القاهرة - عيد عبدالحليم:
عبد الوهاب قتاية أحد الوجوه الإعلامية البارزة في مجال الإعلام الثقافي المرئي والمسموع، صاحب خبرة متميزة في هذا المجال اكتسبها على مدار أكثر من أربعين عاماً من خلال عمله بالتلفزيون المصري والعربي، خاصة وسائل الإعلام الإماراتية المسموعة والمرئية التي عمل فيها منذ عام 1975 .
وفي الحوار التالي يتحدث قتاية عن تلك الحقبة وذكريات جميلة .
* كانت سنوات عملك في الإمارات هي الأكثر ازدهاراً في حياتك الإعلامية . . صف لنا تلك السنوات وكيف تراكمت وزادت من خبراتك في هذا المجال الحيوي؟
- وصلت إلى دولة الإمارات لأول مرة في شهر مارس/ آذار عام ،1975 تلبية لدعوة كريمة للعمل في إذاعة "رأس الخيمة" وهناك عملت لأربعة أشهر، عدت بعدها إلى القاهرة . وفي أغسطس/ آب من العام نفسه رجعت مرة أخرى إلى إمارة الشارقة فعملت مذيعاً ومراقباً للبرامج الثقافية في "إذاعة الشارقة" التي كانت قد بدأت إرسالها عام 1972 .
وأذكر أن فريق العمل في "إذاعة الشارقة" كان من ذوي الخبرات الطويلة في مختلف الفنون الإذاعية، خاصة ممن كانوا يعملون قبل ذلك في إذاعات مثل "صوت العرب، وإذاعة القاهرة" إضافة إلى نخبة من أبناء بعض الأقطار العربية الأخرى، ونخبة من شباب الإمارات وشاباتها الذين تلقوا تدريباً مكثفاً وأثبتوا نبوغاً وكفاءة في مختلف التخصصات، فكان منهم المذيع، ومحرر الأخبار، ومقدم، ومنسق البرامج وغير ذلك من المجالات التي يستلزمها العمل الإذاعي .
* كيف تقيم الأداء الإعلامي لتلك الإذاعة الوليدة في تلك الفترة وكيف استطاعت من وجهة نظرك أن تقدم خطاباً إعلامياً مختلفاً؟
- حققت الإذاعة تألقاً وجماهيرية واسعة واشتهرت بجودة إنتاجها الدرامي والبرامجي شكلاً ومضموناً، وأهم من ذلك عرفت بتوجيهاتها الواعية الملتزمة برسالة الإعلام في خدمة مجتمع الإمارات العربي المسلم المنطلق نحو التقدم، والذي راح يشيد تجربة وحدوية رائدة وواعدة .
* ما أشهر البرامج التي قدمتها في تلك الفترة؟
- قدمت خلال عملي بالشارقة عدداً كبيراً من البرامج، أعتز بها وخصوصاً برنامج "سوق عكاظ" الذي كان نافذة يومية على الحياة الأدبية في الإمارات وفي الوطن العربي، والذي سلّط الضوء في وقت مبكر على معظم المواهب الأدبية المحلية والإنتاج الأدبي المحلي في الإمارات وقتها وقد استمر هذا البرنامج في "الشارقة" ثم في أبوظبي يومياً حوالي خمس سنوات، أما البرنامج الثاني الذي أعتز وأفخر به فهو "لآلئ من الخليج" الذي اهتم لأول مرة في المنطقة بالتقاء أعلام الثقافة والفن في الإمارات ودول الخليج العربي والجزيرة العربية بشكل عام .
*وقد صار بعد انتقالي من "الشارقة" إلى "تلفزيون أبوظبي" من أهم وأشهر ما قدمه التلفزيون من برامج .
ما اللحظة التي أثرت فيك إعلامياً؟
- من أبرز ذكرياتي المؤثرة في نفسي حتى الآن يوم إغلاق إذاعة الشارقة وإعلان ضم موجاتها إلى الإذاعة الأم في أبوظبي كخطوة وحدوية نبيلة . في ذلك اليوم وبعد الظهر اتصل بي المسؤولون يطلبون أن أختم إرسال الإذاعة وأعلن توقفها نهائياً وانضمام موجاتها إلى الإذاعة الأم في أبوظبي، فكتبت بسرعة كلمة "وداع" وختام جاءت مشحونة بالمشاعر، ودخلت الاستوديو وأنا أغلب مشاعري وتأثري . وختمت كلمتي بالقول: الآن، وللمرة الأخيرة، نقول "إذاعة الإمارات العربية المتحدة من الشارقة" . وقد أثارت هذه الكلمات عواطف جياشة وتأثراً عميقاً لدى جماهير مستمعيها في الشارقة، وعلمت فيما بعد أن كثيرين في بيوتهم بكوا تأثراً بكلماتي .
