لا شك في أن حب الخير والسعي فطرة يقبل عليها الإنسان وتصبح طابعا أصيلا فيه، ويعد رئيس مجلس إدارة جمعية العون المباشر لمسلمي إفريقيا السابق الدكتور عبد الرحمن السميط واحدا من أبرز رموز ورواد العمل الخيري الكويتي في العالمين العربي والإسلامي، وتعتبر سيرته العطرة نبراسا ونموذجا يجب أن تتعرف إليه الأجيال المختلفة وعلى أياديه البيضاء على مسيرة العمل الإنساني الخيري حتى يصبح قدوة طيبة تحتذى.

وللدكتور السميط أياد بيضاء كثيرة على العمل الخيري، ومنذ وقت مبكر تجاوزت اهتماماته حدود مجتمعه الضيق المحلية والإقليمية، وامتدت لتشمل المعوزين والمحتاجين في شتى بقاع العالم وضرب المثل والقدوة الإنسانية وسماحة الرسالة الإسلامية التي جاءت رحمة وهداية للبشر.

ولد الدكتور عبد الرحمن السميط في الكويت عام ،1947 وتشرب حب العمل الخيري وأعمال البر منذ صغره، ففي المرحلة الثانوية أراد مع بعض أصدقائه أن يقوموا بعمل تطوعي، فجمعوا مبلغاً من المال من مصروفهم اليومي واشتروا سيارة وكان أحد أفراد المجموعة يقوم بعد انتهاء دوامه بنقل العمال البسطاء إلى أماكن عملهم أو إلى بيوتهم من دون مقابل.

تخرج السميط في جامعة بغداد بعد أن حصل على بكالوريوس الطب والجراحة، وفي الجامعة كان يخصص الجزء الأكبر من مصروفه لشراء الكتيبات الإسلامية ليقوم بتوزيعها على المساجد، وعندما حصل على منحة دراسية قدرها 42 دينارا كان لا يأكل إلا وجبة واحدة في اليوم وكان يستكثر على نفسه أن ينام على سرير رغم أن ثمنه لا يتجاوز دينارين معتبرا ذلك نوعا من الرفاهية.

وبعد أن حصل على دبلوم أمراض المناطق الحارة من جامعة ليفربول عام ،1974 استكمل دراسته العليا في جامعة ماكجل الكندية متخصصا في الأمراض الباطنية والجهاز الهضمي، وأثناء دراسته العليا في الغرب كان يجمع من كل طالب مسلم دولارا شهريا ثم يقوم بطباعة الكتيبات لتوصيلها إلى جنوب شرق آسيا وإفريقيا وغير ذلك من أعمال البر والتقوى.

بعد أن عاد إلى الكويت متشبعا بتجارب علمية وحياتية وإنسانية التحق السميط بالعمل اختصاصياً في مستشفى الصباح في الفترة من 1980 ،1983 ونشر العديد من الأبحاث العلمية والطبية في مجال القولون والفحص بالمنظار لأورام السرطان كما أصدر أربعة كتب هي لبيك إفريقيا ودمعة على إفريقيا ورسالة إلى ولدي والعرب والمسلمون في مدغشقر بالإضافة إلى العديد من البحوث وأوراق العمل ومئات المقالات التي نشرت في صحف متنوعة وتولى منصب أمين عام جمعية مسلمي إفريقيا عام ،1981 واستمر في رئاستها بعد أن تغير اسمها إلى جمعية العون المباشر في 1999.

ويرى السميط ان دراسته الطب نوع من العمل الانساني، ويقول تخصصت في الطب لحبي للعمل الخيري، وخلال عملي كان لي اهتمام كبير بالمريض كإنسان وليس مجرد علاج مرضه، واذكر على سبيل المثال انه في سنة واحدة اسهمت في انقاذ 12 مدمناً على الخمر واصبحوا رواد مساجد بل ان بعضهم اصبح مؤذناً للمسجد وكنت ازورهم في بيوتهم لتشجيعهم. فالتحول إلى العمل الخيري لم يكن كبيراً، ولكن انقطاعي عن العمل الطبي تماماً كان ربما هو الشيء الكبير عند البعض، ولكن لو ذاقوا اللذة التي احصل عليها من خلال عملي الخيري لما ترددوا في طلاق الدنيا وزينتها لصالح خدمة المسكين واليتيم. ويضيف تفرغت في السبع وعشرين سنة الماضية وتشرفت بخدمة اليتيم والمسكين والارملة في افريقيا السمراء، واعتقد يقيناً انني اكثر سعادة من العشرات من زملائي في المهنة سابقاً من الاطباء ممن فتح عيادات وبني عمارات وجمع الكثير من المال. ولا اقول ان ما فعلوه حرام أو خطأ، ولكنني اؤكد انني حصلت على السعادة من دون الاموال التي يسعى وراءها الكثير.

