تبلورت في سبعينات القرن العشرين الدعوة الى مسرح عربي - صرخة واحدة بأصوات متعددة متنوعة تعزف على آلات مختلفة منها: احتفالية مغاربية ومسرح لعموم أهل السودان (نحو مسرح مصري/نحو مسرح عربي)، والمسرح الشعبي، والمسرح الملحمي، دعوات أول مصادرها ليس في البدايات المعروفة بل وفي التجويد اعتباراً من صيغة المسرح التي اقترحها يوسف ادريس الى صيغة توفيق الحكيم الى الملحمية والشعبية والتراثية والاحتفالية، تأخذ كلها من أشكال الفرجة والشعبية والتراثية والاحتفالية، تأخذ من أشكال الحكايات والروايات والشطار والعيارين والمهرجين والعرائس والدمى وخيال الظل.. تأخذ من السير الشعبية والملاحم وألف ليلة وليلة لتأتي الى مسرح جديد يحتفي بالحياة اليومية ويتطلع الى حياة اخرى ومجتمع مغاير يحمل المعاصرة وقضايا العصر الى الغد في تعددية وتنوع يثري ولا يفرق.

في منطقة الخليج العربية كانت الحياة المسرحية في السبعينات من القرن الماضي في تماس مباشر مع المجتمع والناس والتحولات.. في الكويت كانت الفرق المسرحية تقدم عروضها وبخاصة الشعبية والكوميدية فتجد رواجاً.. في البحرين كان أهل المسرح يستفيدون من وهج الحياة قبل النفط ويجدون في عظات وعبر الحياة القاسية ما يجعل الحاضر أكثر عزماً على التغير والتجدد والتخلص من بؤس وشقاء الظرف الاقتصادي الذي يطوي الحاضر.

أسماء مسرحية مهمة ظهرت في الكويت وقطر والبحرين وبدرجة ما في السعودية وسلطنة عمان والإمارات.. ظهرت لتضيف الى التجربة الأكبر خليجياً وهي التجربة العراقية، حيث كان المسرح هناك رديفاً لتحولات مجتمعية مهمة منذ الخمسينات من القرن المنصرم.

اسماء مسرحية مقرونة بتجارب مسرحية منذ حمد الرجيب، وعبدالعزيز السريع ومحمد عواد وعبدالرحمن المناعي وسعد الفرج وفؤاد الشطي، إلى فناني الإمارات عبدالرحمن الصالح وجمعة الحلاوي وعبيد صندل وسعيد بوميان، الى تجارب مميزة مثل تجربة صقر الرشود وعبدالعزيز السريع وسعد الفرج وعبدالرحمن الصالح ومحفوظ عبدالرحمن (مصر) في الصيغة الشعبية لمسرح عربي، مثل تجربة مسرحيي أوال في البحرين لمسرح الفرجة الشعبية والموضوعة الخليجية وتجربة عبدالرحمن المناعي في الشعرية البصرية والتراثية ولاحقاً مسرح الطفل في قطر.. الخ. اللافت ان مسرح الخليج العربي توجه الى التراث والفرجة والوصول الى جمهور، ولعل جهود مسرحيين في قامة زكي طليمات هي التي رسخت توجهاً أصيلاً نافعاً للناس في المنطقة، ليكون المسرح منبراً اجتماعياً وبرلماناً وصوتاً لمن لا صوت لهم.

في إمارات دولة الاتحاد في السبعينات من القرن العشرين برز التوجه الى مسرح قومي وفرقة جامعة شاملة.. وبدأت الفرق الإماراتية بالظهور، وبرزت مسارح أندية وجمعيات تذهب الى الممارسة المسرحية من باب الهواية والموهبة والاجتهاد، لا تريد كبير شيء من المنفعة أكثر من تصفيق (الجمهور) إعجاباً بما يقدم له.

كانت تجربة الستينات الباكرة، وبخاصة تفعيل واثق السامرائي القادم من العراق قد غرست رغبة الكتابة الجماعية والتجريب بمعنى المغامرة في العمل والاندفاع والاقتحام للعمل المسرحي بأدوات بسيطة، المهم التحدي والاستجابة.

