جسدت حياته قصة بطولة غير عادية، رجل، فرد، مطارد، يتمكن من الهروب من أعدائه العباسيين عبر مخاطر تحيق به من كل جانب، غادر حاضرة الخلافة متجهاً إلى المغرب الأقصى، ومنه إلى بلاد الأندلس ليقيم فيها دولة للأمويين، ليعرف بعبد الرحمن الداخل، ويحوز عن جدارة لقب «صقر قريش».
هو عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان، كنيته: أبو المطرف، وكانت أمه سبية بربرية من قبيلة «نفزة» بالمغرب الأقصى.
ولد سنة 113 هجرية الموافقة سنة 731 ميلادية في خلافة جده هشام بن عبد الملك، ونشأ يتيماً فقد مات أبوه وهو صغير، فتربى في بيت الخلافة الأموي، ولما انقضى ملك الأمويين في الشام، وتعقب العباسيون رجالهم بالقتل أو الأسر، أفلت عبد الرحمن، وأقام في قرية على الفرات، فتتبعته الخيل، فأوى إلى بعض الأدغال حتى أمن، وبدأ رحلة هروب طويلة عبر فيها الحجاز ومصر وليبيا والقيروان قاصداً المغرب، فبلغ إفريقية، فألح عاملها (عبد الرحمن بن حبيب الفهري) بطلبه، فانصرف إلى مكناسة وقد لحق به مولاه بدر بنفقة وجواهر كان قد طلبها من أخت له تدعى (أم الإصبع) ثم تحول إلى منازل نفزاوة وهم من البربر، وأمه منهم، فأقام فيهم مدة يكاتب من في الأندلس من الأمويين، ثم بعث إليهم مولاه بدر، فأبلغوه طاعتهم له، وعادوا به إلى قرطبة، وبدأت فصول قصته الكبرى.
سياسة حكيمة
كانت الأندلس في نهاية «عهد الولاة» في حالة من الفوضى والانقسام، وكان لبني أمية فيها الكثير من المريدين، والمحبين من غير بني أمية من القبائل الأخرى المختلفة، وكانت الأندلس أصلح البلدان لاستقباله؛ لأنها أبعد الأماكن عن «العباسيين»، وحين دخلها بدأ على الفور في تجميع محبي الدولة الأموية، والبربر، وبعض القبائل المعارضة ليوسف بن عبد الرحمن الفهري، ومع ذلك لم يجد العدد كافياً بحيث يستطيع به أن يغير الأوضاع، فاستمال اليمنيين الذين كانوا على خلاف مع يوسف بن عبد الرحمن الفهري فقبلوا أن يتحدوا معه، وكان على رأسهم أبو الصباح اليحصبي، وكان المقرّ الرئيسي لهم إشبيلية، وهي المدينة الكبيرة التي تعدّ حاضرة من حواضر الإسلام في ذلك الوقت، وأرسل عبدالرحمن إلى يوسف بن عبد الرحمن الفهري، عدة رسائل يطلب وده وأن يسلم له الإمارة ويكون الفهري رجلاً من رجاله في بلاد الأندلس، بحكم أنه حفيد هشام بن عبد الملك من رموز الخلافة الأموية، لكن الفهري رفض، وجهز جيشاً ليحارب عبد الرحمن بن معاوية ومن معه.
والتقى الجيشان في ذي الحجة سنة 138 ه، مايو/أيار 756 م وفي موقعة كبيرة عُرفت في التاريخ باسم موقعة «المسارة»، دار قتال شرس بينهما انتصر فيه عبد الرحمن بن معاوية، وفَرّ يوسف الفهري، وبعد الكثير من الكر والفر بينهما حاصر الداخل خصومه في إلبيرة، فطلب الفهري وحليف له يدعى الصميل الصلح على أن يعترفا بإمارته، ولا ينازعاه فيها، وأن يؤمنهما على النفس والمال والأهل، وأن يؤمن حلفاءهما وأعوانهما ويسمح لهما بسكنى قرطبة تحت رعايته ورقابته، وتم الصلح بين الفريقين عام 140 ه. وقفل يوسف والصُميل مع عبد الرحمن الداخل إلى قرطبة وانفض جندهما، وعمل عبد الرحمن على إكرامهما وتقدير مكانتهما.
