ولد عبدالحليم عبدالله محمد نويرة بقرية الصالحية مركز فاقوس التابع لمحافظة الشرقية في السادس عشر من شهر يونيو/حزيران عام ،1916 كان والده خبيراً زراعياً بالمحافظة ومن هواة الموسيقا العربية وصديقاً للكثير من أهل الفن .

عشق عبدالحليم نويرة الموسيقا منذ طفولته وأحس والده بذلك، فكان يهيئ له كل وسائل الاستماع وخاصة الأسطوانات على جهاز الفونوغراف الخاص به . لكن الأب رحل وكان عبدالحليم يبلغ أحد عشر عاماً، فتعهده أشقاؤه الأكبر سناً، واتاحوا له فرصة الدراسة العلمية للموسيقا في الفرع المدرسي لمعهد الموسيقا العربية مساءً، إلى جانب دراسته الصباحية في مدرسة فؤاد الأول الثانوية بالعباسية، أمضى عبدالحليم ست سنوات بمعهد الموسيقا وتخرج عام 1936 في قسم الأصوات وكان ترتيبه الأول بتقدير ممتاز، وكان قد تتلمذ على يد العديد من قمم الموسيقا في ذلك الوقت أمثال: صفر بك علي، والشيخ درويش الحريري، وفؤاد الاسكندراني، وكامل الخلعي ومنصور عوض، وكوستاكي، وأخيراً فورتناتو كانتوني آخر إيطالي عمل مديراً لدار الأوبرا الملكية .

كان عبدالحليم نويرة يغني في محطة الإذاعة المصرية في أواخر الثلاثينات ويدرس في نفس الوقت نوعاً جديداً من الموسيقا وهو الموسيقا الغربية، فقد كان مؤمناً بأهمية المزج بين اللونين الشرقي والغربي، واستطاع عبدالحليم أن يتتلمذ في تلك الفترة على يد أساتذة أجانب في مقدمتهم أستاذ البيانو أفريم شيرينافيسكي، وأيضاً البروفيسور بيير أورلوفسكي أستاذ علم فلسفة الجمال .

تفرغ عبدالحليم للموسيقا تفرغاً تاماً غناءً وتلحيناً وتأليفاً، ثم قيادة فرقة الموسيقا الشرقية بالإذاعة، إلى جانب عمله مفتشاً للتربية الموسيقية بوزارة التربية والتعليم، ومديراً للمسرح الغنائي، ثم مراقباً عاماً للموسيقا والغناء بالإذاعة المصرية، وعضو بلجنة الموسيقا والأوبرا والباليه بالمجلس الأعلى للثقافة .

يعد نويرة أول من صاغ الموسيقا الشعبية صياغة جديدة، ومازالت تجربته الأولى في صياغة الأغنية الشعبية سلم علي التي غنتها ليلى مراد، وجمع فيها نويرة بين جمال التراث الشعبي القديم مجهول النسب، والإفادة من الموسيقا العالمية نبراساً وقدوة للصياغات الحديثة .

وكان مولعاً بالموسيقا الكلاسيكية العالمية، حيث كانت تبهره براعة مؤلفيها وسيطرتهم على وسائل التعبير الموسيقي، ولذا كان دائم التردد على قاعة ايوارت التذكارية بالجامعة الأمريكية بصحبة صديقي عمره الفنان أحمد سعد الدين عازف الكمان والمؤرخ الموسيقي عبدالحميد توفيق زكي .

بدأ نويرة بكتابة الموسيقا المصاحبة للأفلام السينمائية المصرية، وكسب منها مالاً كثيراً أغراه على تعلم المزيد من علوم التأليف الموسيقي، فبدأ يدرس العلوم الموسيقية العالمية على يد الأستاذ ميناتو من عام 1940 وحتى ،1955 واستمر في كتابة موسيقا الأفلام إلى أن التحق بالعمل المسرحي، فكتب موسيقا أوبريت مراتي بنت جن، التي عرضت على المسرح الحر بدار الأوبرا الملكية وعلى مسرح حديقة الأزبكية، واشترك في أدائها خريجو طلبة المعهد العالي لفن التمثيل المسرحي المعهد العالي للفنون المسرحية .