البحث عن بصمة

عبدالله المناعي (ولد عام 1955) استهواه المسرح، فذهب فيه مذاهب التمثيل والاخراج والكتابة والبحث عن بصمة.. جاء الى المسرح من باب الهواية وحب المغامرة والاقتحام لتجارب جديدة في اللعب، لا في السكيك بل على خشبة أمام متفرجين.

في تجاربه الباكرة التي اشتملت على التأليف الجماعي والاخراج الجماعي والاقتباس والمحاكاة والتمثيل في أعمال مثل أين الثقة (عمل جماعي بكامله في العام 1975) وهارون الرشيد في القرن العشرين - من تأليف البحريني عبدالله العباسي، وشمس النهار لتوفيق الحكيم من إعداد البحريني عبدالله السعداوي والفريج إعداد عن العشاق لا يفشلون للسوري فرحان بليل، والمضحك المبكي إعداد عن الرجل الذي ضحك على الملائكة وفي تجربة اخراجية باكرة لمسرحية جثة على الرصيف تعود للعام ،1976 أظهر عبدالله المناعي أنه موهوب، مغامر، ذكي، متحفز للجديد، ذاهب الى المسرح العضوي، خارج على التقاليد، متمرد، لا يعرف الحدود.. يقول: جمعنا أنفسنا، وبدأنا نفكر في انتاج عمل.. واستطعنا ان نكمل عملاً ارتجالياً جمعنا مادته من حياتنا ومشاكلنا وبواسطة المجموعة سميناه أين الثقة.

مع السعداوي البحريني جاء عبدالرحمن الصالح الذي كان قد عاد من الكويت بعد تجربة سينمائية حية حتى الحاضر وتجربة مهمة في المسرح مع صقر الرشود، واقترح الصالح لتطوير قدرات الفرقة ان يستدعى صقر الرشود الى الشارقة للمساعدة والعمل على تطوير التجربة الوليدة، يقول المناعي: وفعلاً اتصلنا من قاعة إفريقيا في الشارقة، وجاء صقر مباشرة بعد اتصالنا به، رغم انه كان مشتركاً في مهرجان دمشق.

هذه مرحلة مهمة جداً قي حياة الفنان المناعي وفي مسيرة المسرح المحلية، يقول عن صقر الرشود، (الذي انتقل الى الرفيق الأعلى بعد فترة ليست بالطويلة قضاها في الامارات): نجح في مسعاه، أولاً: لأنه جاء من دولة خليجية تعيش نفس ظروف الامارات، ولأنه عاش نفس الظروف، فهو يعرف ما حوله جيداً، فهو لم يجد حالة أو ظرفاً جديداً عليه.

ثانياً: كان صقر يمتاز بسرعته في الانسجام والتفاعل مع الشباب، وبهذا استطاع ان يفهم الشباب بسرعة، وبخاصة وقد جاء ولديه تصور خاص به في ضوء تجربة في الكويت.

تعلم عبدالله المناعي (درس) صقر الرشود حتى رفضه الجلوس على مكتب وإنما فضل العمل الميداني، ومنذ صقر الرشود (1979) وعبدالله يبحث عن الجديد، بمعنى المغاير والسائر الى فضاء مسرحي مخالف للاعتيادي، التقى كثيراً مع ابراهيم جلال القادم من العراق بطلب من صقر الرشود، وهو داعية الملحمية المسرحية بمفهوم برشت، واستفاد من تجربة الرجل الثرية، تلاقى مع عوني كرومي (العراق) والمنصف السويسي (تونس) والمنجي بن ابراهيم (تونس) وعبدالرحمن المناعي (قطر) وفؤاد الشطي (الكويت)، هذه اللقاءات أهلت عين المخرج في المناعي، وأوجدت له بوصلة بصرية للمخرج الذي تمكن من السيطرة على المناعي الممثل المغامر المنفوش الشعر.

