغنياً بكنيسة البلدة وكانت شخصيته باهتة لا يفكر في أي مسؤولية تجاه أسرته ومع ذلك يرجع الفضل اليه في اكتشاف موهبة ابنه في سن مبكرة. لم يكترث الأب لمستوى ابنه في المدرسة، وأحضر له صديقه توبياس لتعليمه العزف على البيانو، وكان المعلم فظاً غليظاً جداً، كان يوقظ الطفل بيتهوفن بقسوة من فراشه ليلاً ويجبره على الوقوف على كرسي صغير امام مفاتيح البيانو والدموع تنهمر من عينيه ويجبره على التمرين على العزف حتى الصباح، وبعد نوم قليل يذهب للمدرسة وهو في حالة نعاس وذهول وصمت وملابسه غير مرتبة وشعره غير مهذب. وتعلم بيتهوفن في المدرسة خلال السنوات القليلة التي درسها اللغتين الفرنسية واللاتينية، وعندما بلغ الحادية عشرة ترك المدرسة تماماً، ولم يكن يتعلم شيئاً سوى الموسيقا.
وفي هذه المرحلة كانت أمه رمزاً للحب والوفاء، منحته الرعاية والحب الذي افتقده في والده وكانت رقيقة تصارع الحياة بارادة قوية لتحافظ على أسرتها.
الضلع الثالث المهم الذي ساهم في تشكيل عبقرية بيتهوفن فهو زعيم الكلاسيكيين الموسيقي بابا هايدن الذي سمع عن نبوغ بيتهوفن فبدأ بتدريسه واستمر بمباشرته لمدة عام الا ان بيتهوفن لم يشعر بالسعادة معه ولم يتبع أي قاعدة تعلمها منه عن ثقة، كان متمرداً دائماً يسأل لماذا؟ وكيف؟، وهو ما دفعه الى احراز تقدم عاصف في مجالات التأليف والعزف الخارق للعادة على البيانو.
لازمته في هذه المرحلة عادة المشي فكانت رياضته البدنية والعقلية، وكثيراً ما كان يتوغل في غابات فيينا ويجلس الى جوار جذع شجرة لتدوين أفكاره وقد أصبحت مسوداته هذه المرجع الرئيسي لأعظم أعماله، إذ ثبت انها تضمنت أضعاف ما خلفه من تراث موسيقي نادر.
كان لبيتهوفن أصدقاء عديدون سماهم ملائكة الرعاية وكان أهمهم عائلة برويننج التي كانت تتمتع بمركز اجتماعي مرموق الى جانب اهتماماتها الثقافية مما كان له أشد الأثر في تكوين فكره وثقافته في هذه المرحلة.
وكما حدث مع طاغور رسمت المعاناة والألم جزءاً مهماً في ملامح عبقرية بيتهوفن الذي قادته عاطفته وحساسيته المفرطة الى الوقوع دائماً في الحب وكان يحن الى الزواج والاستقرار ليتخلص من حياة التشرد الا ان حبيبته هجرته وتزوجت رجلاً آخر، زادت معاناته بعد إصابته بالصمم ولذلك فكر أكثر من مرة في الانتحار حتى انه كتب وصيته الشهيرة التي تفصح عن أقصى درجات المرارة التي أحس بها والعذاب النفسي الذي عاناه.
يضاف الى ذلك انه دائماً كان يعاني من آثار مرض لازمه منذ الطفولة وهو الجدري الذي ترك بثوره واضحة على وجهه وكان يسبب له ضيقاً بالغاً.
وبإرادة حديدية صارع كل تلك الآلام حتى أبدع أعظم أعمال البشرية على الاطلاق عندما كتب نشيد السلام الذي دعا فيه الى قمة الوحدة والحب والإخاء بين البشر.
في سيمفونياته كان كلاسيكياً رشيقاً لم يسمح لآلامه العاطفية بأن تتدخل في تشكيل وجدان اللحن أو مضمونه.
عباس محمود العقاد مفكر بالابتدائية
لعب والد عباس محمود العقاد الدور الأكبر في حياته إذ تعهده بالتعلم وهو في سن صغيرة جداً، فتعلم القراءة والكتابة وراح يتصفح كل ما يقع في يديه من الصحف والمجلات ويستفيد منها، ثم التحق بإحدى المدارس الابتدائية وتعلم فيها اللغة العربية والحساب ومشاهد الطبيعة، وكان العقاد طفلاً عقله أكبر من سنه، وحدث أن زار الإمام الشيخ محمد عبده المدرسة وعرض عليه مدرس اللغة العربية الشيخ فخر الدين كراسة العقاد، فتصفحها باسماً وناقش العقاد في موضوعاتها ثم قال ما أجدر هذا الفتى أن يكون كاتباً.
