عرف بكرمه وجوده، ووفائه بوعوده وعهوده، لم يلبس إلا ما يستر جسده ولم يرفع إلى فمه إلا ما يقيم أوده.

أنار الله طريقه وهداه، فمضى على طريق نبيه ومصطفاه، رصد حركاته وتتبع سكناته، وحاكاه في صومه وصلاته وحجه وزكاته، وسائر عباداته ومعاملاته.

إذا رآه يصلي صلى في المكان نفسه، وإذا رآه يدعو كرر ما سمعه وكان في الزمان نفسه والمكان عينه.

قالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: ما كان أحد يتتبع آثار النبي صلى الله عليه وسلم في منازله كما كان يتبعه ابن عمر.

ودعا واحد من أهل التقوى: اللهم ابق عبدالله بن عمر ما أبقيتني كي أقتدي به فإني لا أعلم أحدا على الأمر الأول.

وقال الصحابة والتابعون: لم يكن بين أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم أحد أشد حذرًا في رواية حديث النبي من

عبدالله بن عمر لا يزيد عليه حرفا أو ينقص حرفا.

عاش عبدالله بن عمر رضي الله عنه على مدار حياته (83 عاماً) ملتزما بسنة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم متمسكا بها، ومطبقا لها ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

يقول ابن عمر: لقد بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم فما نكصت (تراجعت أو تخليت) ولا بدلت إلى يومي هذا، ولا بايعت صاحب فتنة، ولا أيقظت مؤمنا من مرقده، (لم يذكر أحدا بسوء).

أبدى قدوة شباب الإسلام نبوغاً مبكراً وميلاً فطرياً إلى العلم والمعرفة، وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن من الشجر شجرة لا يسقط ورقها وهي مثل المسلم، حدثوني ما هي؟ وتوقع الناس في شجر البادية، ووقع في نفسي أنها النخلة.

قال عبدالله: فاستحييت، فقالوا يا رسول الله: أخبرنا بها.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هي النخلة.

قال عبدالله فحدثت أبي بما وقع في نفسي فقال: لأن تكون قلتها أحب إلي من أن يكون لي كذا وكذا.

سخاء وزهد

تحرى ابن عمر الحلال في مطعمه وكان مضرب الأمثال في الكرم والسخاء، يتصدق بماله، وينفقه على الفقراء والمساكين.

كان يعمل بالتجارة ليأكل من عمل يديه، ويعيش دون الكفاف، ويتصدق ويعطي ويفضل المحتاجين ويؤثرهم على نفسه، ولم يتوقف جوده عند هذا الحد، بل وصل الأمر إلى أنه كان يتصدق بمبالغ طائلة ثم يستدين ليشتري العلف لراحلته.

يقول أيوب بن وائل الراسبي: جاءت لابن عمر يوما 4 آلاف درهم وقطيفة وفي اليوم التالي رأيته في السوق يشتري لراحلته علفا نسيئة بالدين، ذهبت وسألت: ألم يات له مال كثير بالأمس؟ قالوا: بلى، لكنه لم يبت ليلته حتى فرقها جميعا. ثم أخذ القطيفة فألقاها على كتفه، ثم عاد وليست معه، فقالوا أعطاها لفقير.

فصحت في السوق: يا معشر التجار، ماذا تصنعون بالدنيا، وهذا ابن عمر تأتيه آلاف الدراهم فيوزعها، ثم يصبح فيستدين علفا لراحلته؟

لم يكن عبدالله بن عمر يرتدي من الثياب إلا الخشن البسيط، أهداه أحد أصحابه ثوبا ناعما من خراسان، وطلب منه أن يرتديه، فلمسه ابن عمر وسأل: هل هو حرير؟ فقيل: بل من القطن، قال ابن عمر: أخاف على نفسي أن يجعلني هذا الثوب مختالا فخورا والله لا يحب كل مختال فخور.

بدأ ابن عمر رحلة الجهاد في سبيل الله بغزوة الخندق، وكان عمره 15 عاماً، بعد أن رده النبي في بدر وأحد لصغر سنه.

شارك في جميع الغزوات والفتوحات، وكان ضمن جيش أسامة الذي توجه لقتال الروم في الشام، وشارك في موقعتي القادسية واليرموك، كما شارك في فتح مصر وإفريقيا (تونس)، وقبل ذلك في قتال المرتدين في عهد أبي بكر الصديق، وبعد ذلك في قتال المتمردين في عهد عثمان بن عفان.

على خطى النبي

وكان ابن عمر إذا رأى النبي في سفره يهبط عن راحلته ويصلي ركعتين، هبط هو الآخر عن راحلته وصلى ركعتين، وإذا رآه يدعو قائما أو جالسا أو مضجعا، فعل كما يفعل.

وعند فتح مكة، دخل النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة، ومعه بلال بن رباح وأسامة بن زيد، فدخل في أعقابهم، وسأل عما فعله النبي وأين صلى وفعل كما فعل وصلى في المكان نفسه.

رأى ابن عمر في مطلع شبابه رؤيا فسرها النبي صلى الله عليه وسلم تفسيرا جعله منتهى عمله.

يقول: رأيت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قطعة من استبرق (حرير) وكأني لا أريد مكانا في الجنة إلا طارت بي إليه، ورأيت كأن اثنين أتياني وأرادا أن يذهبا بي إلى النار فتلقاهما ملك فقال: لا ترع (تخاف) فخليا عني.

فقصت حفصة أختي على النبي رؤياي فقال: نعم الرجال عبدالله، لو كان يصلي من الليل فيكثر.

بكى ابن عمر عندما سمع الآية الكريمة التي بكى النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن سمعها من عبدالله بن مسعود: فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً، يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ولا يكتمون الله حديثاً (النساء: 41 42).

