قبل الحامولي لم تكن الأغنية تعرف اللحن، وإنما كانت تغنى على المقام مباشرة، وكان الأستاذ الذي يقوم بتعليم عبده الحامولي شيخاً يدعى شاكر الحلبي، وعندما سمعه الخديوي إسماعيل اصطحبه إلى تركيا، وعاد منها بمجموعة ألحان تركية، كانت النواة التي بنى عليها محمد عثمان والد الممثل عزيز عثمان والشيخ محمد عبدالرحيم المسلوب، الألحان التي غناها عليه الحامولي .

جاء عبده الحامولي ضمن مشروع نهضوي أراد الخديوي إسماعيل أن يقيمه في مصر، فيلحقها بأوروبا، ولذلك كان أول صوت تم تسجيله في مصر عام 1900 .

عاش الحامولي حياة رغدة، وكان صديقاً لأكابر المحروسة - هكذا كان يطلق على القاهرة على اعتبار أنها محروسة بمن يدفن فيها من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم كما تزوج من سكينة أشهر مطربات عصره المعروفة باسم ألمظ قبل أن تتوفى صغيرة عن عمر يناهز 36 عاماً .

كان عبده الحامولي نجم الغناء العربي الأول في القرن التاسع عشر، كما ارتبط اسمه بالمطربة ألمظ التي تزوجها وقدما معاً أفضل الأدوار العربية في تلك الفترة من نهايات القرن التاسع عشر، التي ذاع فيها صيته وكان له جمهور كبير خاصة من أمراء القصور الذين كان يحيي حفلاتهم، وكان معجبوه يلقبونه بلقب سي عبده .

كوّن عبده الحامولي مع ملحن الأدوار الفذ محمد عثمان ثروة هائلة من الأدوار التقليدية ما زالت تسمع لليوم، وبفضلهما تطور قالب الدور العربي القديم إلى القالب الأساسي الذي بنى عليه سيد درويش أدواره العشرة الشهيرة، غير أن سيد درويش أضاف إلى الدور إمكانات وأشكالاً جديدة كما أضاف إليه البعد التعبيري .

ويرجع إلى الحامولي ومحمد عثمان الفضل في تمصير الغناء، أي أداء المقامات التركية على درجات المقامات المصرية التي تلقى قبولاً أكبر لدى المستمع العربي .

ولد عبده الحامولي بالقاهرة في عام ،1836 وينسب اسم الحامولي إلى قرية الحامول بمحافظة كفر الشيخ بدلتا مصر لأسرة من التجار، وعندما شب أراد والده أن يجعله تاجراً، وكانت روحه تعيش مع الألحان والأصوات الجميلة، فسمع أن في القاهرة كل ما هو مثير من طرب وغناء وموسيقا فقرر في الخفاء أن يسافر من بلدته الحامول إلى عاصمة الفنون، خرج من الدار ماشياً على قدميه متجها صوب القاهرة، ولم يكد يقطع مسافة طويلة حتى فوجئ بشقيقه الأكبر يلحق به، فقد استيقظ الأخ ليرى فراش أخيه خالياً فجن جنونه، وكان يعلم أن أخاه يفكر جديا في الانتقال إلى القاهرة، فلحق به ومعه صرة من أشيائه، فخاف عبده أن يعترضه أخوه ولكنه وجد أن أخاه ينوي النية ذاتها .

في القاهرة يتعرف الأخوان إلى عازف للقانون معروف في المنطقة اسمه المعلم شعبان، وعندما يسمع صوت الشاب الصغير، يطير من الفرح ويدرك أنه عثر على جوهرة نادرة المثال، فيأخذ بتدريبه وتعليمه، ليجد عنده أُذنا صاغية وموهبة واعية، وما لبث أن استأجر المعلم شعبان مقهى يدعى مقهى عثمان أغا يقع بالقرب من حديقة الأزبكية ويستعين بفرقة موسيقية، وأصبحا يغنيان معا إلى أن برزت موهبة عبده، فلفتت الأنظار واستأثر بانتباه الناس، حتى راح الشاب الصغير يغني وحده ويكتفي المعلم شعبان بالعزف على القانون بجانبه .

بلغ عبده الحامولي حد النضج بحفظه الكثير من الأدوار والموشحات والقدود الحلبية التي وردت إلى مصر عن طريق رجل تركي اسمه شاكر أفندي، جاء من حلب إلى القاهرة وهو يحمل بضاعة كبيرة من التراث والموسيقا الحلبي والأندلسي الأصل، وكانت حلب وريثة الموسيقا الأندلسية التي امتزجت بالموسيقا الفارسية والتركية والبيزنطية، لكن الحامولي لم يكتف بذلك فقط، بل قام بعبقريته الفنية بالتجديد والتحسين وتأليف الألحان .