جمالية جديدة

في تجربته الإخراجية الأولى (جثة على الرصيف) راح المناعي يبني من تجارب معمليه رؤيته، وغرف من غرفهم الاخراجية قدر استطاعته (مبتدئ).. ولهذا خرج المناعي بعد عقد أو قليل، وعندما شجعهم جواد الأسدي في مقهى حمدة على اسقاطهم المجتمعي وعضوية توجههم الى مجتمعهم وإيمانهم برسالة المسرح في الحياة.. بل وأفرحهم كذلك ان دعاهم المنجي بن ابراهيم الى جمالية جديدة للمشهد المسرحي عضدت فيهم دعوة الأسدي الى حياة مسرحية جديدة مختلفة عن التقاليد (الطبيعية) البالية للمسرح في الوطن العربي التي تتوسل بالأداء الخارجي والمنظر الطبيعي والتضخيم والمبالغة والكاريكاتير، مما يذهب بالمسرح الى المهزلة لا الكوميديا الانتقادية، نقول خرج المناعي الى معمعان الاخراج ومنظور الفنان المسرحي الشامل.

بدأ المناعي يعزز تجربته التكوينية ويتخير معلميه وقراءاته ومشاهداته ودورته المسرحية وجماعته التي تتوافق مع تيار واحد يربطهم في سعي حثيث نحو مسرح جديد.

أواخر السبعينات وحتى أواسط الثمانينات كانت فترة حراك فعال للمسرح المحلي والفرق المسرحية حتى قيام أيام الشارقة المسرحية.. يقول المناعي: وللحقيقة أقول ان أقرب اثنين اتفقا بشكل جيد ووضعا الأسس الفنية المسرحية للمستقبل هما صقر الرشود وابراهيم جلال. كانا قد وضعا خطة زمنية للحركة المسرحية، بعد ان عاشا التجربة ميدانياً مع الشباب، وتحسسا المشاكل، واستطاعا ان يحلا بعضاً منها. المناعي اعتقد انه يذهب مذهب الاثنين.. اعتقد جازماً أن لديه تصوره فسارع الى تنفيذه.

المناعي آمن بمقولة، وتطابق معها، وهي لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، إذ يقول: من الضروري إعادة قراءة التراث العربي، للبحث من منطقه الداخلي، عن الضوابط التي تحكم صور الفرجة العربية الممكنة، من دون انقطاع عن الروافد الغربية والانسانية.. هضم سياق الرشود، ومنهج جلال وذهب بهما الى تجربة إماراتية مشبعة بالجمهور وبالتعقل في اختيار الأعمال ومفرداتها. تلاقى مع قاسم محمد مترجماً لالرجل الذي صار كلباً، وأخرجها بتفسير وتأويل يماهي واقع الخليج، والتقى سليمان الجاسم في مسرحية عضوية، والتقى محفوظ عبدالرحمن وناصر النعيمي وماجد بوشليبي وحسين المسلم ممثلاً ومخرجاً في أعمال لا تقل جماهيرية عن أعمال خليجية موسومة بالجد، والطرافة الجماهيرية.

تجربة مهمة

تجربة أخرى لا بد من التوقف عندها لأنها شكلت منعطفاً مسرحياً مهماً لتجربة المناعي، وكذلك لتجربة المسرح المحلي أيضاً، وهي كوت بومفتاح، ذلك المعطف الذي لا (هو من ثوبي ولا أنا من ثوبك) المعطف الذي يتحول الى مصدر للوباء الخطير الذي يتهدد البلاد والعباد. كوت بومفتاح معنى ومبنى تجربة جديدة على المناعي كسينوغرافيا ومشهدية مسرحية بصرية، وكأداء لمجموع الفريق المؤدي بحرارة وحماسة جددت لحياة المسرح المحلي.. ذلك السرير الذي يطلع الى المسرح مثل صندوق بندورا، فيه كل المهمات والاكسسوارات والديكورات الصغيرة للعمل المسرحي، سرير يذكر بأسرة المستشفيات، إنها محاولة مسرحية جديدة للغوص في تفاصيل المتغيرات التي طرأت على الحياة الاجتماعية في الإمارات قبيل اكتشاف النفط وبعده مباشرة، من خلال حكاية تروي حجم المعاناة التي يواجهها بطل العمل (بومفتاح) الذي تعلق بماض أحب فيه بساطة الحياة والعمل الجاد، واستقر في النهاية في ملجأ العجزة والمسنين، إنها صرخة حياة بلا أمل لأجل حياة الأمل.