وفي أثناء دراسته كان يتردد مع أبيه على مجلس الشيخ أحمد الجداوي، وهو من علماء الأزهر الذين لزموا جمال الدين الأفغاني وكان مجلسه مجلس أدب وعلم، فأحب الفتى الصغير القراءة والاطلاع، فكان مما قرأه في هذه الفترة المستطرف في كل فن مستظرف للأبشيهي، وقصص ألف ليلة وليلة، وديوان البهاء زهير وغيرها، وصادف هذا هوى في نفسه، ما زاد إقباله على مطالعة الكتب العربية والأجنبية وبدأ نظم الشعر. وألم العقاد في المدرسة بقدر غير قليل من مبادئ اللغة الإنجليزية حتى نال الشهادة الابتدائية بتفوق وهو في العاشرة من عمره. وكان هذا هو القسط الوحيد من التعليم النظامي الذي حصل عليه العقاد ليعمل بعد ذلك في وظيفة كتابية أحس أنها أضيق من أن تتسع لطاقاته فتركها وتفرغ لعمله في الصحافة، وأقبل على تثقيف نفسه بنفسه ثقافة واسعة.
يقول عن نفسه قرأت ستين ألف كتاب، وألفت ستين كتاباً.
لم يسافر العقاد خارج مصر سوى ثلاث مرات مرة لأداء فريضة الحج ومرة الى فلسطين والأخرى الى السودان، لكن الدنيا كلها جاءت اليه في الكتب والدراسة والعلم والتأمل والفلسفة. وكان من أهم آرائه ان الإنسان يجب الا يبحث عن الأشياء حيث يجب ان يجدها، ولكنه يبحث عنها حيث يمكنه ذلك.
كان أهم الدروس التي علمها العقاد لتلاميذه في صالونه الشهير العلم أعظم سلاح، وعن طريق القلم يصنع الإنسان كل شيء، فالعقل هو أعظم ما وهبنا الله، والكاتب هو سيد الجميع.
وكانت حياة العقاد سلسلة طويلة من الكفاح المتصل والعمل الدؤوب، صارع الحياة والأحداث وتسامى على الصعاب، وعرف حياة السجن وشظف العيش، واضطهاد الحكام، لكن ذلك كله لم يوهن عزمه أو يصرفه عما نذر نفسه له، خلص للأدب والفكر مخلصاً له، وترهب في محراب العلم، فأعطاه ما يستحق من مكانة وتقدير.
برنارد شو المكافح الذي سخر من نوبل
لبرنارد شو رأي حاد في التعليم والأساليب التي كانت تتبعها المدارس في عهده، فهو يرى ان المدرسة آخر مكان يتعلم فيه المرء، لأنها أشبه بالسجن. ويقول وجدت ان من قضوا زمناً طويلاً في التعلم يعرفون أقل من غيرهم. كان شو نموذجاً لعقل متفتح يؤمن بالحياة، ويضع التطور فوق التقاليد، كما انه يصلح نموذجاً ليكون أديب أفكار، لا ألفاظ، ويصلح فوق ذلك ليكون مثالاً للتربية الذاتية التي تقوم على الاختبار الفعال في النفس وان التربية المدرسية، أياً كانت درجتها، انما هي تأهيل فقط وخطوط عريضة.
عاش برنارد شو اربعة وتسعين عاماً منها ثمانون يقرأ فيها كل ما يقع تحت يديه، يقول عن نفسه كسبت شهرتي بمثابرتي على الكفاح لأحمل الجمهور على ان يعيد النظر في أخلاقه، وحين أكتب مسرحياتي أقصد أن أحمل الشعب على ان يصلح شؤونه وليس في نفسي باعث آخر للكتابة إذ انني أستطيع ان أحصل على لقمتي من دونها.
تفتح شو على الحياة بين أبوين غير متفقين فاعتمد على نفسه وأحس المسؤولية ووضع لحياته هدفاً، أمضى بعض السنوات من طفولته في مدرسة ابتدائية سرعان ما تركها ليعمل مع أبيه محصلاً يجمع ايجارات المباني مقابل أجر متواضع، لكن هذا العمل أكسبه ما هو أروع، وهو دراسة أحوال الفقراء وكيف يستغلهم المالكون.
ولأن حياته كانت في بدايتها نضالاً ضد الفقر، جعل من مكافحته هدفاً رئيسياً لكل ما كتب عنه باعتباره مصدر كل آثام البشر، ويحمل كل معاني الضعف والجهل والمرض والقمع والنفاق.
