عبدالله العطر شاب إماراتي باحث ومدرب معتمد في التنمية البشرية يشغل منصب مسؤول أول الخدمات المصرفية الخاصة في قسم إدارة الثروات في بنك دبي الإسلامي، إلى جانب كونه المدير التنفيذي في جمعية الفجيرة الثقافية، ويكمل حالياً دراسات عليا في مجال الإدارة في الجامعة الكندية في دبي . العطر حاصل على 14 اعتماداً دولياً في التدريب، ودبلوم تدريب المدربين من اتحاد المدربين الأمريكيين المحترفين، والمركز الأمريكي للتدريب، والأكاديمية الكندية والأكاديمية العربية العالمية للتدريب التي تعد ثاني أكبر اتحاد للمدربين العرب في الوطن العربي . أعطى 100 دورة تدريبية خلال 5 سنوات . رسالته تقريب الإنسان للإنسان في رحلة اكتشاف الذات، والسعي للكسب منها في تنمية القدرات والمهارات الكامنة، كما يقول في هذا الحوار موضحاً خفايا الطاقة الإنسانية وانعكاساتها على الأفكار والمشاعر والأحاسيس، وعن آفاق النفس اللامحدودة وكيفية التغلب على عيوبها لحياة أفضل تعود بالنفع على المجتمع .

هناك مَنْ يشكك في صدقية البرامج والدورات الخاصة بالتنمية البشرية ويعتبرها وسيلة للتربح فقط، هل هذا صحيح؟

- للأسف نعم، أصبحت وسيلة للتربح والدليل على ذلك كثرة المراكز التدريبية، وظهور أعداد كبيرة من المدربين، وأستطيع القول إنها باتت ظاهرة منتشرة في المجتمع، فهناك من يخترع مسميات للفت النظر والتلاعب، مثل مسمى الماجستير المصغر أو الماجستير المتقدم، ولقب المستشار أو الخبير المعتمد، وهذه الألقاب كبيرة جداً وليست بالسهولة التي يتعامل بها هؤلاء الأشخاص، للأسف الشديد الموضوع أصبح متاجرة وحرباً بين المراكز والجهات التدريبية وصلت إلى أروقة المحاكم .

ما هي برأيك أهم الصفات الواجب توافرها في مدرب التنمية البشرية؟

- العمق والقدرة على إيصال المعلومة بشكل سريع ونافع، والاعتماد على مستندات تبين أصل المعلومة وصحتها، وأيضاً التخطيط الاستراتيجي للبرنامج التدريبي المطروح وصناعة الحدث في التخطيط وتجهيز سيناريوهات له تقيس ردود الفعل لكل سيناريو مطروح، بحيث أتدرج إلى مستوى متقدم جداً في التخطيط .

ما آليتك المتبعة في تنمية مهارات المتدربين؟

- أهم مهارة أن أجعل المتدرب يفكر في موضوع البرنامج، بحيث يصبح موضوع التدريب سجية، مع استنباط الأداة المناسبة في التطوير من دون جداول ولا رسومات تقيد المعلومة، ومن الضروري جداً أن يتعلم المتدرب الثقة بنفسه وأن يمارس الإنجاز أفضل من تداوله، بأن يعيش الهدف ولا يصاب بالإحباط، والتركيز والحضور في أي عمل حياتي، لأن الحضور هو من الروحانيات التي تغذي القلب والفكر .

هل من حق المتدرب أخذ ما دفعه في حال عدم استفادته؟

- بالطبع من حقه، ولكن لم يحدث هذا معي، أحاول بقدر المستطاع العمل بأمانة في توصيل المعلومة، ولكن مع الأسف هناك من يعمل تحت مسمى مدرب لا يعي تماماً ما يفعله، يشرح المعلومة بطريقة ضحلة وغير مفيدة، التحقت بدورة تدريبية في مركز مع مجموعة من المهتمين لنفاجأ بأسلوب المدرب الذي رسم إشارات استفهام كثيرة على وجوه الحاضرين الذين انسحب منهم سبعة، وبالتالي مثل هذه التصرفات تزرع الشكوك حول مهارات التنمية وبالتالي تؤدي إلى إسقاط هذا العلم من وجهة نظر كثيرين .