كان للخديوي إسماعيل عطف كبير على الفن بشكل خاص، وهذا ما جعله راعياً وكافلاً للمطرب الشاب الحامولي، فكان مطربه الخاص في أفراح القصر واحتفالاته، وكان المطرب النابغ أشبه بالمرافق للخديوي الذي كان كثير الأسفار إلى القسطنطينية، دار الخلافة، بحكم ارتباطه الإداري والسياسي بالخليفة العثماني، وقد اصطحب ذات مرة المطرب الشاب معه وغنى أمام السلطان العثماني فأعجب به كما أعجب به كل من سمعه، إذ كان صوت عبده وأداؤه يغريان بالسماع فعلاً، لكنه في المقابل سمع هو أيضاً من المطربين الأتراك نغمات لم تكن معروفة في الأقطار العربية مثل النهاوند والكرد والحجاز والعجم، ولما عاد إلى مصر أدخل هذه النغمات على غناه فبدا شيئاً طريفاً نال الإعجاب .

وكان الحامولي مشهوراً بأناقته وجمال صورته، وكان قد تزوج عدة مرات حتى وقع في الحب وتزوج من ألمظ التي توفيت في حياته ورثاها بهذا الدور وهو من نظمه وتلحينه وغنائه:

شربت الدمع من بعد التصافي

ومر الحال ما اعرفتش أصافي

يغيب النوم وأفكاري توافي

عدمت الوصل يا قلبي عليّ

على عيني بعاد الحلو ساعة

ولكن للقضا سمعا وطاعة

لأن الروح في الدنيا وداعة

عدمت الوصل يا قلبي عليّ

وتأبى ضريبة الفن إلا أن تحاسب الحامولي حساباً عسيراً، فإن الفن الذي كان يعطيه للناس إنما كان ينتزعه من روحه، فالفنان يقدم للناس عصارة روحه، وذلك ما وقع للحامولي، فقد كان يسهر ويغني ويبتكر أثناء غنائه، فيقدم إحساسه وشعوره في آهاته ولياليه، إلى أن ضعف جسمه فهاجمه داء السل الذي كان كثير الانتشار في تلك الأيام لفقدان دوائه، ومع هذا المرض لم يستطع الحامولي تغيير أي شيء من حياته، حتى استشرى به الداء فمات في مشفى بمدينة حلوان قرب القاهرة، في صباح اليوم الثاني عشر من شهر مايو/أيار لعام 1901 عن عمر يناهز 59 عاماً .

من أشهر أدواره: الله يصون دولة حسنك، ويا ما أنت واحشني، ومليك الحسن في دولة جماله، وأنت فريد في الحسن، وكنت فين والحب فين، وكلها من مقام حجاز كار، وكادني الهوى (مقام نهاوند)، متع حياتك بالأحباب (مقام هزام) .

تمتع بصوت قوي في جمال ومتسع المساحة في غير استعارة، وكان صوته شديد الجاذبية عظيم التأثير .

قدم عبده الحامولي الدور بالأسلوب التقليدي، حيث كان يبدأ من قاعدة المقام متدرجا في الصعود إلى أعلى الدرجات إلى مناطق صوتية تكاد تكون مستحيلة على أي مطرب، ويقال إن صوت الحامولي تجاوز أعلى طبقة في آلة القانون المعروفة بارتفاع طبقاتها عن الصوت البشري، وعاصره من الفنانين أمير الكمان سامي الشوا الذي وصف صوته بالأعجوبة .

تأثر بعبده الحامولي كبار المطربين الأوائل في القرن العشرين مثل عبد الحي حلمي، يوسف المنيلاوي، صالح عبد الحي، وسلامة حجازي .

ظهرت أدوار عبده الحامولي للوجود مرة أخرى بعد وفاته بنحو سبعين عاماً عن طريق فرقة الموسيقا العربية التي أنشأها في القاهرة عبد الحليم نويرة عام ،1967 وطبعت تلك الأدوار على اسطوانات من جديد لقيت قبولاً كبيراً بين محبي الموسيقا العربية، فقد كان لصوته فعل السحر في الناس وقد تحدث عنه أصحابه فقالوا بما يشبه الخيال: إذا غنى أحس الناس كأن رائحة من الورد والياسمين وغيرهما من الأزهار قد اختلط عبقها وانتشر أريجها في جو المكان، فكان تأثيره في الناس كتأثير السحر .