بيروت - إلياس سحّاب:
قبل ثمانية وثلاثين عاماً بالتمام والكمال، رحل عنا في آخر يوم في مثل هذا الشهر مارس/آذار عندليب الغناء العربي من المحيط إلى "الخليج" عبد الحليم حافظ، الذي ظهر في منتصف القرن العشرين، ورحل في ثلاثة أرباعه، لكنه مايزال يتمتع حتى يومنا هذا بلقب اشهر المطربين العرب في النصف الثاني من القرن العشرين، مع انه قد واكب ظهوره مشاهير الطرب مثل كارم محمود ومحمد قنديل ومحمد رشدي، ومحرم فؤاد وقلده كل من كمال حسني وعبد اللطيف التلباني وهاني شاكر، وتزامنت شهرته مع ظهور كبير مطربي العرب في النصف الثاني من القرن وديع الصافي (باعترافه هو شخصياً) . ذلك أن نجومية عبد الحليم حافظ كانت تعتمد على عوامل عدة، أحدها فقط يكمن في جمال حباله الصوتية، وحساسية الأداء، لكن أهمها في رأيي يكمن في كونه أكثر نجوم الغناء في هذه المرحلة تعبيراً رمزياً عن عصره، الذي جاء بعد تربع محمد عبد الوهاب على عرش الغناء العربي الكلاسيكي .
كان طبيعياً بعد أن ولد وترعرع عبد الحليم شبانة في العصر الذهبي لمطرب القرن العشرين محمد عبد الوهاب، أن يتربى على أغنياته القديمة في العشرينات والثلاثينات والأربعينات، التي كان يحلو له ان يردد الكثير منها بين أصحابه، وفي الصفوف التي كان يدرس فيها الموسيقى، لكن جمال صوته، وحاسيته في الأداء، وعشقه أغنيات استاذه محمد عبد الوهاب، لم تمنع عبد الحليم شبانة من أن يبدأ طريقه الموسيقي الطويل بتعلم العزف على آلة الأوبوا، أجمل آلات النفخ الخشبي في الأوركسترا السيمفونية الأوروبية . وذلك في معهد الموسيقى الذي كان يضم في الفترة نفسها كمال الطويل، وأحمد فؤاد حسن وعلي إسماعيل .
وظلت هذه البداية تلازمه في خصوصياتها الفنية، حتى بعد أن تفرغ للغناء على يدي صديق عمره الموسيقار محمد الموجي . ذلك أن ذبذبات عبد الحليم حافظ الصوتية الساحرة، التي وقفت وراء شهرته ونجوميته، كانت ترجمة حرفية لذبذبات آلة الاوبوا الشديدة الحساسية والجمال .
بعد ذلك، شاء القدر ان تكون ولادة عبد الحليم حافظ الفنية، متزامنة مع ولادة عصر جديد في مصر والوطن العربي، هو عصر ولادة الجمهورية في مصر، بعد الاطاحة بالملكية، وسرعان ما جاءت الترجمة الفنية لهذه التحولات السياسية والاجتماعية، بوجود تجمع فني جديد حول حنجرة عبد الحليم حافظ الذهبية، هم المحلنون المجددون كمال الطويل ومحمد الموجي وبعد ذلك بليغ حمدي، مع مواكبة قوية من محمد عبد الوهاب المتجدد دائماً وأبداً، إضافة إلى وجود عباقرة التجديد في الشعر الغنائي من أمثال صلاح جاهين وعبدالرحمن الأبنودي ومرسي جميل عزيز، بعد بداية مشرقة مع سمير محبوب ومحمد علي أحمد .
ولعل ما توج الاكتمال الفني للنهضة الموسيقية والغنائية التي كان عبد الحليم حافظ رمزاً لها بكل معنى الكلمة، ظهور عبقريي التوزيع الموسيقي اندريا رايدر وعلي إسماعيل، يواكبان كل ما تجود به قرائح الملحنين المجددين، من أغنيات جديدة، يشدو بها عبد الحليم حافظ .
هو لم يكن في عصره أقوى الأصوات (أمام مطربين مثل محمد قنديل ووديع الصافي ومحمد عبد المطلب)، ولم يكن أوسعها في المساحة الموسيقية . لكن أحاسيسه المرهفة التي كان يطلقها من خلال آلة العرب الموسيقية الشفافة التي يختزنها في حنجرته، كانت الأسرع وصولاً إلى قلوب المستمعين ووجدانهم، في عصر كان محمد عبد الوهاب ما يزال يسمعنا صوته من حين لآخر رغم اعتزاله المغنى رسمياً في مطلع الستينات، وفي عصر كانت لا تزال أم كلثوم تملأه بالغناء الساحر بين الخمسينات والسبعينات .
نظلم عبد الحليم حافظ كثيراً عندما نحصر تعبيره عن تلك المرحلة الذهبية، بأغنياته الوطنية الرائعة التي كانت تأريخاً دقيقاً لأحداث ثورة 23 يوليو، لكن تمثيل عبد الحليم حافظ يتجاوز هذا التفصيل، بأنه حتى في أغنياته العاطفية، كان الأصدق تمثيلاً للتحولات الاجتماعية التي اجتاحت الأمة العربية في أيامه . لذلك، فإننا، ومع اقتراب مرور أربعين عاماً على ذكراه، ما تزال أغنياته بين الأكثر تداولاً . والأقرب إلى الآذان والوجدان .