تحمل برنارد شو مسؤولية العمل لكسب قوته وهو طفل، وقضى زمناً لا طعام له غير البطاطس المسلوقة ولا كساء غير بدلة واحدة يلبسها في كل الفصول. وقد انسحب ذلك على كل مراحل حياته فيما بعد.
رفض برنارد شو جائزة نوبل حينما فاز بها 1925 وسخر منها معتبرها طوق نجاة لشخص وصل إلى الشاطئ فعلاً، وقال متهكماً عليها انه يغفر لنوبل اختراع الديناميت ولا يغفر له جائزة نوبل.
أجاثا كريستي قصة مثيرة لم ترهقها المذاكرة
تعتبر أجاثا كريستي أعظم مؤلفة قصص بوليسية في التاريخ حتى بلغ ما طبع من كتبها حوالي ملياري كتاب بأكثر اللغات الحية انتشاراً، وتعود شهرتها الى أسلوبها القصصي المتميز الذي يشد القارئ حتى يصبح واحداً من شخصيات الرواية الباحثين عن المجرم، وكانت حريصة على ايصال رسالتها التي مفادها ان الحق والخير لا بد أن ينتصرا على الجريمة.
وعلى الرغم من خيالها الواسع وقصصها المثيرة، لم تذهب للمدرسة قط، بل تلقت تعليمها في المنزل على يد والدتها التي دفعتها للكتابة وشجعتها عليها في وقت مبكر من حياتها، إذ كتبت أولى رواياتها وهي في العاشرة بعنوان ثلوج على الصحراء الا ان الناشرين لم يتقبلوها.
تقول اجاثا عن طفولتها قضيت طفولة سعيدة، خالية من أعباء الدروس والاستذكار، فانفسح لي الوقت لكي أتجول في حديقة بيتنا الواسعة الفسيحة وأسبح مع الخيال، والى والدتي يرجع الفضل في اتجاهي الى الكتابة والتأليف، كانت سيدة ذات فتنة، ساحرة الشخصية، قوية التأثير، وكانت تعتقد اعتقاداً راسخاً ان أطفالها قادرون على كل شيء.
اهتمت بها والدتها وأصرت على تعليمها، فأرسلتها الى باريس وهي في السادسة عشرة لتتعلم عزف البيانو والغناء التي كانت تتمنى اجاثا احترافه، لكن مدرسة الموسيقا أقنعتها أن صوتها ليس قوياً للدرجة التي تؤهلها لأن تكون مغنية أوبرا كما تمنت طويلاً، وساعد أيضاً على عدم تحقيق أمنيتها، خجلها الشديد وخوفها من الظهور، فشجعتها والدتها عوضاً عن ذلك بدفعها للكتابة.
هذه الحياة لم تدم لأجاثا، إذ توفي والدها، مخلفاً لأسرته مشكلات مادية أدخلت الابنة في عالم المسؤولية والظروف الصعبة وحينما قامت الحرب العالمية الأولى تطوعت للعمل في أحد المستشفيات ممرضة تساعد على علاج الجرحى وفي هذا المستشفى عملت على تحضير وتركيب الأدوية والسموم مما كان له دور كبير في كتابة قصصها البوليسية وفي تلك الفترة تزوجت طياراً ثم انفصلت عنه، ثم تزوجت مرة أخرى عالم الآثار الشهير ماكس مالون وأمضت معه سنوات كثيرة تتجول في العراق وسوريا ومصر ووفر لها هذا التجوال فرصاً ممتازة لكتابة أجمل رواياتها وقصصها المليئة بالأسرار المفعمة بالغموض.
وتجولت مع زوجها في المناطق الأثرية في مصر وسوريا والأردن وفلسطين وبلاد فارس وكان لها في كل موقع أثري رواية أو قصة، فمثلاً قصتها لؤلؤة الشمس كانت تسجيلاً لزيارة قامت بها مع زوجها الى البتراء الأردنية، وعندما عاشت في مصر فترة ودرست حضارتها وتاريخها الفرعوني كتبت روايتها الشهيرة موت على النيل، وعندما سافرت في قطار الشرق كتبت رائعتها جريمة قتل في قطار الشرق السريع التي ترجمت أكثر من عشرين مرة منها مرتان باللغة العربية.
كانت أجاثا، روائية مدهشة، امتلكت لغتها وأسلوبها وطريقتها في بناء الرواية، واحتفظت بذاكرة قوية تخدم تعاقب الأحداث في قصصها وتتفنن في تحريك أبطالها وفق السياق الدرامي الذي اختارته لكل رواية، واكتسبت كل ذلك من مدرسة الحياة.