إعداد: علي كامل خطاب

تمتعت الإمارات برعيل أول كان لهم السبق في بناء الدولة والإسهام في كل ما هو الآن من منجز حضاري، وبناء شامخ وحضارة شاهدة على العصر، ولم يقتصر دورهم على مجال بعينه، بل كانوا ماهرين في مجالات عدة، ومتخصصين في أعمال متنوعة أسهمت في خلق تنوع ثقافي وفكري ومعماري وحضاري للدولة.
هؤلاء دورهم لا ينسى، ولابد من أن يسطره التاريخ، ليكون نبراساً للجيل الحالي، فيتخذون منهم قدوة ومثلاً، ويستنيرون بهديهم في مسيرتهم نحو بناء الحاضر وتعمير المستقبل.
مثلت هذه المرحلة بواكير النهضة في الإمارات، وأسهمت في خلق فضاء ثقافي رحب، ساير في نهجه ومضمونه ركب الثقافة العربية الناهض في عمومه، كما تمايز على غراره جيلان بارزان في الثقافة الإماراتية، ظهر الأول منهما مطلع القرن العشرين، وكان مفعماً بالنشاط والحماسة، وأسهم في وضع الأسس التعليمية والإصلاحية والثقافية.
يعد الشيخ عبد الله بن محمد بن يوسف الشيبة آل بو خريبان النعيمي، أحد هؤلاء، الذين كان دورهم في البناء والتأسيس، لا يقل عن غيره من رجالات الإمارات، فكل منهم بنى وشيد، حيث نال قسطاً كبيراً من التعليم، وعمل في مختلف الأعمال، ما جعله أحد رواد النهضة الحديثة التي تشهدها الإمارات.

مولده وتعليمه

ولد الشيبة في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، في عام 1892م، الموافق 1310ه، وهو ينتمي إلى قبيلة النعيمي، من آل بو خريبان، ودرس في بداية حياته في كتاتيب عجمان، وبعد ذلك درس على يد عالم من فارس يدعى أبو الهدى، ثم التحق بالمدرسة التيمية المحمودية، ودرس فيها إلى أن أنهى دراسته، وكان ضمن أول بعثه دراسية أرسلها الشيخ علي المحمود للدراسة على نفقته إلى قطر، كما استفاد كثيراً من دراسته على يد الشيخ محمد بن عبد العزيز المانع، التي أهلته للإمامة والقضاء بعد عودته إلى عجمان، وكانت له علاقاته الكثيرة مع تجار قطر، فقد كان يبيع ويشتري اللؤلؤ، واشتغل في الطواشة، فكان من أشهر الطواويش في إمارات الساحل.

سيرته الشعرية

كان من أهم الهوايات لدى الشيخ عبد الله الشيبة ،الشعر، وكان نتاجاً طبيعياً لموهبة، وقريحة نقية وثقافة واسعة، وسعة اطلاع، بدرت في عصره، ويعد من أهم شعراء الفصحى في الإمارات، ومن المهتمين بالشعر، ولم يتجاوز الأغراض السائدة في عصره من مدح ووصف وغزل.

سماته الشخصية

كانت أهم صفاته، رحمه الله، حب القراءة والاطلاع، واقتناء الكتب، وكان فصيح اللسان، شجاع القلب، طيب الصحبة والعشرة، وفياً وسخياً، وراجح العقل وحسن السلوك، إلى جانب الكثير من عظيم الصفات، التي تربى عليها منذ نعومة أظفاره. وضمت مكتبته العديد من الكتب الدينية والأدبية والاجتماعية والتاريخية والسياسية، وكان متابعاً جيداً لكل جديد في الصحف، على المستويين العربي والإسلامي.
وترك الشيبة تاريخاً شفهياً رسم معالم الإمارات، من خلال ما سجله له الباحث عبد الله عبد الرحمن، في الجزء الثالث من «الإمارات في ذاكرة أبنائها»، حيث استقى وتشرب وتشبع من حوالي 29 مجلساً، حين زار وتعايش وسأل وكتب، والتقاه وعدداً من أبناء جيله الذين سطروا تاريخ الإمارات في حقبة مهمة من تاريخها، فكان أحد من رسم معالمها في أذهان المعاصرين من أبنائها الحاليين، من خلال ما قدمه من سيرة وتراث شعبي في المجالس، التي عقدت معه هو ومعاصروه، من أمثال: الشيخ حميد بن أحمد بن فلاو، والشيخ حمد بن محمد المشغوني، والشيخ حسن بن صالح الظفير، والشيخ محمد بن صالح الظفير، والشيخ حميد بن راشد الكندي، والشيخ إبراهيم بن محمد المدفع، والشيخ محمد بن يوسف الشيباني، والشيخ أحمد بن حمد الشيباني وغيرهم كثير، وكانوا بمثابة الجيل الثاني من الرعيل الأول.
ومن أهم ما سجل وعرف أيضاً من خلال هذه الإسهامات الشفهية له، بناء النسيج الاجتماعي الإماراتي في عصره، وثقافة مجتمع الساحل والبحر، وبعد الأحداث المهمة التي شهدتها البلاد قبل عشرات السنوات، وثقافة رمضان، ورحلات الحج والعمرة والتكافل الاجتماعي على موائد الإفطار، وكيفية التعامل مع خرائط المغاصات، واستفزاز الإنجليز وإضراب العمال المواطنين.
كما نعرف أيضاً ملامح مجتمع الصحراء والجبل، وذكريات الأعراس وحفر الآبار، ودور المرأة في المجتمع الإماراتي قديما، وإعداد حفلات الأعراس وبعض المأثورات عن الشمس والقمر والنجوم، وتوظيفها في الملاحة البحرية والتنقلات البرية، وغير ذلك من موضوعات اجتماعية.