المناعي قال إن لديه تصوره ومشروعه المسرحي العضوي الذي لا ينفصل عن الناس ومجتمعهم وثقافتهم وحيويتهم، ومن أجلهم بحث عن مواضيع وصيغ وتقارير ورؤى مسرحية تخدمهم وتكشف سرهم، وتذهب بهم الى السوية والتجدد والتغير، فهل ينجح في هذا المسعى؟ لننظر بتمعن، ولكن بإيجاز في بعض إنتاجه المسرحي.

على صعيد الرسالة، فالمناعي يرى أن مجتمع التحولات في بلده الإمارات قد داخلته كثير شوائب بعد النفط والحداثة والتعددية والعولمة، بتعدد الأجناس وتعدد الثقافات، وبثورة الإعلام والتقنية، مما ألبس الإمارات مسوح غيرها وثياب عولمة عالجتها سماحة الإمارات وطيبة أهلها بتعايش سمح ومجاورة ثقافات وأنسنة أصبحت سنة بعد سنة من لوازم العولمة.

الرؤية التي ينطلق منها المناعي هي كشف المخبوء، ونقد الظاهر، والإشارة الى ما هو واقع بأمل الوصول الى ما ينبغي أن يكون.. هي رؤيا مسوحها بصرية ومشهدية ومعالجة إخراجية معاصرة تماماً لا تبحث عن شرح الشرح أو تفسير المفسّر، بل تتجه مباشرة الى التأويل والإسقاط. فالواقع عنده مثل عنوان مسرحية صاحب السمو حاكم الشارقة الكافي الشافي المانع: الواقع - صورة طبق الأصل.. المناعي يرى أن الواقع صورة طبق الأصل سالبة لما ينبغي ألا يكون. مجتمع النفط أفقد المجتمع التقليدي، ليس فقط ثقافته بل قيمه وأسلوب حياته، وحياته كلها في سبيل تحولات لا تزال تزاحمها هفوات وهنات وتداخلات - طبيعية نعم، ولكنها تفقد المجتمع بوصلته وحيزه الروحي النفسي الاجتماعي، وشفافية أن تكون حياته مرآة آمال عراض ليدخل في الماديات والمدن المفتوحة الكوزموبوليتانية - مدن عالمية تكتسي يوماً بعد يوم قيم العولمة وبقيم متعولمة وطبائع وأعراف وتقاليد تبعد عن المألوف في مجتمعات عربية إسلامية ذات قيم تحولت الى مجتمعات حداثة وما بعد حداثة، يختلط فيها الحابل بالنابل، والأبيض بالأسود، ويذهب السكيك الى الذاكرة، وتفقد الذاكرة المحدثة العرصة.. والبراحة.. والبررزة.. والسكة.. والخور.. والرمسة.. لتصبح بلا هوية.. ولسانها معوج برطانات عديدة متخالطة متداخلة متعارضة.. ضاجّة بالازدحام والشقاق.. كوت بومفتاح كانت إشارة إلى تحويل المجتمع التقليدي إلى الهامش.

فن يتأمل واقعه

بس كانت صرخة قاسية وفاجعة لتحوّل المجتمع الى طبقي: الغني/الفقير في صراع الغلبة فيه لمن يملك ويسيطر.. إشارة المناعي إلى مجتمع الاستهلاك وانتشار قيم التجارة والمال صرخة إنسانية تقول كفى لمن لا يسمع، ولا جواب على خشبة المسرح إلا بكشف السالب ليحوّله المجتمع بعد وعي ونمو وتنمية إلى إيجاب التحول السوي.

