سقطت الخلافة الأموية عقب معركة الزاب الشهيرة بين الجيوش العباسية والأموية ونجا من هذه المعركة شاب طموح مغامر يتسم بالكفاءة القيادية الممتازة، هو عبدالرحمن بن معاوية الملقب بالداخل وهرب من المذبحة التي دبرها والي الشام العباسي آنذاك الأمير عبدالله بن علي للأمويين عند نهر أبي فطرس بين فلسطين والأردن.

ولم يلبث عبدالرحمن أن فر مع مولاه بدر إلى بلاد المغرب عبر فلسطين، ومصر، واستقر بين ظهراني بعض القبائل المغربية ومكث عندهم نحو خمس سنوات، يتنقل في بلاد المغرب من برقة شرقاً إلى أطراف طنجة غرباً فارّاً من أيدي العبّاسيين وأعوانهم في إفريقيا والمغرب، متستراً عن عيونهم. وقد استجار، بقبائل المنطقة التي بنيت فيها مدينة تيهرت فيما بعد، ثم قبيلة مكناسة، واحتمى بأخواله النفزاويين، بالقرب من مدينة نكور بالريف المغربي. وأخيراً انتهى به المطاف إلى قبيلة مغيلة حيث نزل عند شيخها وانسوس المكنّى بأبي قرة وهو أحد موالي عبدالعزيز بن مروان، وقد لعب هذا الزعيم التلسماني دوراً كبيراً في محاربة الجيوش العباسية الإفريقية.

حاول عبدالرحمن بن معاوية أثناء وجوده في بلاد المغرب أن يحيي دولة أجداده في هذه الربوع، ولكنه لم يجد المساندة الكافية من المغاربة الذين اعتنقوا المذهب الخارجي الصفري والأباضي، خصوصاً وأن جيوش والي القيروان كانت تتبعه، وتتعقب خطواته، وتترصده في كل مكان، مما جعله دائم الحركة والتنقل في المغرب، ولم يدم استقراره ومكوثه إلا عند أخواله، النفزاويين، وعند الزعيم المغربيّ المغيلي الذي أخذ على عاتقه مساعدته وحمايته من أعدائه، ووعده بمد يد المساعدة له في الجزيرة الأندلسية أيضاً، فقرّر عبدالرحمن أن ييمّم وجهه شطر الأندلس، حيث توجد بها جالية كبيرة من أهل الشام من موالي بني أمية وأنصارهم.

ظروف مواتية

* كانت بلاد الأندلس آنذاك تضطرم ناراً بالفتن من حين لآخر، وقد رأى عبدالرحمن ببصيرته الحادة، أن يستغل الفرصة لأن الظروف مؤاتية. فالخلافات القبلية مستمرة، ونفوس المغاربة الأندلسيين متذمرة، لذا لم يتوانَ عبدالرحمن عن إرسال مولاه بدر إلى موالي بني أمية المقيمين بالأندلس، ودعوتهم لإحياء الدولة الأموية، ووعدهم بالجاه والمال والمراتب العالية، فاستجاب هؤلاء الموالي دون تردد، ورحبوا بالفكرة وهللوا لها لأنها تتلاءم مع طموحاتهم ورغباتهم في الوصول إلى الوظائف السامية.

وقد أخذوا على أنفسهم تطبيق هذه الفكرة في الميدان. واتصل بدر بأهل مضر الذين كان لهم شأن كبير في عهد يزيد بن عبدالملك (101 105ه/ 720 720م)، وخلفائه فعرض عليهم الأمر، وناشدهم مناصرة سيّده عبدالرحمن. وكادت مساعيه أن تتكلل بالنجاح لولا تروّي الصميل بن حاتم المتقلب المزاج، بعض الشيء. إذ أعاد النظر فيما وافق عليه في بداية الأمر، لأنه خشي على نفوذه وامتيازاته وسلطانه غير المحدود، فتراجع عن قبوله ورفض ما عرضه عليه بدر وموالي بني أمية بالأندلس وهددهم بقتل عبدالرحمن إن هو عبر البحر إلى الديار الأندلسية وقال قولته الشهيرة: إني رأيت في الأمر فوجدت الفتى الذي دعوتماني إليه من قوم لو بال أحدهم بهذه الجزيرة غرقنا نحن وأنتم في بوله، واعلموا أن أول سيف يسل عليه هو سيفي.