كما بكى حتى سقط على الأرض وهو يقرأ: ويل للمطففين. الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون. وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون. ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون. ليوم عظيم. يوم يقوم الناس لرب العالمين (المطففين: 1 6).

ثلاثة قضاة

كان ابن عمر شديد الخوف والحذر من الفتيا، وقال ذات مرة: سئل ابن عمر عما لا يعلم، فقال لا أعلم.

وكان يرفض مناصب القضاء خشية أن يظلم أحدا، أو يجور على حق أحد، وقد دعاه الخليفة عثمان بن عفان لهذا المنصب الرفيع لكنه أبى، وألح عليه في الطلب لكنه أصر على الرفض.

قال له الخليفة: أتعصيني.

فقال: كلا، ولكن بلغني أن القضاة ثلاثة: قاض يقضي بجهل فهو في النار، وقاض يقضي بهوى فهو في النار، وقاض يجتهد ويصيب فهو كفاف، لا وزر ولا أجر، وإني لسائلك بالله أن تعفيني.. فأعفاه.

وبعد مقتل عثمان بن عفان، جاءه عدد من الصحابة يبايعونه خليفة للمسلمين لدينه وعلمه، وفقهه وعدله، لكنه رفض.

وجاءه صاحب بوعاء من العراق به دواء، فسأله: ماذا يطبب هذا الدواء؟

قال: يساعد على هضم الطعام.

فابتسم ابن عمر وقال لصاحبه: إني لم أشبع من طعام قط منذ 40 عاماً.

لم ينس الصحابي الجليل قول النبي الكريم: نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع.

وقال عليه الصلاة والسلام: حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه.

يقول ميمون بن مهران: دخلت على ابن عمر فقومت كل شيء في بيته من فراش ولحاف وبساط، ومن كل شيء فيه، فما وجدته يساوي مائة درهم.

وكان إذا ذكره أحد بمتاع الدنيا، قال: لقد اجتمعت بأصحابي على أمر وإني أخاف إن خالفتهم ألا ألحق بهم، اللهم إنك تعلم أنه لولا مخافتك لزاحمنا قومنا قريشا في هذه الدنيا.

السلالة الطيبة

وعبدالله ابن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وهو أول من حمل هذا اللقب من الصحابة الكرام، وكان أبو بكر الصديق قد حمل لقب خليفة رسول الله بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

أسلم قبل الهجرة بخمس سنوات وأطلق عليه النبي لقب الفاروق لأنه فرق بين الحق والباطل.

تولى الخلافة 10 سنوات ( من 12 22 ه) ( 634 644م)، امتدت دولة الإسلام في عهده شرقا وغربا وشمالا وجنوبا، وعرف بعدله وحزمه وقوته، في الحق، ونظم الدواوين، وسن العمل بالتاريخ الهجري وأدار أمور الدولة بمهارة واقتدار، أحرز الانتصارات على دولتي الفرس والروم، وأصبحت دولة الإسلام أعظم الدول وأقواها في ذلك العصر.

اختاره مايكل هارت في كتابه الخالدون في تاريخ البشرية، وكان ترتيبه رقم 50 بين الشخصيات التي حولت مجرى التاريخ الإنساني. وامتدت السلسلة الطيبة من عمر إلى عبدالله بن عمر، إلى سالم بن عبدالله بن عمر، خيار من خيار. وكان من كرام التابعين، وأحد فقهاء المدينة وعلمائها، روى عن أبيه، وروى عنه الزهري، وقد رآه الخليفة سليمان بن عبدالملك أمير المؤمنين بالكعبة يوما فقال له: سلني حوائجك.

فقال سالم: والله لا أسأل غير الله في بيت الله، توفي سنة 106 ه، وقيل 108 ه.

ورع وعلم غزير

عبدالله بن عمر بن الخطاب (10 ق.ه 73 ه) (613 692م)، يكنى بأبي عبدالرحمن، نشأ في الإسلام، وهاجر من مكة إلى المدينة مع والده.

أفتى للناس 60 عاما وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم 2630 حديثا وأفاد الأمة بعلمه الواسع الغزير.

أسلم وعمره 13 سنة وذهب مع والده إلى غزوة بدر، لكن النبي صلى الله عليه وسلم، رده لصغر سنه وكذلك يوم أحد.

أمه السيدة زينب بنت مظعون بن حبيب الجمحي.

قال عنه عبدالله بن سعد: إن أملك شباب قريش لنفسه في الدنيا عبدالله بن عمر.

وعن جابر قال: ما منا من أحد أدرك الدنيا إلا مالت به ومال بها إلا عبدالله بن عمر.

شهد له الصحابة جميعا بحسن العلم والعبادة والورع والتقوى، وأنه لم يغير من أمره شيئا بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بل استمر على التزامه واجتهاده.

وكان من أعلم الصحابة بمناسك الحج وكان يحرص على أدائه، ونشأ قريباً من النبي صلى الله عليه وسلم منذ طفولته فهو ابن صاحبه عمر بن الخطاب وشقيق حفصة أم المؤمنين رضي الله عنهم.

كان كريماً سخياً، أنفق 30 ألف درهم في مرة واحدة، وكان لا يتناول طعامه في أي يوم من الأيام إلا يشاركه فيه يتيم.

كان آخر من توفي بمكة من الصحابة، يقول عبدالله بن عمر رضي الله عنهما: لا يصيب عبد شيئا في الدنيا إلا نقص في درجاته عند الله عز وجل، وإن كان عليه كريما.

وقال أبو سلمة بن عبدالرحمن: مات ابن عمر وهو مثل عمر في الفضل، وكان في زمان له فيه نظير، وعاش ابن عمر في زمان ليس له فيه نظير.