في الشهادة نشهد كيف تتبدل وتتحول القيم، وكيف يسيطر النمط بإجحاف.. يطرح المناعي أخذ الجذور كقيمة وسلوك لمواجهة الجديد الطارىء حينئذ.. ولكن هيهات.. فات الأوان، فات الأوان.

على أن المناعي يدرك أن الخليج ليس بحراً منعزلاً ولا قطاعاً شرقياً للثقافة العربية الإسلامية وهو منبت عن مركزه، بل هو جزء حي فاعل يملك الثروات التي تأتيه بالفجائع. وعليه فهو يدغم محليته في عروبته وإسلامه.. يتحول بموضوعه المحلي إلى المركز فيجعله تيمة أساسية فيها التشرذم والقطرية والشقاق ومضيعة قضية العرب الأولى، وسلبيات مجتمع الاستهلاك، وتحوّل بعض الأمصار العربية إلى هوامش للفقر والألم، وضياع الشورى والديمقراطية، وذيوع التسلط والتحكم، وانحسار الحريات في القول والعمل، مما يشهد به مسرحه الجديد الذي غيّر ثوبه وذهب بالواقعية إلى مشارف الغروتسك والبيرفورمانس والحادثة والمسرح والمعاصر المعتمد على البصريات والفيديو وفنون ما بعد الحداثة.

في عمل لافت محلي، متحول إلى عربي، حول قضية المرأة بعنوان هَم، يأخذ المناعي سيناريو مسرحياً كتبته ممثلة صغيرة بارعة هي صابرين الرميثي كمتكأ للإخراج وشغل التمثيل الذي قامت الكاتبة بفلاح كبير به عام 1998م احتفاء بالشارقة عاصمة للثقافة العربية، قدم المناعي مونودراما صاخبة ضاجة بالأهل والأمل: كيف لممثلة/ امرأة وحيدة أن تفلح في دخول المجتمع الحديث من دون نقيصة مثل هيدا جابلر، مثل نورا من بطلات ابسن اللاتي صفعن المجتمع الاوروبي باباً باباً ليخرجن إلى الحياة.. في هم نرى امرأة شفافة وديعة تقول بعقل لتخلق حالة ذهنية لتحاور المتلقي ليقول لها تفضلي الباب مفتوح والحياة المحلية عمرت وتعمر بمشاركة المرأة. فنياً كان السيناريو نصاً مفتوحاً وكتابة، للتدريب المسرحي أن يلغيها ويضع بديلاً لها على الخشبة.

في أعماله التي أعقب مرضه الذي أعثر لسانه وأعاق حركته الجسدية كثيراً أو قليلاً، ذهب المناعي إلى مسرح الصورة والإيماءة والحركة، مسرح الحادثة والبيرفورمانس الذي تحتل فيه الحركة ولعبة الجسد الحيز الأكبر عن القول المنطوق.. تأتي الاستعارات والإسقاطات من الموسيقا والمهمات المسرحية والسينوغرافيا والزي والقناع والموسيقا الحية على الخشبة وحوار الأجساد وفيزياء الجسد في مواجهة المتلقي، مع الخروج من العلبة الايطالية إلى حيز الصالة أو البيوت أو الفناء/ الفضاء المفتوح ليكون عليه ذلك الحوار الحميم مع المتلقي، الذي أراده المناعي، وبخاصة مع نهايات القرن والولوج إلى الألفية، مشاركاً متفاعلاً فاعلاً في النص/المشهد، إلى حد أن يطلب منه المشاركة المباشرة في الحدث وسيره بل وتعديله إن أراد ذلك.