* يعد "لآلئ من الخليج" من أهم البرامج الثقافية في فترة السبعينات والثمانينات . . فما الرسالة التي كان يستهدفها البرنامج؟
- في بداية عملي في تلفزيون "أبوظبي" و بعد قراءة نشرات الأخبار بدأت في تقديم برامج ثقافية، حيث لم تكن هناك هذه النوعية بالمعنى المتعارف عليه، ولأنني أومن بأن أدباء الخليج لم يأخذوا حقهم من الاهتمام الكافي بالتقديم والتعريف بهم عبر أجهزة الإعلام، فإنني بادرت واعياً بتحمل هذا الدور وهذه الرسالة .
وأنا في حياتي الإعلامية، بل وفي حياتي العامة والخاصة من الذين يحرصون على أن يكون لهم دور يعطي لحياتي قيمة، ويرسم هدفاً نبيلاً مشرفاً لها، وقد تصورت أن أنتدب نفسي لخدمة الرافد الثقافي العربي الخليجي وإعطائه حقه من الضوء ومن التقديم ومن التواصل مع الحياة الثقافية العربية، هو دوري الذي يرضيني فكرياً ونفسياً وقومياً، فجاءت فكرة برنامج "لآلئ من الخليج" التلفزيونية، وهنا أشهد باعتزاز وعرفان بأن المسؤولين في التلفزيون قد استجابوا لكل أفكاري، وهيأوا لي فرص السفر إلى دول الخليج مرات ومرات، وإلى كثير من الأقطار العربية والأجنبية حيث التقيت رجالات الفكر والثقافة، وكان يدهشني أحياناً أن يقول أديب كبير لي: هذه أول مرة أقف فيها أمام كاميرا تلفزيونية . أي أننا سعينا إليه وصورناه قبل أن يلتفت إليه تلفزيون بلده . قدمنا في "لآلئ من الخليج" أكثر من مئتي شخصية مثقفة من الصف الأول والثاني من منطقة الخليج، وفي مقدمتهم كبار السن الذين كنت شديد الحرص على السعي إليهم باعتبارهم "وثائق حية مودّعة"، وبالفعل ودع ورحل عدد كبير منهم ولم يتبق سوى وثائق البرنامج تراثاً ناطقاً، ومنهم أبرز أعلام الثقافة العربية مثل "الجواهري، والبياتي وبلندا الحيدري ونزار قباني وأمل دنقل ويوسف إدريس ومحمود درويش والبردوني وحنا مينا والظاهر وطار والأبنودي وسليمان العيسى" وغيرهم .
* هل نلت أي جائزة خلال مسيرتك؟
- أعتز بأن الإمارات منحتني جائزتين، الأولى والثانية في حياتي الإعلامية، فقد منحني مهرجان دبي التلفزيوني جائزة أفضل قارئ نشرة إخبارية في التلفزيون ثم جائزة أفضل إعداد وتقديم عن برنامج ثقافي تلفزيوني وهو "بين يومين" .
* ماذا تفعل الآن؟
- حالياً أتخذ رسالة حياة ذات شقين، التدريب ووضع كل خبراتي الإعلامية في خدمة الأجيال الجديدة والممارسة للعمل مذيعين وقارئي نشرات أخبار ومقدمي برامج . ويسعدني كثيراً أن أشاهد على مختلف قنوات التلفزيون العربية في معظم الأقطار العربية أبناء أعزاء لي دربتهم وأخذت بيدهم حتى صاروا نجوماً .
والشق الثاني هو خدمة اللغة العربية "العروة الوثقى للأمة . . والحصن الأخير لوحدتها" . وفي هذا المجال أحاضر وأقدم برامج إذاعية وتلفزيونية، وأساهم في تأسيس جمعيات لحمايتها وخدمتها . ورصيدي في هذا المجال - والحمد لله طيّب ومشرّف، لكنني أتوق إلى زيادته، وإلى رؤية ثماره وثمار جهود الكثيرين المخلصين للغتهم الجميلة .