كيف توظف مهارات التنمية البشرية في تحقيق الهدف؟

- هناك ثلاثة محاور أساسية، أولها أسس الحياة الطيبة، وثانياً العلوم التطبيقية، وثالثاً مهارات التنمية البشرية وتطوير الذات . كل حلقة مرتبطة بأخرى بشكل ما . وأسعى لرسم صورة للتكوين منذ الخليقة إلى اليوم، في بحث أعمل على إنجازه بشكل مدروس وعميق في كيفية ربط الصورة وفهمها مع واقع الحياة، وهذا صلب الحياة، فلو فهمنا كيف نعيش الواقع بطريقة صحيحة نصل إلى الاعتدال والتوازن الحياتي . ودعيني أضرب أمثلة جديرة بالذكر في هذا السياق، فعندما تعثر عمر بن عبدالعزيز، رضي الله عنه، مع أحد أصحابه واصطدم بأحدهم فسأله ألا ترى؟ أجاب عمر بن عبدالعزيز: أرى ثم سكت . فسأله صاحبه لماذا: لم تعاقبه يا أمير المؤمنين؟ فقال: لم يفعل شيئاً لأعاقبه لأنه سألني وأجبته . وأيضاً ابن تيمية وصل لمستوى عظيم في فهم الحياة عندما قال: إن في الدنيا جنة من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة . وقال: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري، أين رحت فهي معي، لا تفارقني، أنا حبسي خلوة . وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة .

وفي كتاب محمد: قصة خاتم الأنبياء يروي مؤلفه الهندي ديباك شوبرا حياة النبي صلى الله عليه وسلم بعيون إنسانيته . يقول شوبرا عن كتابه عشت محمداً، أقوم وأصحو معه، قرأت تفاصيله، أعظم شيء وجدته فيه إنسانيته، كتابه الذي أجزم أن فيه وحياً إلهياً، إصراره على أنه عبد وإنسان وليس إلهاً . من هنا جاء كتابي: محمد: قصة خاتم الأنبياء . والأمريكي مايكل هارت ألف كتاب الخالدون مائة والعظيم واحد أوضح فيه التأثير القوي والخالد للنبي صلى الله عليه وسلم في حياة المسلمين، وكان متجرداً في الوصف، أي احتوى الكتاب بين طياته على نظرة عقلانية بعيدة عن الإيمان به . والتجرد هنا أن تحكم على ما تعيه وتدركه لا على مرجعية أو قيمة أو حالة نفسية مختزنة مسبقاً، فهذا العالم تجرد من انتماءاته العرقية والدينية فهو ليس أديباً ولا باحثاً إسلامياً بل ينتمي إلى عالم الأرقام والمعادلات .

تخللت الأمثلة سابقة الذكر مفاهيم عميقة للإنسانية، هل هذا جوهر التطوير؟

- في كل تعاملاتي الحياتية على اختلافاتها أعتمد مبدأ أساسياً وهو الإنسانية، أن تكون إنساناً أولاً من دون اعتبارات الطبقية، فرسول كسرى دخل على الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه وسألهم: أين محمد؟ أي أنه لم يتعرف إليه من بين أصحابه . لذا هنا تكمن أسرار الحياة بالإنسانية الحقيقية .

لنتكلم عن الميدان التربوي كيف تسعى لتطبيق منهجيتك التطويرية فيه؟

- الميدان التربوي مساحة حساسة وفعالة في بناء المجتمع، لذلك يحتاج الطلبة والمدرسون إلى تنمية مهاراتهم وتغذيتها بالعلم، ومن أهم المحاور التنموية التي أدرسها هي الخرائط الذهنية وتنظيم أدوات التفكير على خطى نظام إدوارد دي بونو وهو دكتور في الطب والفلسفة والنفس استكشف منظورات مختلفة للتفكير والإبداع من زوايا مختلفة . لذا يصنف الطلبة إلى ناقدين أو محللين أو مؤيدين .