هذه التجارب المذكورة خرجت عن المسرح التقليدي، وكان بعضها يحفز الجمهور قبل بداية العروض بمشهيات مشهدية في البهو والمداخل والممرات المسرحية، ليقول لهم إنهم بصدد عروض غير تقليدية. عروض الصدمة، عروض الجماهير والتعبئة النفسية، عروض حية من المسرح الحي، من مسرح القسوة، من فرجوية عصرية لا توهم المتلقي بل تضعه وعقله أمام مشكلة /فرضية/ أطروحة/ أمثولة ليعمل عقله ليصل الى حلول ثقافية روحية اقتصادية حياتية لقلب حياته رأساً على عقب، والتحول الى فضاء جديد بروح ونفس وحركة وقلب من نوع آخر لا يرضى مسغبة الحاضر وماديته وعولمته المتقلبة التي تكيل بمكيالين لا يرتضيها (عاقل).

على صعيد تحول المناعي الى مسرح صوري مشهدي، يتعامل مع الفضاء المسرحي من منظور فضاء الحياة، نجده قد ترك الخشبة الى تعددية الخشبات والأماكن الممكنة لأداء المشاهد.. وهكذا يتحول الى ديكور/ منظر مسرحي متعدد ومتنوع، وإلى عمل وشغل التمثيل المغاير لنظريات الأداء الواقعي الى إمكانات ومسؤوليات أدائية جديدة لممثل جديد، عدته ضمن جسده.. ومن هنا غرائبية بعض عروض المناعي، وصدمة أدائه، وغرابة ممثليه الذين بدلوا غضب ساعة على المسرح الى سأم وضجر حياة في الواقع: يتحول الاعتيادي الى الغروتسك، والطبيعي الى الملحمي، والتعبيري الى إشاري تأويلي أسطوري بنحو ما.. ويفعّل تحول وانتقال المشهد من المتعارف (العلبة) الى الفضاء الواسع العريض فعله في المشاهد الذكي الذي يدرك مع عروض المناعي أنه يذهب الى وضع مختلف ومشاركة عوضاً عن سلبية التلقي التقليدية.. لا بد للجمهور من تفاعل ما، من حركة ما، من ردة فعل ما.. وهكذا يعول المناعي على الصدمة الفعل ورد الفعل.

في (عسى خير) نأتي الى مسرح الحلبة: بؤرة الوسط للتمثيل، وكل الجهات للجمهور، الذي سرعان ما يتداخل معها وضمنها يكون الممثلون.. فريق/ مجموعة من المؤدين في بياض.. وفي إنارة شخصية.. وفي حوارات متقطعة واضحة ومبهمة وحركة جسد، وصراخ وأمل.. كأننا ضمن رؤية.. كأننا ضمن حلم.. كأننا ضمن كابوس فظيع. موضوع المسرحية هو المواطن العربي الذي أصبحت حياته إحباطاً وقهراً ومسغبة، ويحيا في عزلة في إطار كابوس (هو الحياة العربية المباعة لجهة المصالح). وفي المسرح يعود المناعي في عسى خير الى الفاجعة اللغوية كما يراها مسرح اللامعقول/ العبث حيث تفضي اللغة الى كارثة.

عودة المخرج الى المجموعة المؤدية/ كورس ومكان عرض هو فناء بيت تقليدي من طابقين توزع الجمهور فيه على الجهات كلها، وفي الوسط ما يشبه المربع المغطى بالبياض، وفيه مداخل ومخارج (كواليس للممثلين) وأعلى المربع على السطح فتحة يطلع علينا منها الممثلون/ والقتلة بالقنابل/ وبالمصابيح الناس.. وبالموت وبالأمل، بالحياة وبالرقاد الطويل.. حياة كاملة: جنود، تجار، بشر، شعب كامل، ممثلون، فلسطينيون، الأمل هو في المصابيح التي تحمل وتجول وتتحرك في الفضاء (هي النور في الليل العربي الطويل).

فنياً المناعي يستخدم مهمات واكسسوارات وأزياء وأقنعة وسبل اضاءة ومشهدية بصرية جديدة، بل إن الموسيقا والمؤثرات الصوتية تتداخل مع الأداء الصوتي المنطوق ليتشكل هذا كله نسيجاً تقنياً جديداً مع أداء حركي جسدي فيه الصفقة والتصفيق. والصراخ والصياح.. والغناء والرقص، والايقاع الحركي وآلات الموسيقا، وبخاصة آلة العود، لنجد أنفسنا في فانتازيا مسرحية نخرج منها متسائلين: عسى خير؟!