قبل ثمانية وثلاثين عاماً بالتمام والكمال، رحل عنا في آخر يوم في مثل هذا الشهر مارس/آذار عندليب الغناء العربي من المحيط إلى "الخليج" عبد الحليم حافظ، الذي ظهر في منتصف القرن العشرين، ورحل في ثلاثة أرباعه، لكنه مايزال يتمتع حتى يومنا هذا بلقب اشهر المطربين العرب في النصف الثاني من القرن العشرين، مع انه قد واكب ظهوره مشاهير الطرب مثل كارم محمود ومحمد قنديل ومحمد رشدي، ومحرم فؤاد وقلده كل من كمال حسني وعبد اللطيف التلباني وهاني شاكر، وتزامنت شهرته مع ظهور كبير مطربي العرب في النصف الثاني من القرن وديع الصافي (باعترافه هو شخصياً) . ذلك أن نجومية عبد الحليم حافظ كانت تعتمد على عوامل عدة، أحدها فقط يكمن في جمال حباله الصوتية، وحساسية الأداء، لكن أهمها في رأيي يكمن في كونه أكثر نجوم الغناء في هذه المرحلة تعبيراً رمزياً عن عصره، الذي جاء بعد تربع محمد عبد الوهاب على عرش الغناء العربي الكلاسيكي .
كان طبيعياً بعد أن ولد وترعرع عبد الحليم شبانة في العصر الذهبي لمطرب القرن العشرين محمد عبد الوهاب، أن يتربى على أغنياته القديمة في العشرينات والثلاثينات والأربعينات، التي كان يحلو له ان يردد الكثير منها بين أصحابه، وفي الصفوف التي كان يدرس فيها الموسيقى، لكن جمال صوته، وحاسيته في الأداء، وعشقه أغنيات استاذه محمد عبد الوهاب، لم تمنع عبد الحليم شبانة من أن يبدأ طريقه الموسيقي الطويل بتعلم العزف على آلة الأوبوا، أجمل آلات النفخ الخشبي في الأوركسترا السيمفونية الأوروبية . وذلك في معهد الموسيقى الذي كان يضم في الفترة نفسها كمال الطويل، وأحمد فؤاد حسن وعلي إسماعيل .
وظلت هذه البداية تلازمه في خصوصياتها الفنية، حتى بعد أن تفرغ للغناء على يدي صديق عمره الموسيقار محمد الموجي . ذلك أن ذبذبات عبد الحليم حافظ الصوتية الساحرة، التي وقفت وراء شهرته ونجوميته، كانت ترجمة حرفية لذبذبات آلة الاوبوا الشديدة الحساسية والجمال .
بعد ذلك، شاء القدر ان تكون ولادة عبد الحليم حافظ الفنية، متزامنة مع ولادة عصر جديد في مصر والوطن العربي، هو عصر ولادة الجمهورية في مصر، بعد الاطاحة بالملكية، وسرعان ما جاءت الترجمة الفنية لهذه التحولات السياسية والاجتماعية، بوجود تجمع فني جديد حول حنجرة عبد الحليم حافظ الذهبية، هم المحلنون المجددون كمال الطويل ومحمد الموجي وبعد ذلك بليغ حمدي، مع مواكبة قوية من محمد عبد الوهاب المتجدد دائماً وأبداً، إضافة إلى وجود عباقرة التجديد في الشعر الغنائي من أمثال صلاح جاهين وعبدالرحمن الأبنودي ومرسي جميل عزيز، بعد بداية مشرقة مع سمير محبوب ومحمد علي أحمد .
ولعل ما توج الاكتمال الفني للنهضة الموسيقية والغنائية التي كان عبد الحليم حافظ رمزاً لها بكل معنى الكلمة، ظهور عبقريي التوزيع الموسيقي اندريا رايدر وعلي إسماعيل، يواكبان كل ما تجود به قرائح الملحنين المجددين، من أغنيات جديدة، يشدو بها عبد الحليم حافظ .
هو لم يكن في عصره أقوى الأصوات (أمام مطربين مثل محمد قنديل ووديع الصافي ومحمد عبد المطلب)، ولم يكن أوسعها في المساحة الموسيقية . لكن أحاسيسه المرهفة التي كان يطلقها من خلال آلة العرب الموسيقية الشفافة التي يختزنها في حنجرته، كانت الأسرع وصولاً إلى قلوب المستمعين ووجدانهم، في عصر كان محمد عبد الوهاب ما يزال يسمعنا صوته من حين لآخر رغم اعتزاله المغنى رسمياً في مطلع الستينات، وفي عصر كانت لا تزال أم كلثوم تملأه بالغناء الساحر بين الخمسينات والسبعينات .
نظلم عبد الحليم حافظ كثيراً عندما نحصر تعبيره عن تلك المرحلة الذهبية، بأغنياته الوطنية الرائعة التي كانت تأريخاً دقيقاً لأحداث ثورة 23 يوليو، لكن تمثيل عبد الحليم حافظ يتجاوز هذا التفصيل، بأنه حتى في أغنياته العاطفية، كان الأصدق تمثيلاً للتحولات الاجتماعية التي اجتاحت الأمة العربية في أيامه . لذلك، فإننا، ومع اقتراب مرور أربعين عاماً على ذكراه، ما تزال أغنياته بين الأكثر تداولاً . والأقرب إلى الآذان والوجدان .