يندرج فكر عبدالله العروي في إطار السجال الذي نشأ منذ فجر النهضة العربية بين نموذجي الإصلاح البارزين في الساحة العربية، النموذج الذي يتبنى الإصلاح على أساس التشبث بالأصالة، والعودة إلى ما كان عليه السلف، والنموذج الذي يتبنى الإصلاح على أساس مفهوم الحداثة الغربية، وبدهي أن العروي ينتصر للحداثة ويدعو إليها، لكنّ ما ميز فكر العروي عن سابقيه، هو النظرة النقدية لكلا النموذجين الإصلاحيين، وفحص ونقد خطابي السلف والحداثة في الفكر العربي، ومحاولة إيجاد طريق آخر لا يتبنى بشكل ميكانيكي مقولات الحداثة الغربية، لكنه يخضعها للتجربة الواقعية للمجتمع وينظر في إمكانات تطورها.
يعتبر العروي من أوائل من فحصوا بالنقد والتحليل المنهجي أفكار النهضة العربية، وأطروحات دعاة الإصلاح، وقد كان في ذلك رائداً فتح الطريق لكل الأطروحات النقدية اللاحقة التي سادت في الفكر العربي المعاصر في النصف الأخير من القرن العشرين.
ولد عبدالله العروي في أزمور في المغرب عام 1933، وتلقى تعليمه الابتدائي والثانوي في الرباط، وتعليمه العالي في جامعة السوربون ومعهد الدراسات السياسية في فرنسا، وحصل منه على شهادة العلوم السياسية 1956، وشهادة الدراسات العليا في التاريخ سنة 1958، وشهادة التبريز في الإسلاميات عام 1963، والدكتوراه في التاريخ عن أطروحة بعنوان «الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية: 1830-1912» سنة 1976.
كانت انطلاقة مشروع العروي مع كتابه «الإيديولوجية العربية المعاصرة» الذي صدر بالفرنسية سنة 1967، وتُرجم إلى العربية سنة 1970 معلناً ولادة المشروع الفكري لعبدالله العروي، ولفت الانتباه إليه كمفكر نقدي يتميز طرحه بصرامة منهجية وتماسك منطقي قوي، وقد هداه تخصصه الأكاديمي في التاريخ وفلسفته إلى مراقبة الأفكار وكيفية تطورها في الواقع، وتأثيرها فيه وتأثيره فيها، وكذلك إلى الاعتداد بالتجربة التاريخية، باعتبارها الحقيقة الوحيدة الماثلة التي يمكن القياس عليها، واستخلاص وجهة النظر منها، وسوف يكون هذا الفكر التاريخي عاملاً حاسماً في صياغته أطروحاته الفكرية، وتمييزها عن غيرها من الأطروحات، ففي حين يهتم محمد عابد الجابري مثلاً بفحص «العقل العربي» بالنظر إلى آليات اشتغاله، ومدى تماسك تلك الآليات، في شكلها النظري المجرد عن الواقع، فإن العروي يهتم بفحص العقل العربي في ارتباطه بالواقع المعيش، واستجابته لهذا الواقع، وتفاعله معه، انطلاقاً من مفهوم يرى العقل فاعلية واقعية، وممارسة حياتية يومية، وليس أطروحات نظرية منفصلة عن الممارسة.