عيّن نويرة مديراً لإدارة الموسيقا بمصلحة الفنون التابعة لوزارة الإرشاد، ثم ترك رئاسة إدارة الموسيقا واصبح مديراً للمسرح الغنائي في أوائل الستينات، حيث أنتج في عهده أوبريت هدية العمر الذي لحنه محمد الموجي، واوبريت مهر العروسة الذي لحنه بليغ حمدي، وقام بالتوزيع الصوتي للمجموعات بنفسه، حيث كانت السوبرانو رتيبة الحفني مشرفة الكورال بالفرقة .

من أهم الأفلام السينمائية التي كتب موسيقاها التصويرية عبدالحليم نويرة: الماضي المجهول، رجل المستقبل، عنتر وعبلة، أقوى من الحب، كما وضع التوزيع الموسيقي لكثير من ألحان الأفلام لملحنين أمثال رياض القصبجي والسنباطي وغيرهما، إلا أن فيلم مصنع الزوجات الذي أخرجه الراحل نيازي مصطفى اعتبر انطلاقه كبيرة لنويرة في تلحين الأغاني العربية في صياغة عالمية، كما وضع التوزيع الموسيقي لنشيد افتتاح محطة الإذاعة المصرية .

وحينما اُسست نقابة المهن الموسيقية برئاسة أم كلثوم انضم إليها عبدالحليم نويرة وكان أميناً للصندوق، كما انضم عضوًا مؤسساً لجمعية المؤلفين والملحنين المصرية التابعة للجمعية الدولية في باريس وأصبح عضواً بمجلس إدارتها .

استطاع نويرة كتابة مجموعة من المعزوفات التقليدية استخدم فيها المقامات العربية ذات ثلاثة أرباع الصوت على غرار الأعمال العالمية، وتوثيقاً للعلاقة بين دراسته الموسيقية العربية والعالمية، وفي مقدمة هذه المؤلفات في بحيرة المنزلة، القومية العربية، ورجل السلام .

وفي مجال التلحين استخدم قالب المشرف الغنائي في أنشودة مصر للشاعر محمود حسن إسماعيل، كما استطاع أيضاً التطوير في مجال الموسيقا التقليدية ذات الصوت الواحد . ومن أهم ألحانه التي كان يكتبها حنيناً إلى الماضي وحباً وشغفاً في إحياء التراث الشرقي الأصيل أيام زمان، ومن التاريخ .

حصل نويرة على جائزة الدولة التشجيعية عام 1972 بعد تأليفه موسيقا الاستعراض يا ليل يا عين الذي قدم عام 1957 بموسكو في أعياد الشباب .

تزوج شقيقة صديقه وزميل دراسته الثانوية الرئيس الراحل محمد أنور السادات، وهي الصحفية سكينة فؤاد وأثمرت الزيجة عن ابنة طبيبة، وولد مهندس .

عبدالحليم نويرة موسيقار كبير لا يمكن أن نغفل أعظم إنجازاته، وأهمها فرقة الموسيقا العربية التي خرجت إلى الأضواء في 17 مارس/آذار عام 1967 وظلت تحقق النجاحات عاماً بعد عام حتى ،1985 حيث قدمت الفرقة 19 موسماً كاملاً .

رحل في 31 يناير/كانون الثاني عام 1985 حيث سقط مغشياً عليه وهو يحمل في يده عصا قيادة فرقة الموسيقا العربية وبين أفراد فرقته ولفظ أنفاسه الأخيرة في المستشفى القبطي بالقاهرة، بعد ان أثرى الموسيقا العربية العريقة بأعظم أعماله التي ستظل خالدة باقية على مر الزمان ما بقي كل لحن شرقي أصيل .