فترة الإمارة الأموية
لم يمضِ عام حتى حاول أنصار يوسف السابقون حمله على الثورة فهرب إليهم سنة 141 ه، ولما علم عبد الرحمن بهربه أتبعه الخيل وقبض على ابنه واعتقل الصميل تحسباً لأي خطر قد يشارك فيه وتقدم يوسف نحو إشبيلية وحاصرها وكان واليها عبد الملك بن عمر المرواني الذي طلب من ابنه والي مورور نجدته. ففك يوسف الحصار ليتوجه إلى عبد الرحمن الداخل. لكن عبد الملك وابنه زحفا خلف يوسف الذي رأى التخلص منهما أولاً، ودارت بينهما معركة، انهزم فيها يوسف، وتفرق من معه، وفر إلى طليطلة ليحتمي بها عند هشام بن عروة الفهري والي طليطلة، فأدركه عبد الله بن عمر الأنصاري قبل طليطلة بأربعة أميال فقتله، وبعث برأسه إلى عبد الرحمن الداخل. الذي أمر بقتل عبد الرحمن بن يوسف المعتقل لديه، كما خنق الصميل في سجنه، وقتل جميع أنصار يوسف الفهري لتبدأ صفحة جديدة من تاريخ الأندلس.
ورغم الكثير من الثورات والمناوشات استطاع عبد الرحمن الداخل أن يسيطر على الأوضاع في بلاد الأندلس وثبتت إمارته لها وعُرفت تلك الفترة بفترة الإمارة الأموية، التي تبدأ من سنة 138ه، 755 م وتنتهي سنة 316 ه 928 م وسميت «إمارة» لأنها أصبحت منفصلة عن الخلافة الإسلامية، سواء كانت في عصر الخلافة العباسية أو ما تلاها بعد ذلك من العصور إلى آخر عهود الأندلس.
صبر وأناة
بدأ عبد الرحمن الداخل ينظم الأمور في بلاد الأندلس، واستطاع بصبر شديد وأناة أن يخمد الثورات الواحدة تلو الأخرى، حيث كان يستميل بعضها ويحارب الأخرى، وفي فترة حكمه التي امتدت أربعة وثلاثين عاماً متصلة، من سنة 138 ه، 755 م وحتى سنة 172 ه، 788 م كانت قد قامت عليه أكثر من خمس وعشرين ثورة، وهو يقمعها بنجاح عجيبٍ الواحدة تلو الأخرى.
اتبع عبد الرحمن الداخل سُنة أسلافه من الأمويين في نظام الحكم، فاتخذ حُجّاباً، ولم يتخذ وزراء، واحتفظ دوماً بمجموعة من المستشارين، أغلبهم ممن استقبلوه وناصروه في بداية عهده وقاتلوا معه، واهتمّ بجيشه الذي كان الدعامة التي ساعدته على السيطرة على مقاليد الأمر طوال حكمه، فبلغ جيش عبد الرحمن الداخل مئة ألف جندي من المتطوعين والمرتزقة، لشكوكه في العرب بسبب نزعاتهم المستمرة للثورة، إضافة إلى حرسه الخاص الذي بلغ أربعين ألفاً من الموالي والبربر والرقيق، كما أنشأ في أواخر عهده عدداً من قواعد بناء السفن.
عاش عبد الرحمن الداخل تسعاً وخمسين سنة، منها تسع عشرة سنة في دمشق والعراق قبل سقوط دولة الأمويين، وست سنوات فراراً من بني العباس وتخطيطاً لدخول الأندلس، و34 سنة في الملك ببلاد الأندلس، وتوفي بقرطبة ودفن بها في جمادى الأولى سنة 172 هجرية الموافق أكتوبر/تشرين الأول سنة 788 ميلادية.