العمل التطوعي

انطلق حب السميط للخير والعمل التطوعي من إيمانه العميق بأن الإسلام سبق جميع النظريات والحضارات والمدنيات في العمل التطوعي الاجتماعي والإنساني، وتعود قصة ولعه بالعمل في إفريقيا كما يقول إلى حين عودته إلى الكويت في أعقاب استكمال دراساته العليا حيث كان مسكونا بطاقة خيرية هائلة أراد تفجيرها فذهب إلى وزارة الأوقاف وعرض على المسؤولين رغبته في التطوع للمشاركة في الأعمال الخيرية، غير أن البيروقراطية الرسمية كادت أن تحبطه لولا مشيئة الله له أن يسافر إلى إفريقيا لبناء مسجد لإحدى المحسنات الكويتيات في مالاوي، فرأى ملايين البشر يقتلهم الجوع والفقر والجهل والتخلف والمرض، وأفزعه ما شاهده من وقوع المسلمين تحت وطأة حملات التبشير بالنصرانية، حيث تقدم إليهم الفتات والتعليم لأبنائهم في المدارس التبشيرية، ومن ثم وقع حب هذه البقعة في قلبه ووجدانه وسيطرت على تفكيره.

وكان أكثر ما يؤثر في السميط إلى حد البكاء ما يراه حينما يذهب إلى منطقة ويدخل بعض أبنائها في الإسلام، ثم يصرخون ويبكون على آبائهم وأمهاتهم الذين ماتوا على غير الإسلام وهم يتساءلون أين أنتم يا مسلمون؟ ولماذا تأخرتم علينا كل هذه السنين؟ كانت هذه الكلمات تجعله يبكي بمرارة ويشعر بجزء من المسؤولية تجاه هؤلاء الذين ماتوا على الكفر.

تعرض السميط في إفريقيا للاغتيال مرات عديدة من قبل الميليشيات المسلحة بسبب حضوره الطاغي في أوساط الفقراء والمحتاجين، كما حاصرته أفعى الكوبرا في موزمبيق وكينيا ومالاوي غير مرة لكن الله نجاه. وتركز جل نشاطه من خلال لجنة مسلمي إفريقيا بعد أن وضعت أجندة تنطلق في مسارات عدة، ورفعت العديد من الشعارات الخيرية.

وكان اهتمامه بإفريقيا بعد أن أكدت دراسات ميدانية للجنة أن ملايين المسلمين في القارة السوداء لا يعرفون عن الإسلام إلا خرافات وأساطير لا أساس لها من الصحة، وبالتالي فغالبيتهم وخاصة أطفالهم في المدارس عرضة لخطر التنصير، وقد نتج عن ذلك أن عشرات الآلاف في تنزانيا ومالاوي ومدغشقر وجنوب السودان وكينيا والنيجر وغيرها من الدول الإفريقية صاروا ينتسبون إلى النصرانية بينما آباؤهم وأمهاتهم من المسلمين.

وبلغت حصيلة المشاريع التي نفذت في إفريقيا كما يذكر السميط حتى أواخر عام 2002 بناء 1200 مسجد، دفع رواتب 3288 داعية ومعلما شهريا، رعاية 9500 يتيم، حفر 2750 بئرا ارتوازية ومئات الآبار السطحية في مناطق الجفاف التي يسكنها المسلمون بناء 124 مستشفى ومستوصفا، توزيع 160 ألف طن من الأغذية والأدوية والملابس توزيع أكثر من 51 مليون نسخة من المصحف الشريف طبع وتوزيع 605 ملايين كتيب إسلامي بلغات إفريقية مختلفة، بناء وتشغيل 102 مركز إسلامي متكامل، عقد 1450 دورة للمعلمين وأئمة المساجد، دفع رسوم الدراسة عن 65 ألف طالب مسلم فقير، تنفيذ وتسيير عدة مشاريع زراعية على مساحة 10 ملايين متر مربع، بناء وتشغيل 200 مركز لتدريب النساء، تنفيذ عدد من السدود المائية في مناطق الجفاف، إقامة عدد من المخيمات الطبية ومخيمات العيون للمحتاجين مجانا للتخفيف على الموارد الصحية القليلة في إطار برنامج مكافحة العمى، تقديم أكثر من 200 منحة دراسية للدراسات العليا في الدول العربية (تخصصات طب وهندسة وتكنولوجيا).