ما الممارسات الواجب تنفيذها لتحقيق الأهداف؟

- إدارة الوقت عامل جوهري في الإنتاج، وبالتالي في تحقيق الأهداف . وكيفما نرى الحياة تأتينا، إذا رأيناها صعبة فهي صعبة، أو ظلام فهي كذلك . . إلخ . لذلك يجب تصور الحياة بصورة سليمة، وبقدر ما يقدم الشخص من دعم ومساندة للآخرين بقدر ما يزداد نصيبه من النجاح . ويجب أن نتعلم (ثقافة الخلاف) أي تقبل الآخرين رغم اختلاف آرائهم ووجهات نظرهم .

ما سبب انتشار الجدل وسوء الفهم في الحوار عند الكثيرين؟

- يرجع ذلك إلى الفكر المبني على القوالب الجاهزة، وهذا الفكر ضحل جداً، لذلك كل الحركات المتعصبة ترفض الحوار، لأنها تؤمن بفكر واحد يقول: نحن الأصح والبقية على خلاف .

النفس البشرية بحر من المشاعر المتناقضة هل من دراسات حديثة في التنمية البشرية ساهمت في كشف خبايا النفس؟

- تجربة العالم هاوكنز في مستويات الوعي التي حددها من 200-1000 حيث تنص على أن كل فكرة لها مستوى موجي معين 200 أو 400 . . إلخ، أي يقيس مستوى الطاقة على حسب المستوى الشعوري، إن كان الشخص يفكر بشكل سلبي أو إيجابي، وبالتالي هذه الفكرة تجذب بطاقتها كل شيء من نفس مستوى طاقة الأحداث المحيطة، إذن هناك علاقة طردية تربط الفكرة بالحدث بحيث كلما يرتفع الشخص في طاقته المبنية على الفكرة جذب إليه أحداث عالية الطاقة واعية وإيجابية .

وهل من دليل علمي على هذه التجربة؟

- الإثبات، وهو من ثمار البحوث والدراسات العلمية المكثفة في علوم التنمية البشرية جهاز الأورا، وهو عبارة عن كاميرا حرارية تأخذ صورة للشخص تدخل في الكمبيوتر، الذي يترجمها على شكل ألوان، فاللون الأخضر يدل على السلام، والأحمر والأصفر على الإحباط، والأزرق على درجة الروحانيات . والمشاعر هي الطاقة الناتجة عن الإدراك الحسي، لذا لون وشكل الهالة المحيطة بالإنسان يدلان على حالته الجسدية والعقلية والنفسية التي تؤدي إلى اكتشاف علامات ومؤشرات مبكرة لبعض الأعراض . ويحتوي الجهاز أيضاً على رسومات بيانية ومقاييس خاصة تعكس مراكز الطاقة في الجسد وتظهر الحالة الذهنية الحالية من خلال مقياس العواطف الذي يبين ردود الأفعال العاطفية والأفكار الحقيقية والمشاعر الداخلية . والنتيجة المهمة جداً هي التعرف إلى نوعية الشخصية وما يناسبها من الأعمال والوظائف والبيئة، وبالتالي المساعدة على التغيير للأفضل ويقدم الجهاز تقريراً تفصيلياً من 23 صفحة عن الحالة النفسية والجسدية العامة .

ما هوايتك المفضلة؟

- التفكر والقراءة وقيادة الدراجة ولعبة تنس الحائط، ومتابعة برامج قناة ناشونال جيوغرافيك .

هل من ظواهر تستوقفك في الحياة؟

- نعم، يستوقفني مدى تعلق الإنسان بالأمور المادية لدرجة قد تفقده لذة الحياة، واللاإنسانية التي وصل إليها بنو البشر، ودرجة النسيان التي يعانيها أغلب الشباب في سن مبكرة .

كونك موظفاً ومدرباً ومديراً، ما تأثير تعدد مهامك في حياتك الشخصية؟

- أنا مقصر اجتماعياً وليس عائلياً، قاعدتي هي خير الأعمال أدومها وإن قل، لذا فإن يوم الجمعة بالنسبة لي هو يوم مقطوع من أعمالي واهتماماتي، وأخصصه للعائلة وزيارة والدي فقط .