من جعله «جباراً» في الفن إلى هذا الحد؟ من صنع منه أسطورة دون أن يطلق عليه لقباً ضخماً بهذا الحجم ليصدقه الناس، فينادونه به، ويتضخم حجم الفنان، ويطغى اللقب على الاسم، كما يحصل في زمننا هذا؟
لا أحد سوى نفسه. هو من قرر أن يصنع لنفسه مكاناً وأن يحافظ عليه بكل كيانه. قرر أن يصير حبيب الناس، واحداً منهم، يغني لهم، ينطلق من شوارعهم وحواريهم الضيقة البسيطة، ليكبر فيكبروا معه، ويحلق عالياً في عالم النجاح، فيشعر كل منهم بأنه يطير معه وينجح مثله. في كل أغنياته وأفلامه انطلق عبدالحليم حافظ من نقطة الصفر أو دونها، شاباً فقيراً معدماً، الديون تلاحقه وتقضي على أحلامه، لكن الطموح دائماً يدفعه إلى التفاؤل والتمسك بكل الخيوط الممكنة. دائماً يتطلع إلى فوق برغم إمكانياته الضئيلة، متسلحاً بإيمانه بموهبته وبقدرته على التميز وبأن تحقيق الحلم ليس مستحيلاً ولا صعباً، وأن الطريق إليه واضح ونظيف غير معبد بالحشيش والمخدرات والسرقة والبلطجة والجريمة، كما نرى في مسلسلات وأفلام اليوم.
عبدالحليم حافظ، الشاب الذي لم يعمل طوال حياته إلا من أجل الفن، خدم صورته بذكاء وحرفية، وعرف كيف يختار أعماله ليحافظ على مكانته في قلوب الناس. تجدد وتطور وفق متطلبات عصره، بقي «شاباً» رفيق العشاق، صوت مشاعرهم، بل كان صوته هو مرسال الغرام بين كل حبيبين. مرت ذكرى وفاته الأربعين في 30 مارس/ آذار، ربما لم ينتبه إليها البعض، لكن هذا لا يعني أن حليم غاب عن الأذهان، أو أنه لم يعد يشغل بال الناس وحتى الفنانين الشباب أنفسهم.
من صنع من عبدالحليم حافظ، نجماً عالمياً، يغني في أوروبا فتمتلئ الصالات عن آخرها من عرب وأجانب أيضاً لا يفهمون كلمة واحدة من اللغة العربية؟ من جعله محبوب الملايين في العالم العربي، ومازال لغزاً يحير الجميع ويصعب فك طلاسمه؟ إخلاصه للفن، وللرسالة التي قرر أن يتبناها طوال حياته. هو أراد أن يغني للناس وأن يكون واحداً منهم، والأهم أن يكون خير نموذج لهم، وهنا الفرق.
نجوم اليوم في أغلبيتهم ينشغلون أولاً ب «اللوك»، علماً أن حليم كان مواكباً للموضة وحريصاً على شكله وهندامه، لكنه لم يكن مهووساً بالشكل على حساب المضمون. وينشغلون بتقليد الآخرين، أي صرعة أجنبية جديدة، وأي لحن «ضارب»، والكلمات «الروشة» المفبركة في أزقة ما، وال «دي جي» المتفنن في اللعب بالآلات الإلكترونية الحديثة لإصدار قرقعة وضجيج وتمويه الأصوات، فيبذل المغني أقل جهد ممكن بصوته، وتصدر الأغنية صالحة للهز والرقص. أما هو، فوصل إلى مرحلة قيادة فرقته الموسيقية بنفسه.
لم ينشغل عبدالحليم حافظ بالبحث عن لقب، بل كان مشغولاً بصناعة اسم له لا يمحى من الذاكرة، حتى جاءه اللقب على طبق من فضة، ويقال إن الصحفي جليل البنداري هو من أطلق عليه «العندليب الأسمر». حتى هذا المسمى فني عذب، لا تبجح فيه وليس كالبالون المنفوخ يتعلق به المغني كي يرتفع عن مستوى الجمهور فيشعر بذاته وبأنه «كبير» ومهم.
ما لغز العندليب؟ كيف عاش ملكاً على عرشه، وهو البسيط في تعامله وتنقله وحياته وأغنياته وأعماله؟ أربعون عاماً ومازال عصيّاً على المنافسة ولم يحل مكانه أحد، وأعماله متداولة وأسطواناته تباع في الأسواق واليوتيوب شاهد على رواج أغنياته المصورة وتلك المقتطعة من أفلامه. وإذا أردتم أن تقيسوا بالأرقام و«الرايتنج»، ففي الزمن الجميل كانت الأرقام مرآة الواقع، ملموسة وحقيقية لا وهمية أو مزيفة. يكفي أن يمشي في جنازة حليم أكثر من مليونين ونصف المليون شخص، حملوا يافطات ورددوا بأصواتهم «عبدالحليم حبيب الملايين».. أليست تظاهرة حب ووفاء هذه؟
لغز العندليب أنه صانع لفنه، حرفي كما النحاتين حمل إزميله وطرق كل أغنية بدقة متناهية، لتصير لوحة يتباهى بها ويعلقها الناس في بيوتهم. كل أغنياته تصلح لكل زمان ومكان. لا تموت، ولا تمل سماعها. صحيح أنه تعامل مع أشهر الملحنين والكتّاب عباقرة الزمن الجميل، ما ساعده كثيراً، لكن الفنان الحقيقي يجعل من فنه قضية حياته. وعبدالحليم جعل من فنه صوت الخير والحب والنجاح والانكسار أيضاً. كان يغني بشجن، ويفرح بخَفَر، ويداعب الأحلام. حزين غالباً؟ صحيح، فلمحة الحزن لم تغب عنه حتى في ضحكاته وهو المعروف بخفة ظله، بسبب ظروف حياته والأدوار التي لبسته ولبسها على الشاشة وفي كلمات أغنياته. وبرغم ذلك بقي رمزاً للشباب والرومانسية.
عبدالحليم، أحد صنّاع الفن الأصيل ومن الأذكياء الذين استطاعوا أن يساهموا في بناء أوطانهم، وشارك إلى جانب أم كلثوم وعبدالوهاب ويوسف وهبي وفاتن حمامة وليلى مراد وغيرهم.. في نهضة مجتمعهم وتوعية البسطاء والفلاحين والأميين والمثقفين بقضايا اجتماعية وإنسانية وبيئية، وحتى قومية وأمنية.. لعبوا دوراً مهماً في النهضة والبناء، فأين نحن من هؤلاء اليوم، وحولنا نماذج لفنانين يروجون للضياع بكل أشكاله؟ فنانون منشغلون عن أي قضية كبرى بالصغائر، والتراشق عبر صفحاتهم ومواقع التواصل الاجتماعي، بدل استغلالها لإيصال رسائل إيجابية ولعب دور حقيقي في مجتمعاتهم.
يبقى لغز العندليب الحقيقي في سر نجاحه وجماهيريته، لا في زواجه بسعاد حسني أم لا، وحبيبته من تكون؟
marlynsalloum @gmail.com