ويشير السميط إلى أن طموحات جمعية العون المباشر في إفريقيا لا تتوقف عند حد معين فالجهود مستمرة لإعداد الدراسات اللازمة لإنشاء كلية لتدريب المعلمين في مالاوي لأن الحاجة هناك ماسة لتخريج معلمين مسلمين، فرغم أن المسلمين يشكلون 50% من عدد السكان فإن عدد المدرسين المسلمين المؤهلين لا يزيد على 40 مدرسا، فضلا عن أن الدولة تفقد سنويا ما بين 12% إلى 13% من العاملين في التدريس بسبب مرض الإيدز المنتشر، والاستقالات والموت الطبيعي، ويبلغ تعداد المدرسين المفقودين سنويا قرابة ال 9 آلاف مدرس من أصل 90 ألف هم مجموع المدرسين العاملين في مالاوي، وهو ما تسبب في خلق فجوة كبيرة وعجز واضح من المدرسين المسلمين، وبالتالي فهذا الظرف فرصة كبيرة في سد هذا الفراغ التربوي بالمعلمين المسلمين، هذا بالإضافة إلى إنشاء محطات إذاعية للقرآن الكريم بدأت بإنشاء محطة في جمهورية توجو وهناك مائة محطة يجري العمل في مراحل تنفيذها المختلفة بمناطق مختلفة من إفريقيا وتبلغ تكلفة المحطة الواحدة عشرة آلاف دينار كويتي (35 الف دولار) تتضمن المعدات اللازمة ومصاريف التشغيل عاما كاملا.

تطوير العمل الخيري

وبعد سنوات من العمل الدؤوب في القارة الإفريقية لأكثر من ربع قرن من الزمان، آثر السميط أن يكون قريبا من الأرض والشعب اللذين أحبهما فاختار من جزيرة مدغشقر موطنا جديدا له، رضي بأن يقضي ما بقى من حياته هناك ليكون أقرب إلى مجال عمله الدعوي، وقد بدأ مشروعه المسمى (أسلمة قبائل الانتمور) تلك القبائل ذات الأصول العربية الحجازية، وهي نموذج من العرب والمسلمين الضائعين في إفريقيا.

يدعو الدكتور السميط دائما إلى تطوير العمل الخيري ليتأقلم ويتطور مع الأحداث ويواكب ويحقق التطلعات ويقول: أنشأنا منذ ست سنوات وقف الإغاثة وريعه لصالح المتضررين من الكوارث الطبيعية أو الحروب، ولدعم التنمية وإصلاح الأراضي الزراعية وغيرها من الأعمال التي تعود بالنفع والفائدة على الفقراء والمساكين في القارة السمراء. أما بالنسبة للتوثيق الإعلامي للعمل في إفريقيا فنحن نتمنى هذا منذ وقت طويل ولكن للأسف الاستجابة من قبل المؤسسات القادرة على ذلك وهي المؤسسات الحكومية فقط اقل مما نأمل فيه وهذه دعوة لكل المؤسسات التي تستطيع أن تسهم في توثيق العمل بإفريقيا أن تتقدم إلى اللجنة وأن نعمل سويا على تحقيق ذلك لما فيه من مصلحة الإسلام والمسلمين.