ولما يئس بدر وأصحابه من نجدة الصميل والمضرية ونصرتهم، توجهوا نحو اليمنية، خصوم المضرية، وعندما اتصلوا بشيخ اليمنية في غرب الأندلس، وخاطبوا رؤساء الشاميين في شذونة والقحطانيين في البيرة وجيان، وأصحاب وادي آش، أبدوا موافقتهم واستعدادهم لهذا المشروع الجديد، ولم يمل إليهم من المضرية سوى الحصين بن الدجن القيسي الذي بارك خطواتهم للعداوة التي كانت بينه وبين الصميل الحاكم الفعلي للأندلس.

حماس يمني

كان أهل اليمن، يتحسرون، ويتمزقون ألماً من النفوذ الكبير الذي يتمتع به المضرية، ويحز في أنفسهم تلك الرئاسة التي يتولاها الصميل على الأندلس دونهم، وكانوا يتحينون الفرصة من حين لآخر، عندما يتوفّر لهم ذلك، للوثوب على المضرية والخروج عليهم. وتشير النصوص التاريخية الى أنهم حاولوا ضرب الصميل مرات عدة في كل من قرطبة وسرقسطة، ولكن جميع المحاولات باءت بالفشل، وكان الصميل بن حاتم ينجو في كل مرة بأعجوبة.

وعندما عرضت دعوة عبدالرحمن، على أهل اليمن، تحمسوا جميعاً لنصرتها، والدفاع عنها، وتأييد الشاب الأمير الطريد الشريد في الظاهر والانتقام من أهل مضر، والانقضاض عليهم في الباطن، ويصف لنا أحد المؤرخين حماستهم الكبيرة لدعوة عبدالرحمن بقوله: فدب أمره فيهم دبيب النار في الجمر. كما انضمت إليهم بعض القبائل المغربية مثل: مغيلة التي كونت لها فروعاً في بلاد الأندلس، وانحازت إليهم أيضاً جموع أخرى من قبيلة نفزة وغيرها، إذ كان الزعيم التلمساني أبو قرة يساعد عبدالرحمن سواء كان ذلك في العدوة المغربية أو العدوة الأندلسية، بعد استيلائه على الإمارة فيها سنة 138ه/ 755م.

ولما تأكد بدر من نجاح مهمته واطمأن على دعوة مولاه التي ثبتتها اليمنية، وبعض القبائل المضرية وموالي بني أمية، وأخذ منهم ضمانات الولاء عاد إلى بلاد المغرب على متن مركبه وبرفقته أحد عشر رجلاً من الأندلس يمثلون أنصار عبدالرحمن ومؤيديه في الأندلس، ليقدموا له الولاء والطاعة ويشجعوه على السفر إليهم باسم الأمويين والمغاربة واليمنيين بالديار الأندلسية.

وعندما وصلوا إلى شاطئ المغرب وجدوا عبدالرحمن في انتظارهم، يعدّ الأيام والمراحل فابتهج لرؤيتهم، وسر للقائهم، وفرح لنجاح مهمة بدر فرحاً شديداً وبارك قدوم أنصاره، ولاح له بذلك فجر الأمل، في إحياء ما فقده آباؤه في دمشق، فجهز نفسه وعبر المضيق مع مولاه بدر ووفد الأندلسيين وبعض المغاربة إلى بلاد الأندلس في ربيع الآخر سنة 138ه/ 755م.