رحلته إلى السعودية

أصبح، رحمه الله، إماماً وقاضياً وخطيباً في جامع عجمان بعد أن تأهل جيداً لذلك، بشهادة أساتذته وشيوخه، وكان ضمن وفد من عجمان سافر إلى المملكة العربية السعودية لمقابلة الملك سعود بن عبدالعزيز آل سعود، مع مجموعة من وجهاء القوم في عجمان، وكانت رحلتهم عن طريق البحر، بواسطة إحدى السفن التي نقلتهم إلى البحرين، ثم إلى الخبر ومن الخبر انتقلوا إلى الأحساء، ومنها إلى الرياض، وبعد أن التقوا الملك سعود وأنهوا الزيارة، سأل الملك عما يرغبون فيه من العطايا، وكانت المفاجأة أن طلب الشيخ الشيبة أن يزوده الملك بأنواع مختلفة من الكتب في المجالات العلمية كلها، فعرف أنه أحد طلاب العلم النابهين وشيوخه المهتمين به، ويعد الكتاب بالنسبة له زاده في حله وترحاله، وتم تزويده بالكتب التي نقلت عن طريق البحر، وكانت الكتب النواة للمكتبة، التي أقامها وأصبحت تزود طلاب العلم على جميع المستويات، بالكتب والمراجع كافة.

تأسيس المكتبة الأهلية

أسس الشيبة، المكتبة الأهلية في عجمان، والتي صارت مرجعا مهما لطلاب العلم، كما أسهمت في تخريج جيل بأكمله من المثقفين وطلاب العلم، من الجامعات والمعاهد العلمية، وحملة الدكتوراه في جميع التخصصات.
وكانت المكتبة ضمن محتويات منزله، ثم أصبحت في ملحق صغير بالقرب من البيت، بعد ذلك طرأت فكرة إنشاء مكتبة يؤمها أهل الحي، ومن يرغب من العلماء والمثقفين، وبالفعل تم نقلها إلى مكان أرحب وأوسع، وتستقبل على مدار العام عشرات الآلاف من الباحثين والزوار وطلاب العلم، وذوي التخصصات المختلفة لاستكمال أبحاثهم.
ومن أهم الأنشطة التي تقوم بها أيضاً، تنظيم مسابقة حفظ الحديث الشريف، خلال الإجازة الصيفية، من كل عام، وذلك حرصاً منها على الاهتمام بالسنة النبوية واستغلال واستثمار أوقات فراغ الطلاب والطالبات وربات البيوت، وتواصل المكتبة تنظيمها للمسابقة، بعدما نهجت هذا الطرح سنوياً منذ 18 عاماً، لتقدم المسابقة في أسلوب جديد وعرض جيد من شأنه أن يفيد المشاركين والمستهدفين من المسابقة، والذي سيتناول أحاديث من سيرة المصطفى، صلى الله عليه وسلم، في إصدار خاص سيوزع قريباً يحمل اسم «الإصدار الثامن عشر لمكتبة الشيبة في حفظ الأحاديث النبوية الشريفة».
في عام 1988، انتقل الشيخ عبد الله الشيبة، إلى جوار ربه بعد حياة حافلة بالبذل والعطاء والتضحيات.