وعن أبرز التحديات التي تواجه المسلمين في إفريقيا يقول: لاتزال حركة التبشير نشطة، مشيرا إلى ما ذكره الدكتور ديفيد بارك خبير الإحصاء في العمل التنصيري في الولايات المتحدة الأمريكية من أن عدد المنصرين العاملين الآن في هيئات ولجان تنصيرية يزيدون على أكثر من 51 مليون منصر، ويبلغ عدد الطوائف النصرانية في العالم اليوم 35 ألف طائفة ويملك العاملون في هذا المجال 365 ألف جهاز كمبيوتر لمتابعة الأعمال التي تقدمها الهيئات التبشيرية ولجانها العاملة ويملكون أسطولا جويا لا يقل عن 360 طائرة تحمل المعونات، والمواد التي يوزعونها والكتب التي تطير إلى مختلف أرجاء المعمورة بمعدل طائرة كل أربع دقائق على مدار الساعة، ويبلغ عدد الإذاعات التي يملكونها وتبث برامجها يوميا أكثر من 4050 إذاعة وتلفزيونا، وأن حجم الأموال التي جمعت العام الماضي لأغراض الكنيسة تزيد على 300 مليار دولار، وحظ إفريقيا من النشاط التنصيري هو الأوفر.

ومن أمثلة تبرعات غير المسلمين للنشاط التنصيري كما يرصدها السميط أن تبرعات صاحب شركة مايكروسوفت بلغت في عام واحد تقريبا مليار دولار، ورجل أعمال هولندي تبرع بمبلغ 114 مليون دولار دفعة واحدة وقيل إن هذا المبلغ كان كل ما يملكه، وفي أحد الاحتفالات التي أقامها أحد داعمي العمل التنصيري في نيويورك قرر أن يوزع نسخة من الإنجيل على كل بيت في العالم وكانت تكلفة فكرته 300 مليون دولار حتى ينفذها، ولم تمر ليلة واحدة حتى كان حصيلة ما جمعه أكثر من 41 مليون دولار.

زكاة المال تكفي

ويرى السميط أن زكاة أموال الأثرياء العرب تكفي لسد حاجة 250 مليون مسلم، إذ يبلغ حجم الأموال المستثمرة داخل وخارج البلاد العربية 2275 مليار دولار أمريكي، ولو أخرج هؤلاء الأغنياء الزكاة عن أموالهم لبلغت 875.56 مليار دولار، ولو افترضنا أن عد فقراء المسلمين في العالم كله يبلغ 250 مليون فقير لكان نصيب كل فقير منهم 227 دولار وهو مبلغ كاف لبدء الفقير في عمل منتج يمكن أن يعيش من دخله.

ولا يستنكف السميط من الاعتراف بتأثره بأسلوب أعدائه من الحركات التبشيرية في إفريقيا واستفادته منهم فيقول: في أسلوب العمل المهني تأثرت بشخصية أحدهم ويسمى الدكتور ديفيد ليفنجستون، وهو من اسكتلندا، وكان يكره العرب والمسلمين كرها شديدا جدا ولا تستطيع أن تقرأ صفحة واحدة من مذكراته من دون أن تشعر بهذا الشعور الذي كان يحمله تجاه المسلمين، ذهب هذا الرجل إلى إفريقيا وعاش فيها، وهلك هناك ونقل جثمانه إلى كنيسة ويستمنستر في لندن حيث دفن هناك مع العظماء عندهم. هذا الشخص كان أحد الأسباب المهمة التي كانت ترمي بقفاز التحدي أمام عيني، إذ قرأت جميع كتبه تقريبا وتأثرت بحياته، وكنت أناقش نفسي إذ كان هذا الشخص قد ضحى بحياته وأسرته في سبيل ما يعتقدونه فما بالي أنا الذي أدين بالإسلام الدين الصحيح ألا أضحي مثله؟

واضاف: من هنا بدأت حياتي مع إفريقيا بتحدي هذه الصعاب من إيصال كلمة لا إله إلا الله.. محمد رسول الله لكل من أقابله على الرغم من العقبات والأخطار التي أخذت منا الكثير ولكن في سبيل الإسلام يهون كل شيء ويكمل أغلب عملنا يقوم على الاستفادة من خبرات الآخرين سواء من المحبين للإسلام أو الكارهين له وأنا أدين بنجاح عملنا في إفريقيا في البداية إلى أساليب المنظمات التنصيرية العاملة في إفريقيا فقد تعلمنا منها أساليب العمل المتنوعة، وأنا قارئ نهم لكل ما يكتبه المنصرون عن إفريقيا أو غيرها، وقارئ أيضا للنظم الإدارية للمنظمات التنصيرية، وهذا ما مكننا من الدخول إلى إفريقيا وقد أصبحت لدينا خبرة كبيرة عنها وعن أحوال أهلها مواقعهم ونقاط ضعفهم وقوتهم واحتياجاتهم مما سهل علينا مهمتنا هناك.