من ذلك المنطلق الواقعي في النظر إلى «العقل»، جاء تبني العروي لمفهوم الحداثة كما مارسه المجتمع الغربي منذ القرن السابع عشر، والحداثة كما تحققت في ذلك المجتمع لم تطرح كفلسفة نظرية متماسكة، بل طرحت كأفكار للتطبيق، وتعني «جماع منظومة فكرية تحققت تاريخياً في المجتمع الغربي الحديث، ولم تتحقق لا قبله ولا في غيره من التجارب»، ومن هذا الفهم للحداثة سعى العروي إلى طرح مجموعة من المفاهيم التي يعتبرها جوهر هذه الحداثة، وشرحها في إطار تأسيسه النظري لمشروعه، وهذه المفاهيم هي «مفهوم الإيديولوجيا، مفهوم الحرية، مفهوم الدولة، مفهوم التاريخ، مفهوم العقل»، وهو لا ينظر إلى تلك المفاهيم بصورها المجردة، بل يبحثها في تحققها العملي في الواقع، ويقول في مقدمة كتابه «مفهوم الحرية»: «إننا لا نبحث في مفاهيم مجردة لا يحدها زمان ولا مكان، بل نبحث في مفاهيم تستعملها جماعة قومية معاصرة هي الجماعة العربية، إننا نحلل تلك المفاهيم ونناقشها لا لنتوصل إلى صفاء الذهن ودقة التعبير وحسب، بل لأننا نعتقد أن نجاعة العمل العربي مشروطة بتلك الدقة وذلك الصفاء. لهذا السبب نحرص على البدء بوصف الواقع المجتمعي: آخذين المفاهيم أولاً كشعارات تحدد الأهداف وتنير مسار النشاط القومي. وانطلاقاً من تلك الشعارات نتوخى الوصول إلى مفاهيم معقولة صافية من جهة، ونلتمس من جهة ثانية حقيقة المجتمع العربي الراهن. رافضين البدء بمفاهيم مسبقة نحكم بها على صحة الشعارات إلى جانب تخلينا عن لعبة تصور واقع خيالي نعتبره مثلاً أعلى نقيس عليه الشعارات، لأننا نعتقد أن أيسر مدخل إلى روح أي مجتمع هو مجموع شعارات ذلك المجتمع».
على أساس هذه المفاهيم الناظمة للحداثة، غربل العروي أطروحات الإصلاح في النهضة العربية كما تجلت لدى قادتها منذ القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، ورأى أنها ظلت جميعها قاصرة مستلبة، إما لمفهوم غربي نظري غير واقعي للحداثة، أو لمفهوم تراثي للعقل لا يمت بصلة إلى الواقع، وقاده هذا النقد إلى مفهوم مركزي في فكره، وهو مفهوم «القطيعة المعرفية مع التراث»، بمعنى تجاوز التراث العربي الإسلامي موضوعاً وفكراً ومنهجاً في كل ممارسة آنية، وعدم استلهام أساليبه التفكيرية في تعاملنا مع الواقع الذي نعيشه، واستبدال كل ذلك بالأساليب والمناهج العقلية الحداثية، فلا يجدي عند العروي في شيء محاولات التوفيق التي مارسها دعاة السلفية الإصلاحية في بداية النهضة، من أمثال محمد عبده، لأنها بالنسبة له، تنطلق من أساس ماضوي لتعود إليه، وتفسر الواقع على أساسه، فهي لا تضيف جديداً، بل تكبل العقل وتقتل فاعليته.
وُجه إلى فكر العروي الكثير من النقد، ونوقشت أفكاره من طرف أغلبية من كتبوا في نقد العقل العربي، ومن أهم ما وجه إليه أنه، يتناسى في أطروحاته عن التخلف العربي دور «الاستعمار» في هذا التخلف، وهو الدور الذي لايزال حاضراً في حقبة ما بعد الكولونيالية، وكذلك دور الواقع والإمكانيات الطبيعية والمادية وحتى المجتمعية الراهنة في التخلف، ما يجعل التفكير التراثي ليس مسؤولاً وحيداً عن هذا التخلف، ومنها أيضاً أنه «شطب» على التراث العربي الإسلامي بكامله، ولم ير فيه أي شيء يمكن أن يستفاد منه، بمعنى أنه سعى إلى محو كل علاقة للعرب بتاريخهم وتراثهم، ونسي بشكل متعسف - وهو المؤرخ الحصيف - ارتباط هوية كل أمة بتراثها، والفاعلية الحاسمة لبعض عناصر ذلك التراث في راهنها، بما لا يمكن شطبه أو تجاوزه، وقد اتهم من ذلك بأنه في الوقت الذي نعى على سابقيه من دعاة الحداثة سقوطهم في التقديس الأعمى للحداثة الغربية، فإنه هو نفسه لم يسلم من ذلك التقديس.
على مدى ستة عقود ظل العروي يطور أطروحاته، ويرمم أجزاء مشروعه الفكري من خلال كتبه التي ينشرها بشكل مستمر، ومن أهمها: الإيديولوجيا العربية المعاصرة 1970، العرب والفكر التاريخي 1973، مفهوم الإيديولوجيا 1980، مفهوم الحرية 1981، مفهوم الدولة 1981، ثقافتنا في منظور التاريخ 1983، مفهوم التاريخ 1992، مفهوم العقل 1996، من ديوان السياسة 2009.