القاهرة: «الخليج»

يمثل الناقد د. عبد القادر القط (1916-2002) المرحلة التي تلت جيل د. طه حسين، وللقطّ مواقف أدبية ونقدية عديدة، فهو شاعر بدأ حياته الأدبية بكتابة الشعر، ونشره في الصحف والمجلات، ولكن إحباطات عديدة دفعته للتوقف عن الشعر، ومع أنه رومانسي النزعة، فإنه قام بدعم حركة الشعر الحر في مصر، وقد قام د. عبد البديع عبد الله، بإجراء حوار مطول مع د. القط، يتناول سيرته، ونشره تحت عنوان: «عبد القادر القط.. ذكريات عمر».
يتحدث القط عن طفولته في قرية في شمال الدلتا، حين كان إيقاع الحياة هادئاً، وتنتقل تجارب الكبار إلى الصغار بتلقائية شديدة، وكان هناك نشاط ثقافي يتمثل في قراءة السيرة الشعبية، ففي القرية ثلاث أو أربع قاعات كبيرة، ولكل سيرة قاعة، فهناك سيرة الظاهر بيبرس، وهناك سيرة سيف بن ذي يزن، أو عنترة، أو ذات الهمة، وكان الناس مرتبطين بهذه السيرة، ويجدون فيها غذاء فنياً أو روحياً، كما كانوا يتمثلون هذه البطولات وكان هناك أيضاً مظهر آخر للثقافة يتمثل في طائفة المداحين الذين كانوا ينشدون القصص الدينية المرتبطة بالنبي، إضافة إلى حلقات الذكر والمولد، حيث كان المنشد يترنم بأناشيد دينية وكانت قصيدة «البردة» للبوصيري تروى في مناسبات كثيرة في الأفراح والمآتم.

كان هذا هو الجو العام الثقافي الذي نشأ فيه د. عبد القادر القط، لينتقل بعد ذلك للحديث عن المدرسة الأولية التي التحق بها، حيث كان الاهتمام باللغة العربية واضحاً، وإن كانت موضوعات الإنشاء من النوع الذي لا يجذبه، في حين أن الموضوعات الرومانسية هي التي كانت تثيره، فقد كان تقلّب الفصول والربيع أشياء ذات طابع جمالي محبب لديه.
كانت «البؤساء» لفيكتور هوجو أول رواية كاملة يقرأها القط، وكانت بترجمة الشاعر حافظ إبراهيم، وكان من حسن حظه أن والد أحد أصدقائه كانت لديه مكتبة عامرة بالكتب، قرأ من خلالها كتب المنفلوطي، وكان إحساس القط في تلك المرحلة باللغة العربية يأتي في هذا الإطار الرومانسي الواضح، وكما يقول: «كان مستوى الأساتذة جيداً في كل المواد، وأذكر أن مدرس اللغة العربية كان يبدأ الدرس فيمهد لك بأقصوصة من التراث، من كتاب الأغاني، أو من كتب اللغة العربية القديمة الأخرى، وكنا نستمتع بهذا متعة كبيرة».
وحصل القط على البكالوريا سنة 1934 وانتقل إلى الجامعة للدراسة في كلية الآداب، وكانت هناك توترات سياسية فقامت المظاهرات سنة 1935 بسبب إبعاد طه حسين عن الجامعة. يقول القط: «كنا مفتونين بطه حسين في ذلك الوقت، بأسلوبه النثري الجديد، الذي تجاوز به أسلوب المنفلوطي. قلت الفواصل والسجع والألفاظ الرنانة. في أسلوب طه حسين نوع من الانسياب والموسيقية المنسابة، والمعنى زاد عمقاً، والرؤية ازدادت حداثة وتأثراً بالفكر الأوروبي. طه حسين كان يحمل فكراً جديداً ورؤية جديدة للتراث العربي». ويقول: «كان لطه حسين موسم ثقافي كل عام يُلقي فيه محاضرات بقاعة إيوارت التذكارية بالجامعة الأمريكية، وكان الحضور كثيراً جداً، كحضور أي مهرجان كبير، وكنا من شدة الزحام نقف عند الجدران، فلا موطئ لقدم، وكان إلقاؤه فيه انسيابية وموسيقية تماثل موسيقية أسلوبه».