يقول الشاعر أحمد بن علي المناعي (1890 - 1990):

تفكر، فإدراك المنى بالتفكر،

وأبصر بعين القلب، أي بالتبصر.

وأنظر إلى خلف الستار بنظرة،

تجد ما ترى حقاً يأتيك بالتفكر.

فيا أيها الشهم، الذي شاع ذكره،

فإنك ذو رأي وعقل موفر.

ألا يستحق المناعي ان يشار إليه كثيراً كثيراً، وأن يحتفى بمسرحه الجديد دائماً دائماً؟

تحولات

في منطقة الخليج العربية كانت الحياة المسرحية في السبعينات من القرن الماضي في تماس مباشر مع المجتمع والناس والتحولات.. في الكويت كانت الفرق المسرحية تقدم عروضها وبخاصة الشعبية والكوميدية فتجد رواجاً.. في البحرين كان أهل المسرح يستفيدون من وهج الحياة قبل النفط ويجدون في عظات وعبر الحياة القاسية ما يجعل الحاضر أكثر عزماً على التغير والتجدد والتخلص من بؤس وشقاء الظرف الاقتصادي الذي يطوي الحاضر.

أسماء مسرحية مهمة ظهرت في الكويت وقطر والبحرين وبدرجة ما في السعودية وسلطنة عمان والإمارات.. ظهرت لتضيف الى التجربة الأكبر خليجياً وهي التجربة العراقية.

حالة ذهنية

في عمل لافت محلي، متحول إلى عربي، حول قضية المرأة بعنوان هَم، يأخذ المناعي سيناريو مسرحياً كتبته ممثلة صغيرة بارعة هي صابرين الرميثي كمتكأ للإخراج وشغل التمثيل الذي قامت الكاتبة بفلاح كبير به عام 1998م احتفاء بالشارقة عاصمة للثقافة العربية، قدم المناعي مونودراما صاخبة ضاجة بالأهل والأمل: كيف لممثلة/ امرأة وحيدة أن تفلح في دخول المجتمع الحديث من دون نقيصة مثل هيدا جابلر، مثل نورا من بطلات ابسن اللاتي صفعن المجتمع الاوروبي باباً باباً ليخرجن إلى الحياة.. في هم نرى امرأة شفافة وديعة تقول بعقل لتخلق حالة ذهنية لتحاور المتلقي ليقول لها تفضلي الباب مفتوح والحياة المحلية عمرت وتعمر بمشاركة المرأة.

الهواية

عبدالله المناعي (ولد عام 1955) استهواه المسرح، فذهب فيه مذاهب التمثيل والاخراج والكتابة والبحث عن بصمة.. جاء الى المسرح من باب الهواية وحب المغامرة والاقتحام لتجارب جديدة في اللعب، لا في السكيك بل على خشبة أمام متفرجين.

في تجاربه الباكرة التي اشتملت على التأليف الجماعي والاخراج الجماعي والاقتباس والمحاكاة والتمثيل في أعمال مثل أين الثقة (عمل جماعي بكامله في العام 1975) وهارون الرشيد في القرن العشرين - من تأليف البحريني عبدالله العباسي، وشمس النهار لتوفيق الحكيم من إعداد البحريني عبدالله السعداوي والفريج إعداد عن العشاق لا يفشلون للسوري فرحان بليل، والمضحك المبكي إعداد عن الرجل الذي ضحك على الملائكة

درس

علم عبدالله المناعي (درس) صقر الرشود حتى رفضه الجلوس على مكتب وإنما فضل العمل الميداني،

ر ؤية

الرؤية التي ينطلق منها المناعي هي كشف المخبوء، ونقد الظاهر، والإشارة الى ما هو واقع.