لم يرتبط القط بعميد الأدب العربي، إلا بعد تخرجه في الجامعة، عندما كان يحقق مع د. عبد العزيز الأهواني كتاب «الذخيرة» لابن بسام، تحت إشراف طه حسين، وكان يزوره في بيته لاطلاعه على ما تم إنجازه، فقامت بينهما صلة شخصية إلى أن رحل العميد في عام 1973. كانت القصائد التي يكتبها القط آنذاك تدور حول محورين، أولهما المواجهة بين المثال والواقع، بمعنى أن الشاعر يرسم لمن يحب صورة مثالية، يمكن أن تكون للناس والحياة والعدالة والحق، لكن تبدأ من جزئية الحب، ثم يواجه الواقع، ليتأكد له عبر تلك المواجهة المستمرة بين المثال والواقع، أن الواقع يحطم المثال، ولذلك نجد في ديوان القط «ذكريات شباب» هذا المحور كان واضحاً حتى في عناوين القصائد.
أما المحور الثاني في هذا الديوان فيدل عليه المستوى السياسي والاجتماعي، وكما يقول القط: «كنا مجموعة من الشباب نتطلع دائماً إلى نوع من العدالة الاجتماعية والديمقراطية والطهارة السياسية، وكنا نعمل أحياناً مع بعض الأحزاب السياسية التي في تصورنا تسعى لما نسعى إليه، ثم يتبين لنا أنها ليست كما تصورنا، فنذهب إلى حزب آخر، ولهذا تقلّبنا في هذه الفترة مع كثير من الاتجاهات».
بدأ القط حياته وفدياً ثم سعدياً، ثم ناشطاً في جماعة مصر الفتاة، إلى أن بدأت الجماعة في العنف، وحطموا الحانات وأطلقوا على أنفسهم «الحزب الوطني الاشتراكي»، وأرسلوا إلى هتلر رسالة يدعونه فيها إلى الإسلام، وقد ترجمها إلى الألمانية د. عبد الرحمن بدوي، تقول في مطلعها: «أسلم تسلم فإن لم تسلم فإن عليك إثم الجرمانيين»، فانسحب القط من الحزب، لكنه أبقى على صداقته لأحمد حسين، ومحمد صبيح، وشارك في مشروع «القرش» الذي كان يطالب بعدم استيراد الخامة التي يصنع منها الطربوش من النمسا. ويرى القط أن «مدرسة الديوان» التي أسسها عبد الرحمن شكري، والعقاد، والمازني، أُعطيت أهمية تفوق تأثيرها، موضحاً أن أهمية هذه المدرسة فيما كتبوه من مقدمات لدواوينهم، أو ما كتبه أحدهم مقدمة لديوان الآخر، فكانوا يبشرون في المقدمات بمفهوم الشعر الجديد بطريقة موضوعية، أكثر هدوء، وأقل تحاملاً، لم يكن هناك موضوع للتحامل، فحديثهم عن شوقي فيه قصد لهدم هذا «المثال الكبير». ويشير إلى أن المازني كان أشعر الثلاثة، وكانت له قصيدة تعدّ من بدايات الشعر الجديد، في حين كان العقاد متحفظاً لنزعته الفكرية الغالبة عليه، وهو يميل إلى الفكر حتى في شعره وإن كان العقاد مظلوماً من هذه الناحية فشعره عند الناس جاف، على الرغم من أن له شعراً عاطفياً جميلاً. وفي حديثه عن أبرز النقاد يتوقف القط أمام لويس عوض، مشيراً إلى أنه لم يكن ناقداً أدبياً بالمعنى الصحيح، فهو أصلاً مؤرخ ثقافي وسياسي وحضاري في المجتمع المصري والعربي، واهتماماته الأولى الأساسية كانت رصد ملامح الاتصال الحضاري في المجتمع، مع ظهور الملامح الثقافية لهذا التطور، سواء كانت مسرحاً أم مقالات نقدية، إنما هو أساساً يرصد التطورات الحضارية.